لم تعد زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الصين مجرد محطة دبلوماسية عادية، بل تعكس تحولا واضحا في طريقة تعاطي الولايات المتحدة مع القوة الصينية الصاعدة، في لحظة دولية معقدة تتداخل فيها الحرب في أوروبا، والتوترات في الشرق الأوسط، وأزمات الطاقة والتكنولوجيا والتجارة العالمية.
ورصدت “المحيط” خلال الساعات الأخيرة تصاعد التحليلات الأمريكية التي تتحدث عن تراجع قدرة واشنطن على الضغط على بكين مقارنة بسنوات الولاية الأولى لترامب بين 2016 و2020، حين قاد الرئيس الأمريكي حربا تجارية وتكنولوجية واسعة ضد الصين، ورفع الرسوم الجمركية، ووضع شركات صينية كبرى في قلب المواجهة الاقتصادية والأمنية.
لكن المشهد اليوم يبدو مختلفا. فالصين لم تعد فقط “مصنع العالم”، بل تحولت إلى قوة تنافس الولايات المتحدة في الذكاء الاصطناعي، والطاقة، والبنية الرقمية، والصناعات المتقدمة، ما جعل خطاب ترامب أكثر واقعية مقارنة بخطابه السابق القائم على التصعيد المباشر.
وفي هذا السياق، اعتبرت مجلة “الشؤون الخارجية” الأمريكية أن الولايات المتحدة فقدت جزءا مهما من أوراق الضغط على الصين، مشيرة إلى أن ترامب انتقل خلال فترة قصيرة من فرض شبه حصار تجاري على بكين إلى الحديث عن إمكانية بناء شراكة كبرى بين القوتين، في مؤشر على تغير الحسابات الأمريكية أمام التحولات الاقتصادية العالمية.
وتأتي الزيارة في وقت تتصدر فيه أزمة مضيق هرمز واجهة التوترات الدولية، باعتباره ممرا استراتيجيا لتدفقات النفط والطاقة العالمية. ووفق ما نقلته وسائل إعلام أمريكية، فقد ناقش ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ الحرب مع إيران ومستقبل الملاحة في المضيق، كما اتفق الجانبان على أن “إيران لا يمكن أبدا أن تمتلك سلاحا نوويا”.
وأكد الطرفان أيضا ضرورة إبقاء مضيق هرمز مفتوحا أمام الملاحة الدولية، بينما شدد الرئيس الصيني على رفض تحويل المضيق إلى منطقة عسكرية أو فرض رسوم عبور عليه، في موقف يعكس حجم المخاوف الصينية من أي اضطراب طويل في تدفقات الطاقة، خصوصا أن بكين تعتمد بشكل كبير على نفط الخليج لتغذية اقتصادها الصناعي الضخم.
وفي تحليل نشره “معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى”، اعتبر الباحث غرانت روملي أن ترامب وصل إلى بكين وهو بحاجة فعلية إلى مساعدة الصين في الشرق الأوسط، لأن بكين تعد الطرف الدولي الأكثر امتلاكا لأوراق الضغط على إيران، بحكم كونها أكبر مشتر للنفط الإيراني واستمرار علاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع طهران.
ويشير التحليل إلى أن الصين تحاول الحفاظ على توازن دقيق بين مصالحها مع إيران وعلاقاتها الاقتصادية الضخمة مع الولايات المتحدة. فهي لا تريد خسارة طهران كشريك استراتيجي مهم في الطاقة ومشاريع التجارة العابرة للقارات، لكنها في المقابل تدرك أن أي مواجهة مباشرة مع واشنطن قد تضر بنموها الاقتصادي وتدفق صادراتها وأسواقها العالمية.
كما كشفت التحليلات الأمريكية أن بكين أصبحت أكثر استعدادا لمواجهة العقوبات الأمريكية، خصوصا بعد تفعيل ما يعرف بـ”قواعد الحماية”، التي تمنع الشركات الصينية من الامتثال لبعض العقوبات الأمريكية، في خطوة تعكس انتقال الحرب الاقتصادية بين الطرفين إلى مرحلة أكثر تعقيدا وتشابكا.
ولا يتوقف الصراع بين القوتين عند الملف الإيراني أو التجارة فقط، بل يمتد إلى معركة النفوذ التكنولوجي العالمي، خاصة في منطقة الخليج. فالمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة أصبحتا بدورهما ساحة تنافس أمريكي صيني في مجالات الذكاء الاصطناعي والبنية الرقمية والطاقة والتكنولوجيا المتقدمة، في ظل سعي هذه الدول إلى التحول إلى مراكز إقليمية للابتكار والصناعات المستقبلية.
كما أن الحرب مع إيران أظهرت هشاشة التوازنات الإقليمية، وأعادت طرح أسئلة تتجاوز الجانب العسكري إلى قضايا أمن الطاقة، وصمود البنية التحتية، وحماية شبكات الإمداد العالمية، وهي ملفات باتت تشكل جزءا أساسيا من التنافس الجيوسياسي بين القوى الكبرى.
وفي الخلفية، تراقب روسيا هذه التحولات عن قرب، خاصة مع سعيها لتعزيز صادرات الطاقة نحو الصين عبر مشاريع ضخمة لنقل الغاز والنفط، في محاولة لإعادة توجيه نفوذها الاقتصادي من أوروبا نحو آسيا بعد العقوبات الغربية المرتبطة بالحرب في أوكرانيا.
وفي المحصلة، تكشف زيارة ترامب إلى بكين أن العالم دخل مرحلة جديدة لم تعد فيها الولايات المتحدة القوة الوحيدة القادرة على فرض قواعد اللعبة الدولية، بل أصبحت مضطرة للتعامل مع قوة صاعدة تمتلك نفوذا اقتصاديا وتكنولوجيا وسياسيا متزايدا، في وقت تتداخل فيه الحروب والطاقة والتكنولوجيا والتجارة داخل معادلة عالمية أكثر تعقيدا من أي وقت مضى.
ترامب في بكين.. واشنطن تعيد قراءة صعود الصين وسط أزمات العالم


