انتخابات 2026.. هل يحسم الاقتصاد معركة صناديق الاقتراع؟

دخل المغرب مرحلة العد العكسي نحو الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، في سياق يبدو مختلفا عن الاستحقاقات السابقة. فبينما هيمنت خلال محطات انتخابية ماضية قضايا الإصلاح السياسي أو التحالفات الحزبية، تتصدر الملفات الاقتصادية والاجتماعية اليوم أولويات النقاش العمومي، بعدما أصبحت القدرة الشرائية، وفرص الشغل، ومستوى الدخل، وكلفة المعيشة، المعايير التي يقيس بها جزء واسع من الناخبين أداء الحكومة ويحدد على أساسها اختياراته الانتخابية.

وتدرك مختلف الأحزاب أن الحملة الانتخابية، التي ستنطلق في العاشر من شتنبر المقبل، لن تكون معركة شعارات بقدر ما ستكون منافسة حول من يقدم أجوبة أكثر إقناعا للأسئلة اليومية للمغاربة. لذلك، يتوقع أن يحتل الاقتصاد موقع الصدارة في البرامج الانتخابية، سواء لدى أحزاب الأغلبية التي ستدافع عن حصيلتها، أو لدى المعارضة التي ستراهن على الانتقادات المرتبطة بالبطالة والأسعار والقدرة الشرائية.

وتخوض الأغلبية هذه المحطة وهي تستند إلى حصيلة تعتبرها إيجابية رغم الظرفية الدولية الصعبة، مبرزة أنها تمكنت من الحفاظ على التوازنات الاقتصادية في مواجهة تداعيات الأزمات العالمية، وارتفاع أسعار الطاقة، والتقلبات الجيوسياسية. كما تضع في صلب خطابها ورش “الدولة الاجتماعية”، من خلال تعميم الحماية الاجتماعية، والدعم الاجتماعي المباشر، والزيادات في الأجور التي أفرزتها جولات الحوار الاجتماعي، معتبرة أن هذه الأوراش تمثل تحولا نوعيا في السياسات العمومية.

في المقابل، ترى المعارضة أن المؤشرات الاقتصادية الكلية لا تعكس الواقع الذي يعيشه المواطن. فبالنسبة إليها، لا تزال كلفة المعيشة مرتفعة، والقدرة الشرائية تحت ضغط متواصل، فيما يظل التشغيل الحلقة الأضعف في الأداء الاقتصادي. ومن المنتظر أن تجعل من هذه الملفات محور خطابها السياسي، معتبرة أن المواطن سيصوت على ما يلمسه في حياته اليومية أكثر مما سيصوت على نسب النمو أو توازنات المالية العمومية.

ورغم اختلاف المرجعيات السياسية، تبدو البرامج الانتخابية متقاربة في عدد من الأولويات. فحماية القدرة الشرائية، ومحاربة البطالة، وتشجيع الاستثمار، وإصلاح المنظومة الضريبية، ودعم المقاولات الصغرى والمتوسطة، أصبحت ملفات مشتركة بين مختلف الأحزاب، مع اختلاف في المقاربات والآليات المقترحة لتنزيلها.

مؤشرات إيجابية… لكنها لا تحكي القصة كاملة

تعطي المؤشرات الاقتصادية الصادرة عن بنك المغرب صورة إيجابية نسبيا عن أداء الاقتصاد الوطني خلال السنة الجارية. إذ يتوقع البنك المركزي أن يبلغ معدل النمو 5.2 في المائة سنة 2026، مقابل 4.9 في المائة سنة 2025، قبل أن يتراجع إلى 3.1 في المائة سنة 2027 بفعل عودة النشاط الفلاحي إلى مستوياته الاعتيادية بعد الموسم الاستثنائي الحالي.

ويستند هذا التحسن أساسا إلى انتعاش القطاع الفلاحي، الذي ينتظر أن ترتفع قيمته المضافة بنسبة 16 في المائة، مدعوما بمحصول للحبوب يناهز 90 مليون قنطار، وهو ما منح الاقتصاد دفعة قوية بعد سنوات متتالية من الجفاف.

