على مدى عقود، ارتبط مفهوم القوة بين الدول بالقدرة العسكرية، واحتياطيات النفط والغاز، والسيطرة على الممرات البحرية، والتفوق الصناعي.
لكن مع تسارع ثورة الذكاء الاصطناعي، بدأت خريطة القوة العالمية تتغير بوتيرة غير مسبوقة. فلم تعد المنافسة تدور فقط حول امتلاك الموارد الطبيعية، بل أصبحت تتمحور حول من يمتلك الخوارزميات، والبيانات، والرقائق الإلكترونية، ومراكز البيانات، والقدرة الحاسوبية التي ستشكل عصب الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة.
ويؤكد إدراج الذكاء الاصطناعي ضمن الملفات الرئيسية على جدول أعمال قمة مجموعة السبع المنعقدة في فرنسا أن هذه التكنولوجيا لم تعد مجرد قضية تخص شركات التكنولوجيا، بل أصبحت ملفا سياديا بامتياز.
ووفقا لما أوردته وكالة رويترز، ناقش قادة أكبر الاقتصادات الصناعية مستقبل الذكاء الاصطناعي بمشاركة مسؤولين تنفيذيين من شركات رائدة مثل OpenAI وGoogle وAnthropic وMistral AI، في خطوة تعكس انتقال النقاش من المختبرات التقنية إلى أعلى مستويات صناعة القرار السياسي.
هذا التحول ليس رمزيا، بل يعكس قناعة متزايدة بأن الذكاء الاصطناعي سيحدد خلال السنوات المقبلة موازين القوة الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية بين الدول، تماما كما فعل النفط خلال القرن العشرين.
ففي السابق، كانت الدول تتنافس على حقول النفط، والموانئ، وخطوط الأنابيب، أما اليوم فهي تتنافس على الرقاقات الإلكترونية، ومراكز البيانات، والكابلات البحرية، والحوسبة السحابية، والطاقة الكهربائية القادرة على تشغيل النماذج العملاقة للذكاء الاصطناعي.
ولم يعد السؤال: من يطور أفضل نموذج ذكاء اصطناعي؟ بل أصبح: من يمتلك البنية التحتية التي تسمح بتشغيله على نطاق عالمي؟
فالذكاء الاصطناعي لا يعمل في فراغ. فهو يحتاج إلى مراكز بيانات عملاقة، واستهلاك هائل للطاقة، وآلاف المعالجات المتطورة، وكميات ضخمة من البيانات، وشبكات اتصالات فائقة السرعة. ولذلك تحولت هذه العناصر إلى أصول استراتيجية لا تقل أهمية عن القواعد العسكرية أو الموانئ التجارية.
من سباق التكنولوجيا إلى سباق السيادة
شهد العقد الماضي تنافسا بين شركات التكنولوجيا على تطوير نماذج أكثر ذكاء، لكن المشهد تغير جذريا منذ نهاية عام 2022 مع الانتشار الواسع للذكاء الاصطناعي التوليدي.
ومنذ ذلك الحين، دخلت الحكومات على الخط.
فالولايات المتحدة لم تعد تنظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره نشاطا اقتصاديا فقط، بل باعتباره جزءا من أمنها القومي، وهو ما يفسر القيود المفروضة على تصدير الرقائق الإلكترونية المتقدمة إلى الصين، والاستثمارات الضخمة في البنية التحتية الرقمية.
وفي المقابل، ضاعفت الصين استثماراتها في تصنيع الرقائق، والحوسبة السحابية، والذكاء الاصطناعي، بهدف تقليص اعتمادها على التكنولوجيا الغربية، بينما يسعى الاتحاد الأوروبي إلى بناء نموذج مستقل يوازن بين الابتكار وحماية البيانات والسيادة الرقمية.
أما دول الخليج، فقد دخلت هي الأخرى السباق عبر استثمارات بمليارات الدولارات في مراكز البيانات، وصناديق الاستثمار التكنولوجية، واستقطاب شركات الذكاء الاصطناعي العالمية، إدراكا منها أن اقتصاد المستقبل لن يبنى على النفط وحده.
البنية التحتية… الوجه الآخر للذكاء الاصطناعي
ورغم أن الاهتمام الإعلامي يتركز غالبا على التطبيقات الجديدة، فإن المعركة الحقيقية تدور خلف الكواليس.
