مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، بدأ المشهد الحزبي المغربي يدخل مرحلة إعادة التموضع استعدادا لاستحقاق ينتظر أن يعيد رسم جزء من الخريطة السياسية بالمملكة.
فبينما تعيد أحزاب الأغلبية والمعارضة ترتيب تحالفاتها وصياغة برامجها، عاد اليسار المغربي بدوره إلى واجهة النقاش، وسط تساؤلات متجددة حول قدرته على استعادة جزء من حضوره داخل المشهد السياسي بعد سنوات من التراجع التنظيمي والانتخابي.
وقد زاد هذا النقاش زخما بعد إعلان الحزب الاشتراكي الموحد وحزب فيدرالية اليسار الديمقراطي قبل أسابيع تأسيس “تحالف اليسار”، الذي سيخوض الانتخابات المقبلة ببرنامج ورمز انتخابيين مشتركين، في خطوة اعتبرها الحزبان بداية مشروع سياسي يتجاوز التنسيق الانتخابي نحو إعادة بناء جزء من البيت اليساري الذي عرف خلال العقود ألأخيرة انقسامات متتالية.
غير أن اليسار المغربي لا يختزل في هذا التحالف وحده، إذ يضم أيضا أحزابا ذات امتداد تاريخي، في مقدمتها الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وحزب التقدم والاشتراكية، اللذان يواصلان حضورهما داخل المشهد السياسي من خلال خيارات تنظيمية وتحالفية مختلفة، وهو ما يجعل الحديث عن مستقبل اليسار يتجاوز حدود أي مبادرة تنظيمية ليشمل مختلف مكوناته.
ولم يقتصر النقاش على الأحزاب، بل امتد أيضا إلى الأوساط الفكرية والمدنية، حيث خصصت حركة ضمير قبل أسابيع ندوة لمناقشة سبل تجديد الفكر اليساري، خلصت إلى أن الأزمة لم تعد انتخابية فقط، وإنما ترتبط بقدرة اليسار على تجديد مشروعه السياسي واستيعاب التحولات الاجتماعية والثقافية التي يعرفها المغرب، واستعادة الثقة لدى فئات واسعة من المواطنين.
وفي هذا السياق، يبرز سؤال أساسي مع اقتراب انتخابات 2026: هل ما يزال اليسار المغربي يمتلك الرصيد السياسي والتنظيمي الذي يؤهله لاستعادة جزء من حضوره، أم أن الأمر يتطلب مراجعة أعمق للمشروع والخطاب وآليات الاشتغال؟ للإجابة عن هذا السؤال، استطلعت “المحيط” رأي المحلل السياسي والأكاديمي المغربي محمد شقير، وأستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس أمين السعيد.
وإذا كانت تجربة التناوب التوافقي، التي قادها الراحل عبد الرحمن اليوسفي سنة 1998، قد شكلت إحدى أبرز المحطات في تاريخ اليسار المغربي الحديث، فإن المسار الذي أعقبها حمل تحولات عميقة داخل مكوناته.
فبعد انتقال اليسار من المعارضة إلى تدبير الشأن العام، دخلت أحزابه في مرحلة اتسمت بتراجع الحضور الانتخابي، وتعدد الانشقاقات، وتغير موازين القوى داخل المشهد الحزبي، بالتزامن مع صعود فاعلين سياسيين جدد وتغير أولويات المجتمع المغربي.
وخلال أكثر من ربع قرن، لم يقتصر التحول على النتائج الانتخابية فقط، بل شمل أيضا طبيعة الخطاب السياسي، والقاعدة الاجتماعية للأحزاب اليسارية، وعلاقتها بالحركات النقابية والاحتجاجية، في وقت فرضت فيه التحولات الاقتصادية والرقمية قضايا جديدة لم تكن ضمن أولويات النقاش السياسي في نهاية تسعينيات القرن الماضي.
ومع اقتراب انتخابات 2026، يجد اليسار نفسه أمام محطة مختلفة عن كل الاستحقاقات السابقة.
فإلى جانب محاولات إعادة تجميع جزء من مكوناته عبر “تحالف اليسار”، تتواصل الأسئلة حول قدرته على استعادة المبادرة السياسية، وتجديد خطابه، واستقطاب أجيال جديدة من الناخبين، في ظل مشهد حزبي أكثر تنافسية وتعقيدا.
إرث التناوب… من مكسب تاريخي إلى بداية التراجع
يرى المحلل السياسي والأكاديمي المغربي محمد شقير أن قراءة واقع اليسار المغربي اليوم تقتضي عدم اختزال تجربة التناوب في مجمل مكونات اليسار، معتبرا أنها ارتبطت أساسا بحزبي الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية، أكثر من ارتباطها بباقي التنظيمات اليسارية.
