مع اقتراب كل استحقاق انتخابي في المغرب، يعود الترحال السياسي إلى واجهة النقاش العمومي باعتباره واحدة من أكثر الظواهر إثارة للجدل داخل المشهد الحزبي. فما إن تبدأ الأحزاب في إعداد لوائح مرشحيها حتى تتسارع وتيرة انتقال المنتخبين والأعيان بين التنظيمات السياسية، بحثاً عن تزكية أو موقع انتخابي أفضل، في مشهد يتكرر بشكل يكاد يصبح جزءاً من الطقوس التي تسبق كل انتخابات.
وخلال السنوات الأخيرة، وبشكل أوضح منذ انتخابات 2011، لم يعد الانتقال من حزب إلى آخر حدثاً استثنائياً، بل تحول إلى ممارسة متكررة تشمل برلمانيين ومنتخبين محليين ووجوهاً سياسية معروفة، ما أثار نقاشاً واسعاً حول طبيعة الانتماء الحزبي وحدود الالتزام بالبرامج السياسية، وأعاد طرح سؤال قديم يتجدد مع كل محطة انتخابية: هل ما تزال الأحزاب المغربية فضاءات لصناعة الأفكار وتأطير المواطنين، أم تحولت بالنسبة إلى بعض الفاعلين إلى مجرد بوابات للوصول إلى المؤسسات المنتخبة؟
ويرى متابعون للشأن السياسي أن الظاهرة لا يمكن اختزالها في انتقال أفراد بين الأحزاب، بل تعكس تحولات أعمق عرفها المشهد الحزبي خلال العقد الأخير، حيث أصبحت حسابات الفوز بالمقاعد، في كثير من الحالات، تتقدم على الاعتبارات الفكرية والبرنامجية.
بين التزكية والمصالح
تختلف دوافع الترحال السياسي من حالة إلى أخرى، غير أن القاسم المشترك بينها غالباً هو البحث عن أفضل موقع انتخابي.
ففي عدد من الحالات، ينتقل المنتخب إلى حزب آخر لأنه يعتقد أن فرصه في الحصول على التزكية أو الفوز بالمقعد ستكون أكبر. وفي حالات أخرى، يكون الرحيل نتيجة صراعات داخلية، أو خلافات مع القيادات المحلية أو الوطنية، أو بسبب تغييرات في موازين القوى داخل الحزب، أو عدم إدراج الاسم ضمن لوائح الترشيح.
لكن، مهما اختلفت الأسباب، فإن النتيجة تبقى واحدة: انتقال السياسي من تنظيم إلى آخر خلال فترة زمنية قصيرة، وأحياناً قبل أشهر قليلة فقط من موعد الاقتراع، وهو ما يثير تساؤلات حول طبيعة العلاقة التي تربط المنتخب بالحزب، وهل تقوم على الاقتناع بالمشروع السياسي أم على حسابات انتخابية مرتبطة بالفرص المتاحة.
وتنعكس هذه الصورة مباشرة على نظرة المواطنين إلى الحياة السياسية، إذ يتساءل كثيرون عن مدى إمكانية الوثوق في مسؤول يغير انتماءه الحزبي كلما اقتضت الظروف ذلك. فإذا كان الحزب يمثل، من الناحية النظرية، إطاراً فكرياً وسياسياً يعبر عن قناعات أعضائه، فإن الانتقال المتكرر بين الأحزاب يضعف هذه الصورة، ويجعل الانتماء يبدو لدى جزء من الرأي العام مجرد وسيلة للوصول إلى المؤسسات المنتخبة.
القصوري: الأزمة أعمق من الترحال
في قراءة تتجاوز الظاهرة في بعدها الظاهر، يرى المحلل السياسي وأستاذ العلوم السياسية إدريس القصوري أن الترحال السياسي ليس أصل الأزمة، بل هو أحد تجلياتها.
