هل تبالغ أوبك في الرهان على مستقبل النفط؟

تتسع الفجوة تدريجيا بين رؤية منظمة البلدان المصدرة للنفط (أوبك) لمستقبل سوق الطاقة، وبين تقديرات عدد من المؤسسات الدولية التي ترى أن التحول نحو السيارات الكهربائية والطاقة النظيفة سيغير خريطة الطلب العالمي على النفط خلال العقود المقبلة.

وبحسب تحليل نشرته صحيفة “فاينانشال تايمز”، فإن أوبك تتبنى واحدة من أكثر التوقعات تفاؤلا بشأن مستقبل الخام، إذ تتوقع ارتفاع الطلب العالمي إلى 124.1 مليون برميل يوميا بحلول عام 2050، مقارنة بنحو 105.1 ملايين برميل يوميا خلال عام 2025، مستندة إلى ما تعتبره تباطؤا في السياسات المناخية لدى عدد من الاقتصادات الكبرى.

وتأتي هذه التوقعات في وقت لم تنجح فيه الاجتماعات التحضيرية لمؤتمر الأمم المتحدة للمناخ بمدينة بون الألمانية في تجاوز الخلافات بين الدول بشأن التمويل المناخي والالتزامات البيئية، وسط تحذيرات من التراجع عن التعهدات السابقة لخفض الانبعاثات.

وترى أوبك أن بعض الحكومات بدأت بالفعل مراجعة سياساتها المناخية، بعد أن اتضح، وفق تقديرها، أن عددا من أهداف خفض الانبعاثات كان أكثر طموحا مما تسمح به الظروف الاقتصادية والسياسية. ويبرز هذا التحول في الولايات المتحدة بعد عودة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، كما يواجه الاتحاد الأوروبي ضغوطا متزايدة لإعادة النظر في بعض سياساته البيئية.

في المقابل، يرى التحليل أن تقرير أوبك لا يمنح التطورات التكنولوجية في قطاع النقل الكهربائي الوزن الكافي، رغم التحسن المستمر في أداء السيارات الكهربائية، وانخفاض أسعارها، واتساع انتشارها في الأسواق العالمية.

وتشير بيانات وكالة الطاقة الدولية إلى أن مبيعات السيارات الكهربائية ارتفعت خلال العام الماضي بنسبة 20 في المائة، متجاوزة 20 مليون سيارة، بما يمثل ربع إجمالي السيارات الجديدة المباعة عالميا، مع توقعات باستمرار هذا النمو بوتيرة تفوق بكثير نمو سوق السيارات التقليدية.

كما تظهر بيانات “بلومبرغ لتمويل الطاقة الجديدة” أن مبيعات السيارات المزودة بمحركات الاحتراق الداخلي تتراجع منذ عام 2017، وهو اتجاه قد ينعكس مستقبلا على مستويات الطلب العالمي على النفط.

وتقدم الصين المثال الأبرز على هذا التحول، بعدما بلغت حصة السيارات الكهربائية والهجينة القابلة للشحن 62.9 في المائة من مبيعات سيارات الركاب الجديدة خلال الشهر الماضي، مدفوعة بانخفاض الأسعار وتسارع الابتكار الصناعي.

ورغم ذلك، تتوقع أوبك أن تمثل المركبات العاملة بالوقود البديل أقل من نصف السيارات الموجودة على الطرق الصينية بحلول عام 2050، وهو ما يعتبره محللون تقديرا متحفظا مقارنة بوتيرة النمو الحالية.

وفي المقابل، تراهن المنظمة على أن الاقتصادات الناشئة، وعلى رأسها الهند، ستقود نمو الطلب العالمي على النفط خلال العقود المقبلة، مع توقع ارتفاع استهلاكها بنسبة 145 في المائة بحلول منتصف القرن، رغم أن هذه الأسواق نفسها تشهد نموا متسارعا في مبيعات السيارات الكهربائية.

ولا تستبعد أوبك استمرار الطلب القوي على النفط في قطاعات يصعب التحول فيها سريعا إلى بدائل نظيفة، مثل الطيران، والنقل البحري، والصناعات البتروكيماوية، التي ما تزال تعتمد بشكل كبير على المشتقات النفطية.

غير أن هذه القطاعات قد لا تكون كافية لتعويض أي تراجع محتمل في استهلاك الوقود بقطاع النقل البري، الذي يمثل نحو نصف الطلب العالمي على النفط، وهو ما يفسر اختلاف الرؤى بين أوبك وعدد من المؤسسات الدولية.

وكانت وكالة الطاقة الدولية قد رجحت في أحدث تقاريرها أن يبلغ الطلب العالمي على النفط ذروته خلال السنوات القليلة المقبلة، قبل أن يبدأ في الاستقرار ثم التراجع تدريجيا مع نهاية العقد الحالي، مدفوعا بالتوسع المستمر في النقل الكهربائي وسياسات إزالة الكربون.

ويخلص التحليل إلى أن الرهان الحقيقي لم يعد يقتصر على توقعات أسعار النفط أو حجم الإنتاج، بل أصبح مرتبطا بسرعة التحول التكنولوجي العالمي. فإذا استمر نمو السيارات الكهربائية والتقنيات منخفضة الانبعاثات بالمعدلات الحالية، فقد تجد الدول المنتجة للنفط نفسها أمام واقع جديد يفرض إعادة النظر في استراتيجياتها طويلة المدى، حتى وإن كانت أوبك ما تزال تراهن على استمرار العصر الذهبي للنفط حتى منتصف القرن.

مساحة إعلانية متاحةspot_imgspot_img