ويؤكد شقير، في تصريح لـ”المحيط”، أن تجربة التناوب التي قادها الراحل عبد الرحمن اليوسفي تركت أثرا عميقا داخل الاتحاد الاشتراكي، إذ لم تقتصر تداعياتها على المشاركة في تدبير الشأن العام، بل امتدت إلى البنية الداخلية للحزب، بعدما شهد سلسلة من الانشقاقات التي أضعفت تنظيمه وأفقدته جزءا مهما من قاعدته الانتخابية ومتعاطفيه.
ويضيف أن استمرار بعض قيادات الحزب في المشاركة الحكومية حتى بعد انتهاء تجربة اليوسفي وتعويضه بإدريس جطو، ساهم في إضعاف موقع الحزب داخل المشهد السياسي، بعدما فقد جزءا من صورته كقوة سياسية تحمل مشروعا متميزا، وتحولت المشاركة الحكومية، في نظر جزء من الرأي العام، إلى هدف في حد ذاته أكثر من كونها وسيلة لتنزيل مشروع إصلاحي.
لكن شقير يعتبر أن أزمة اليسار لم تعد مرتبطة فقط بقراءة الماضي، بل أيضا بقدرته على إنتاج مشروع جديد للمستقبل.
ويشير إلى أن كثيرا من المطالب التي شكلت لعقود جوهر الخطاب اليساري أصبحت اليوم جزءا من السياسات العمومية ومن برامج أحزاب لا تنتمي إلى اليسار، وفي مقدمتها الدولة الاجتماعية والحماية الاجتماعية، وهو ما أفقد الأحزاب اليسارية إحدى أهم نقاط تميزها أمام الناخب.
ومن هذا المنطلق، يرى أن أي محاولة لاستعادة الحضور لا يمكن أن تقوم على إعادة إنتاج الشعارات التقليدية، بل تقتضي إعادة ترتيب الأولويات، من خلال التركيز على تنمية العالم القروي، وفك العزلة عن المناطق المهمشة، وإعادة الاعتبار للمدرسة العمومية باعتبارها فضاء لصناعة المواطن، إلى جانب ترسيخ ثقافة الفضاء العمومي وتعزيز قيم احترام الممتلكات العامة والمسؤولية المدنية.
ولا يقف تشخيص شقير عند حدود البرامج، بل يمتد إلى التنظيم الداخلي للأحزاب اليسارية، إذ يعتبر أن أحد أبرز أسباب تعثرها يتمثل في شيخوخة نخبها القيادية وغياب التداول على المسؤولية، الأمر الذي حد من قدرتها على تجديد قياداتها واستقطاب أجيال جديدة، في وقت ظل فيه خطابها السياسي يحمل كثيرا من رواسب المرجعيات الإيديولوجية التي طبعت العقود الماضية، بينما تغير المجتمع المغربي وتحولت أولويات ناخبيه بصورة لافتة.
أزمة محلية في سياق تحولات دولية
من جانبه، يدعو أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، أمين السعيد، إلى عدم قراءة أزمة اليسار المغربي بمعزل عن التحولات التي يشهدها العالم خلال العقد الأخير، معتبرا أن تراجع الأحزاب اليسارية لا يقتصر على المغرب وحده، بل يأتي في سياق دولي اتسم بصعود الأحزاب اليمينية وتراجع مؤشرات الديمقراطية في عدد من الدول.
ويؤكد السعيد، في تصريح لـ”المحيط”، أن السنوات الأخيرة عرفت توسع حضور القوى اليمينية في عدد من الدول الأوروبية، كما عززت هذه القوى مواقعها في بعض بلدان أمريكا اللاتينية، في مقابل تراجع الأحزاب اليسارية أو تعرضها لانتقادات مرتبطة بالأداء الحكومي أو بقضايا فساد أو ضعف الإنجاز، وهو ما أثر بدرجات متفاوتة في صورتها لدى الرأي العام.
ويرى أن هذه التحولات الدولية شكلت جزءا من البيئة السياسية التي يتحرك داخلها اليسار المغربي، لكنها لا تكفي وحدها لتفسير وضعيته الحالية، لأن لكل تجربة خصوصياتها السياسية والدستورية.
خصوصية النسق المغربي
ويعتبر السعيد أن خصوصية النظام الدستوري المغربي تجعل الإيديولوجيا ليست المحدد الرئيسي في تشكيل الحكومات أو رسم السياسات العمومية، إذ تفرض طبيعة النظام الانتخابي تعددية حزبية تؤدي في الغالب إلى تشكيل ائتلافات تضم أحزابا ذات مرجعيات مختلفة.
وبحسب السعيد، فإن البرنامج الحكومي يصبح في هذه الحالة نتاجا للتوافق بين مكونات الأغلبية، أكثر من كونه تطبيقا مباشرا للبرنامج الانتخابي للحزب المتصدر، وهو ما يجعل تنفيذ الالتزامات الانتخابية خاضعا لتوازنات التحالفات السياسية، وليس فقط لاختيارات الحزب الفائز.
ويضيف أن منطق تشكيل الأغلبية يدفع، في كثير من الأحيان، إلى إعطاء الأولوية للأحزاب التي تمتلك وزنا برلمانيا أكبر لضمان الاستقرار الحكومي، حتى وإن كانت تختلف في مرجعياتها الفكرية عن الحزب المتصدر.