فكل نموذج جديد يحتاج إلى آلاف الرقائق الإلكترونية، ومئات آلاف الأمتار المربعة من مراكز البيانات، ومحطات كهرباء، وأنظمة تبريد متطورة، وكابلات بحرية تنقل البيانات بين القارات.
ولهذا أصبحت شركات الطاقة، ومصنعو الرقائق، وشركات البنية التحتية الرقمية، جزءا أساسيا من سباق الذكاء الاصطناعي، بعدما كان الاهتمام ينصب أساسا على شركات البرمجيات.
وباتت مراكز البيانات توصف بأنها “المصانع الجديدة” للاقتصاد الرقمي، تماما كما كانت المصانع التقليدية أساس الثورة الصناعية.
الأمن القومي يدخل عصر الخوارزميات
التحول لا يقتصر على الاقتصاد.فالذكاء الاصطناعي أصبح جزءا من العقيدة الأمنية للدول.
فالجيوش تستخدمه في تحليل البيانات، والاستطلاع، والقيادة والسيطرة، والأنظمة ذاتية التشغيل، بينما تعتمد أجهزة الأمن على الخوارزميات في مكافحة الهجمات السيبرانية ورصد التهديدات.
وفي المقابل، أصبح الذكاء الاصطناعي نفسه مصدر تهديد جديد، سواء عبر الهجمات السيبرانية الأكثر تطورا، أو حملات التضليل، أو إنتاج المحتوى المزيف، أو اختراق البنى التحتية الحيوية.
ولهذا لم يعد الأمن السيبراني منفصلا عن الذكاء الاصطناعي، بل أصبح الاثنان يشكلان منظومة واحدة تتعلق بحماية الدولة ومؤسساتها واقتصادها.
الاقتصاد العالمي يعاد تشكيله
التأثير لا يتوقف عند التكنولوجيا أو الأمن. فالذكاء الاصطناعي يعيد رسم خريطة الاقتصاد العالمي.
فالشركات التي كانت تعتمد على اليد العاملة الرخيصة أصبحت تبحث عن القدرة الحاسوبية، والدول التي كانت تتنافس على جذب المصانع أصبحت تتنافس على استقطاب مراكز البيانات، فيما أصبحت الطاقة الكهربائية، والرقائق الإلكترونية، والألياف البصرية، عناصر حاسمة في جذب الاستثمارات.
وهذا يعني أن الدول التي تستثمر اليوم في البنية الرقمية ستكون في موقع أفضل خلال العقد المقبل، بينما قد تجد الدول المتأخرة نفسها مستهلكة للتكنولوجيا التي ينتجها الآخرون.
من يربح ومن يخسر؟
الرابحون في المرحلة المقبلة لن يكونوا فقط مطوري الخوارزميات، بل الدول التي تملك منظومة متكاملة تشمل الطاقة، والرقائق، ومراكز البيانات، والتعليم، والبحث العلمي، والتشريعات، والأمن السيبراني.
أما الخاسرون، فهم الدول التي تكتفي باستخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي دون الاستثمار في البنية التحتية التي تقوم عليها، لأنها ستظل معتمدة على الخارج في واحدة من أكثر التقنيات تأثيرا في الاقتصاد والأمن.
ما وراء الخبر
نرى في صحيفة المحيط أن إدراج الذكاء الاصطناعي على جدول أعمال قمة مجموعة السبع ليس مجرد اعتراف بأهمية التكنولوجيا، بل إعلان واضح عن بداية مرحلة جديدة في العلاقات الدولية.
فكما كان النفط عنوان الصراع خلال القرن العشرين، يبدو أن القرن الحادي والعشرين سيشهد تنافسا من نوع آخر، عنوانه الخوارزميات، والبيانات، والقدرة الحاسوبية، والسيادة الرقمية.
لقد دخل العالم مرحلة لم تعد فيها القوة تقاس فقط بما تمتلكه الدول تحت الأرض، بل أيضا بما تمتلكه داخل مراكز البيانات، وما تستطيع تشغيله من خوارزميات، وما تحميه من بيانات.
ولهذا، فإن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد ثورة تكنولوجية، بل أصبح أحد أهم معايير القوة والسيادة في النظام الدولي الجديد.


