لم تعد موجات التسريح داخل شركات التكنولوجيا مجرد إجراءات ظرفية لخفض التكاليف، بل بدأت تتحول إلى جزء من إعادة تشكيل عميقة للاقتصاد الرقمي العالمي، تقودها هذه المرة معركة الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية العملاقة التي تتطلبها.
وفي هذا السياق، قررت شركة ميطا، تنفيذ موجة جديدة من تسريح الموظفين شملت نحو 8 آلاف عامل، أي ما يقارب 10 في المائة من إجمالي القوى العاملة داخل الشركة، في خطوة تعكس حجم التحول الذي تعيشه المجموعة المالكة لفيسبوك وإنستغرام وواتساب.
ظاهريا، تتحدث “ميتا” عن “رفع الكفاءة” وإعادة توجيه الموارد. لكن في العمق، تكشف هذه القرارات أن شركات التكنولوجيا دخلت مرحلة مختلفة تماما، لم تعد فيها الأولوية للتوسع التقليدي في التوظيف والمنصات الاجتماعية، بل للاستثمار المكثف في الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الحاسوبية العملاقة.
الشركة تستعد لرفع نفقاتها الرأسمالية خلال 2026 إلى ما بين 115 و135 مليار دولار، مقابل نحو 72 مليار دولار فقط في 2025، وهي أرقام تعكس حجم الرهان الذي يضعه مارك زوكربرغ على الذكاء الاصطناعي باعتباره مستقبل الشركة المقبل.
جزء كبير من هذه الأموال يذهب إلى مراكز البيانات والرقائق المتقدمة والحوسبة العملاقة، إضافة إلى مشاريع “مختبرات الذكاء الفائق” التي تراهن عليها ميتا لبناء أنظمة أكثر تطورا وقدرة على إدارة المحتوى والإعلانات والخدمات الرقمية بشكل مؤتمت.
لكن السؤال الأهم ليس فقط: لماذا تسرح ميتا آلاف الموظفين؟ بل: لماذا وصلت شركات التكنولوجيا أصلا إلى هذه المرحلة؟
خلال العقد الماضي، بُنيت إمبراطوريات التكنولوجيا على اقتصاد المنصات والإعلانات الرقمية والتوسع المستمر في عدد المستخدمين والموظفين. غير أن الذكاء الاصطناعي بدأ يغير قواعد اللعبة بالكامل.
فالشركات لم تعد تتنافس فقط على جذب المستخدمين، بل على امتلاك أقوى بنية ذكاء اصطناعي وأكبر قدرة حاسوبية وأضخم مراكز بيانات. وهذا النوع من السباق يحتاج إلى استثمارات هائلة تتجاوز بكثير نماذج النمو التقليدية التي عرفها القطاع سابقا.
كما أن الذكاء الاصطناعي نفسه بدأ يقلص الحاجة إلى بعض الوظائف داخل القطاع التكنولوجي، خاصة في البرمجة الأولية وخدمة العملاء وإدارة المحتوى والتحليل الروتيني للبيانات. ولهذا، تعمل الشركات الكبرى اليوم على إعادة توزيع الموارد البشرية نحو تخصصات جديدة مرتبطة بالنماذج الذكية والهندسة السحابية والبيانات الضخمة.
يبدو أن ما يحدث داخل ميتا ليس حالة معزولة، بل جزء من موجة أوسع قد تمتد خلال السنوات القليلة المقبلة إلى أغلب شركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى.
ف ’’جوجل’’ تضخ استثمارات ضخمة في الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية، بينما تواصل مايكروسوفت تعزيز شراكاتها واستثماراتها المرتبطة بالنماذج الذكية والحوسبة السحابية، في حين تراهن أمازون بدورها على مراكز البيانات والخدمات السحابية والذكاء الاصطناعي التوليدي.
ولهذا، قد تدخل الصناعة التكنولوجية خلال السنوات المقبلة مرحلة “إعادة هيكلة دائمة”، يصبح فيها التوظيف أكثر انتقائية، وتتحول الأولوية من توسيع الفرق البشرية إلى توسيع القدرة الحاسوبية والاعتماد على الأتمتة.
كما تعكس هذه التحولات انتقال الاقتصاد الرقمي من مرحلة “اقتصاد المنصات الاجتماعية” إلى مرحلة “اقتصاد الذكاء الاصطناعي الشامل”، حيث ستتمحور المنافسة حول من يملك أفضل النماذج، وأقوى البنية التحتية، وأكبر كمية من البيانات.
لكن خلف هذه الاستثمارات العملاقة، تظهر أيضا معضلة اجتماعية واقتصادية متصاعدة: إذا كان الذكاء الاصطناعي سيزيد أرباح الشركات ويرفع الإنتاجية، فمن سيدفع كلفة الوظائف التي ستختفي تدريجيا؟
ولهذا، تبدو السنوات المقبلة مرشحة لإعادة رسم ليس فقط شكل شركات التكنولوجيا، بل أيضا شكل سوق العمل العالمي نفسه، في واحدة من أكبر التحولات الاقتصادية منذ ظهور الإنترنت.