أزمة القيادة والتنسيق
ويرى السعيد أن اليسار المغربي يواجه أيضا تحديا آخر يتمثل في صعوبة إنتاج قيادات وطنية تمتلك الامتداد الشعبي والكاريزما التي ميزت شخصيات تاريخية مثل عبد الرحيم بوعبيد وعبد الرحمن اليوسفي، ممن جمعوا بين الشرعية النضالية والقدرة على التأطير وصياغة المشروع السياسي.
كما يلاحظ أن الأحزاب اليسارية، رغم تقارب مرجعياتها الاجتماعية والديمقراطية، لم تنجح في بناء حد أدنى من التنسيق السياسي حول القضايا الكبرى، سواء تعلق الأمر بالإصلاح الانتخابي أو الحوار الاجتماعي أو إصلاح أنظمة التقاعد أو الجهوية أو غيرها من الملفات الاستراتيجية.
ويشير إلى أن وجود أغلب هذه الأحزاب خارج دائرة التدبير الحكومي كان يمكن أن يشكل فرصة لإطلاق حوار استراتيجي بينها، أو لبناء تنسيق برلماني وانتخابي يسمح بتجميع الأصوات وتعزيز حضورها داخل المؤسسات، غير أن هذا الأفق لم يتبلور بالشكل الكافي.
تراجع الحضور المجتمعي
ومن بين المؤشرات التي يتوقف عندها السعيد أيضا تراجع حضور الأحزاب اليسارية في تأطير الاحتجاجات الاجتماعية والدفاع عن القضايا المطلبية، بالتوازي مع تراجع تأثير عدد من التنظيمات النقابية والجمعيات المدنية القريبة منها.
وأصبح جزء كبير من الحراك الاجتماعي، بحسب قراءته، يتخذ أشكالا مستقلة تقودها تنسيقيات غير مرتبطة تنظيميا بالأحزاب، وهو ما يعكس تحولا في أنماط التعبئة السياسية والاجتماعية، ويطرح تحديات جديدة أمام الأحزاب التقليدية عموما، واليسار على وجه الخصوص.
كما يلفت إلى أن بعض الأحزاب اليسارية لم تعد تحافظ على المسافة نفسها التي كانت تميزها عن باقي الأحزاب، بعدما انخرطت في ممارسات سياسية أصبحت مألوفة داخل المشهد الحزبي، مثل استقطاب الأعيان أو انتقال المنتخبين بين الأحزاب، بينما ما تزال بعض التكوينات، وفي مقدمتها فيدرالية اليسار الديمقراطي والحزب الاشتراكي الموحد، تحاول الحفاظ على خصوصيتها التنظيمية.
ولا يخفي السعيد أن اليسار يواجه أيضا تحديا فكريا، يتمثل في محدودية الإنتاج النظري القادر على مواكبة التحولات الرقمية والاجتماعية والاقتصادية، واستقطاب نخب جديدة من الطبقة الوسطى والأوساط الجامعية والمهنية، على غرار ما تستند إليه الأحزاب اليسارية في عدد من الديمقراطيات الأوروبية من اجتهادات فكرية معاصرة.
أكثر من تحالف انتخابي
ورغم اختلاف زاوية المقاربة بين محمد شقير وأمين السعيد، فإن قراءتيهما تلتقيان عند نتيجة أساسية مفادها أن أزمة اليسار المغربي لا تختزل في تراجع النتائج الانتخابية، بل ترتبط بعوامل تاريخية وتنظيمية وفكرية وبنيوية تراكمت على مدى سنوات.
فبينما يركز شقير على تداعيات تجربة التناوب، وشيخوخة القيادات، وتقادم الخطاب، يضيف السعيد عناصر أخرى ترتبط بالتحولات الدولية، وخصوصية النسق الدستوري المغربي، وضعف التنسيق بين مكونات اليسار، وتراجع دوره في المجتمع.
وتقود هاتان القراءتان إلى خلاصة مفادها أن نجاح أي محاولة لاستعادة حضور اليسار لن يتوقف على التحالفات الانتخابية وحدها، مهما كانت أهميتها، وإنما على قدرة هذه الأحزاب على إعادة بناء مشروع سياسي متجدد، وتجديد نخبها، واستعادة صلتها بالقضايا اليومية للمواطنين، وصياغة خطاب يستجيب لتحولات المجتمع المغربي.
وبين رصيد تاريخي صنعه اليسار خلال محطات مفصلية من تاريخ المغرب، ورهانات مرحلة سياسية جديدة تتسم بتغير أولويات الناخبين وتصاعد التحديات الاقتصادية والاجتماعية، تبدو انتخابات 2026 أكثر من مجرد موعد انتخابي بالنسبة للأحزاب اليسارية، بل اختبارا حقيقيا لقدرتها على الانتقال من استحضار الماضي إلى صناعة مشروع للمستقبل.