ويقول القصوري، في حديث لـ”المحيط”، إن ما يشهده المغرب اليوم يعكس تآكلاً تدريجياً في البنية الحزبية نفسها، موضحاً أن التجربة السياسية خلال السنوات الماضية أظهرت أن الأحزاب، بدل أن تتطور وتكتسب مزيداً من النضج الديمقراطي، أصبحت تعرف حالة من الضعف المستمر.
ويضيف: “بعد التجربة الانتخابية والتطور الذي عرفته البنية الحزبية بالمغرب، يتبين أنها بنية تتآكل عوض أن تتطور وتنضج وتصل إلى مستوى البنيات الديمقراطية الوطنية الفاعلة، وربما لن نصل، في ظل المعطيات الحالية، إلى بنية حزبية ديمقراطية مواطنة ومنتجة.”
وبحسب المتحدث، فإن أزمة الأحزاب لا ترتبط فقط بتنقل الأشخاص، بل تمتد إلى طريقة اشتغال التنظيمات السياسية نفسها، ومستوى الديمقراطية الداخلية، وآليات إنتاج القرار، وقدرتها على تأطير المجتمع واستقطاب الكفاءات.
وفي هذا السياق، يذهب القصوري إلى حد اعتبار أن مفهوم الحزب السياسي، بصيغته المتعارف عليها، أصبح محل تساؤل، قائلاً: “ما يتم الحديث عنه عن حزب أصبحت أكذوبة، لا وجود في المغرب لأحزاب بمفهوم الحزب، ولا حتى لأحزاب بمفهوم الجمعيات.”
ويؤكد أن البنية التنظيمية الحالية، في نظره، تعاني من الهشاشة وضعف الديمقراطية الداخلية، وهو ما يفسر، جزئياً، سهولة انتقال عدد من المنتخبين من تنظيم إلى آخر كلما اقترب موعد الانتخابات.
عندما تصبح الأحزاب رهينة للأعيان
يربط القصوري استمرار الترحال السياسي بطبيعة آليات الترشيح داخل عدد من الأحزاب، معتبراً أن معيار القوة الانتخابية أصبح يتقدم في كثير من الأحيان على معايير الكفاءة أو المشروع السياسي.
ويقول إن بعض الأعيان ينتقلون بسهولة بين الأحزاب لأنهم يمتلكون رصيداً انتخابياً يجعل مختلف التنظيمات تتنافس على استقطابهم، بغض النظر عن خلفياتهم السياسية أو الفكرية.
ويضيف: “الترشيح اليوم يتم بناء على المال وليس على الاستحقاق، وليس على الشهادة، وليس على الكفاءة، وليس على المواطنة… المهم هو الفوز بالمقعد، أما الطريقة فلا سؤال عنها.”
ومن وجهة نظره، فإن هذه الممارسات تجعل الترحال نتيجة طبيعية لمنظومة حزبية أصبحت تمنح الأولوية للقدرة على الفوز، أكثر من اهتمامها ببناء نخب سياسية مؤمنة ببرامجها.
ويصف القصوري هذا الواقع بأنه شكل من أشكال “الفساد الحزبي”، معتبراً أن الأحزاب أصبحت، في كثير من الأحيان، رهينة لما يسميه “الرحل السياسيين” الذين ينتقلون من تنظيم إلى آخر وفقاً لمصالحهم الانتخابية.
أزمة ثقة تتسع
ولا تقف آثار الترحال عند حدود الأحزاب، بل تمتد إلى علاقة المواطن بالعملية السياسية برمتها.
فالانتقالات المتكررة، بحسب عدد من الدراسات والمتابعات، ساهمت في تعزيز الشعور بعدم الثقة في الأحزاب، وفي جدوى المشاركة السياسية، خصوصاً عندما تبدو الحدود الفاصلة بين البرامج الحزبية أقل وضوحاً من حركة انتقال المنتخبين أنفسهم.