كما أظهرت الحسابات الوطنية للمندوبية السامية للتخطيط أن الاقتصاد المغربي سجل نموا بنسبة 4.6 في المائة خلال الفصل الأول من السنة، مدعوما بارتفاع القيمة المضافة للقطاع الفلاحي بنسبة 18.4 في المائة.

غير أن القراءة المتأنية لهذه الأرقام تكشف أن جزءا كبيرا من هذا النمو مرتبط بالأداء الفلاحي، بينما سجلت الأنشطة غير الفلاحية تباطؤا ملحوظا، إذ لم تتجاوز نسبة نموها 2.6 في المائة، مقابل أربعة في المائة خلال الفترة نفسها من السنة الماضية.

ويعكس هذا التباطؤ تراجع أداء عدد من القطاعات الإنتاجية، من بينها الصناعات الاستخراجية، والصناعات التحويلية، والكهرباء والماء، إلى جانب تباطؤ قطاع البناء والأشغال العمومية، بينما حافظ قطاع الخدمات على وتيرة نمو مستقرة نسبيا.

وهنا يبرز أحد أهم الأسئلة التي سترافق النقاش الانتخابي خلال الأشهر المقبلة: هل يستطيع الاقتصاد المغربي المحافظة على هذه الدينامية إذا تراجع العامل الفلاحي، أم أن الحاجة أصبحت ملحة لتقوية مساهمة الصناعة والخدمات والاقتصاد الرقمي في خلق الثروة ومناصب الشغل؟

البطالة… الرقم الأكثر حساسية

رغم تحسن النمو، يبقى التشغيل أحد أكثر الملفات تعقيدا. فبحسب آخر معطيات بنك المغرب، بلغ معدل البطالة خلال الفصل الأول من سنة 2026 نحو 10.8 في المائة على المستوى الوطني، بينما وصل إلى 13.5 في المائة في الوسط الحضري، وهو ما يجعل هذا الملف في صدارة اهتمامات الناخبين، خاصة الشباب وحاملي الشهادات.

وتدفع هذه الأرقام مختلف الأحزاب إلى تقديم وعود بخلق فرص شغل جديدة، سواء عبر الاستثمار، أو تشجيع المقاولات، أو تطوير قطاعات واعدة مثل الاقتصاد الرقمي والطاقات المتجددة والصناعات الجديدة.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه، بحسب عدد من الاقتصاديين، لا يتعلق فقط بعدد مناصب الشغل، وإنما أيضا بجودتها واستدامتها، ومدى قدرتها على تحسين مستوى الدخل وتقليص الهشاشة.

التضخم يتراجع… لكن المواطن لا يشعر بذلك

في المقابل، تشير المؤشرات الرسمية إلى تباطؤ التضخم، إذ سجل خلال الفصل الأول من السنة نحو 1.1 في المائة، فيما يتوقع بنك المغرب أن يبلغ متوسطه حوالي 1.5 في المائة خلال سنة 2026.

غير أن هذا الرقم لا يعني، بالنسبة لكثير من الأسر، أن الضغوط المعيشية قد تراجعت. فالأسعار التي ارتفعت بقوة خلال السنوات الماضية لم تعد إلى مستوياتها السابقة، كما أن الخدمات والنقل وعددا من المواد الأساسية ما تزال تستنزف جزءا مهما من ميزانيات الأسر.

وهنا تتجلى المفارقة التي سترافق النقاش الانتخابي: فبينما تتحدث المؤسسات الاقتصادية عن استقرار الأسعار، يرى جزء من المواطنين أن تكلفة العيش ما تزال مرتفعة، وأن التحسن في المؤشرات لا ينعكس بالقدر نفسه على واقعهم اليومي.

 مؤشرات قوية… وتحديات لا تزال قائمة

وتزداد تعقيدات المشهد الاقتصادي مع استمرار الضغوط على الحسابات الخارجية. فبنك المغرب يتوقع أن يرتفع عجز الحساب الجاري إلى 4 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي خلال سنة 2026، مقابل 2.4 في المائة سنة 2025، نتيجة ارتفاع فاتورة الواردات الطاقية واستمرار الاستثمارات الكبرى التي تشهدها المملكة.