ويعتبر القصوري أن هذه الأزمة انعكست على سلوك الناخب المغربي، قائلاً إن المواطن “فقد الثقة في السياسة المغربية، وفي الأحزاب، وفي المؤسسات”، مضيفاً أن حتى المشاركة في الانتخابات لا تعني بالضرورة وجود اقتناع سياسي، بل قد تحكمها اعتبارات أخرى مرتبطة بالمصالح أو العلاقات المحلية.
وفي هذا السياق، يرى أن الترحال السياسي يغذي العزوف الانتخابي، لأن المواطن يجد صعوبة في التمييز بين الأحزاب عندما يصبح انتقال المنتخبين بينها أمراً اعتيادياً، وهو ما يضعف الإيمان بالمنافسة القائمة على البرامج والأفكار.
“بوتيكات انتخابية”
ويستخدم القصوري توصيفاً حاداً لوصف المشهد الحزبي، إذ يعتبر أن عدداً من الأحزاب تحول إلى “بوتيكات انتخابية”، هدفها الأساسي تجميع المقاعد أكثر من إنتاج الأفكار أو تأطير المواطنين.
ويقول: “لدينا بوتيكات انتخابية… أصحاب مصالح يملؤون هذه البوتيكات، وكل قيم الاحتكار والمضاربة والفساد وعدم الشفافية موجودة فيها.”
ورغم حدة هذا الوصف، فإنه يعكس، بحسب المتحدث، حالة من الإحباط تجاه مسار تطور الأحزاب، ويعبر عن قناعة بأن الأزمة أصبحت بنيوية، ولم تعد مرتبطة فقط بسلوك بعض الأفراد.
هل يكفي القانون؟
ورغم أن عدداً من الفاعلين يدعون إلى تشديد القوانين المنظمة للترحال السياسي، فإن القصوري يرى أن الحل القانوني وحده لن يكون كافياً.
ففي نظره، لا يمكن الحد من الظاهرة دون إصلاح أعمق يشمل الحياة الحزبية نفسها، من خلال تعزيز الديمقراطية الداخلية، وضمان استقلالية الأحزاب، وربط الترشيحات بالكفاءة والاستحقاق، وليس فقط بالقدرة على حصد الأصوات.
كما يدعو إلى إعادة الاعتبار للمنافسة القائمة على البرامج، وبناء تنظيمات سياسية قادرة على إنتاج النخب وتأطير المواطنين، بدل الاكتفاء بإدارة الاستحقاقات الانتخابية.
أكثر من انتقال بين الأحزاب
قد يبدو الترحال السياسي، في ظاهره، مجرد انتقال منتخب من حزب إلى آخر، لكنه في العمق يعكس أسئلة أكبر تتعلق بطبيعة الحياة الحزبية ومستقبل الديمقراطية التمثيلية بالمغرب.
فكل انتقال جديد لا يغير فقط الخريطة الانتخابية، بل يعمق أيضا النقاش حول وظيفة الحزب السياسي، وحدود الالتزام بالبرامج، ومستوى الثقة التي يضعها المواطن في المؤسسات المنتخبة.
ومع اقتراب كل استحقاق انتخابي، يعود الترحال ليذكر بأن الأزمة لا تتعلق فقط بالأشخاص الذين يغيرون انتماءاتهم، بل أيضاً بالأحزاب التي لم تنجح، في نظر كثير من المتابعين، في ترسيخ الانتماء السياسي بوصفه قناعة ومشروعاً، لا مجرد وسيلة للوصول إلى التزكية والمقعد.
ولهذا، فإن الحد من الظاهرة لا يبدو رهينا بتعديلات قانونية فقط، بقدر ما يرتبط بإعادة بناء الحياة الحزبية على أسس الديمقراطية الداخلية، والشفافية، والاستحقاق، حتى يستعيد الحزب دوره الطبيعي باعتباره فضاءً للتأطير وإنتاج الأفكار، لا محطة عابرة في الطريق إلى البرلمان.