وتشير التوقعات إلى أن فاتورة الطاقة ستصل إلى نحو 135 مليار درهم، بزيادة تناهز 26 في المائة، فيما ستواصل واردات سلع التجهيز ارتفاعها لمواكبة المشاريع الصناعية والبنيات التحتية. وفي المقابل، ينتظر أن تستمر القطاعات التصديرية في لعب دورها في دعم الاقتصاد، خصوصا صناعة السيارات التي يتوقع أن تبلغ صادراتها 190.8 مليار درهم بحلول سنة 2027، إلى جانب الفوسفاط ومشتقاته، والسياحة، وتحويلات المغاربة المقيمين بالخارج التي تظل من أهم مصادر العملة الصعبة.

كما ينتظر أن ترتفع مداخيل السفر إلى 161.1 مليار درهم، بينما قد تبلغ تحويلات مغاربة العالم حوالي 130 مليار درهم في أفق 2027، في حين تواصل الاحتياطيات الرسمية من العملة الأجنبية تحسنها لتصل إلى نحو 542 مليار درهم، بما يضمن تغطية واردات السلع والخدمات لأكثر من ستة أشهر.

وفي ما يتعلق بالمالية العمومية، يتوقع بنك المغرب أن يتراجع عجز الميزانية إلى 3.4 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي خلال سنة 2026، ثم إلى 3.3 في المائة سنة 2027، رغم فتح اعتمادات إضافية بقيمة 20 مليار درهم وارتفاع النفقات العمومية خلال الأشهر الأولى من السنة.

ورغم أهمية هذه المؤشرات، يرى عدد من الخبراء أن لغة الأرقام وحدها لا تكفي للحكم على الأداء الاقتصادي، ما لم تنعكس بشكل مباشر على التشغيل والدخل والقدرة الشرائية.

رشيد ساري للمحيط: الأرقام وحدها لا تكفي

وفي هذا السياق، يؤكد رئيس المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية، الخبير الاقتصادي رشيد ساري، في تصريح لـ”المحيط”، أن الحكومة المقبلة ستجد نفسها أمام ملفات اقتصادية واجتماعية معقدة، تتجاوز تدبير الظرفية إلى معالجة اختلالات هيكلية تراكمت خلال سنوات.

ويرى ساري أن أول هذه الملفات يتعلق بالحماية الاجتماعية، موضحا أن ورش الدعم المباشر حقق تقدما مهما، لكنه يطرح اليوم أسئلة مرتبطة بمعايير الاستفادة داخل السجل الاجتماعي الموحد، ومدى استدامة هذا النموذج على المدى الطويل، خاصة في ظل تزايد عدد المستفيدين وضغط النفقات العمومية.

ويضيف أن النقاش لم يعد يقتصر على توسيع قاعدة المستفيدين، بل أصبح يتعلق أيضا بكيفية تمويل هذا الورش دون الإضرار بالتوازنات المالية للدولة.

وفي ما يخص القدرة الشرائية، يعتبر ساري أن الأرقام الرسمية الخاصة بالتضخم لا تعكس دائما الإحساس الحقيقي للمواطن. فالتضخم تراجع بالفعل مقارنة بالسنوات الماضية، لكن أسعار عدد من الخدمات والمواد الأساسية ما تزال مرتفعة، وهو ما يجعل جزءا كبيرا من الأسر لا يشعر بتحسن ملموس في مستوى المعيشة.

ويؤكد أن المواطن لا يقيس أداء الاقتصاد بنسبة النمو أو معدل التضخم، وإنما بما يدفعه يوميا مقابل النقل، والسكن، والغذاء، والخدمات الأساسية، وهي عناصر ستؤثر بشكل مباشر في سلوك الناخب خلال الانتخابات المقبلة.

أما على مستوى التشغيل، فيحذر ساري من الاكتفاء بمعدلات النمو دون قياس قدرتها على خلق فرص العمل، مشيرا إلى أن الاقتصاد المغربي أصبح أقل قدرة على تحويل النمو إلى مناصب شغل مقارنة بما كان عليه قبل عقود، وهو ما يفرض إعادة التفكير في النموذج الاقتصادي، خاصة في القطاعات ذات القيمة المضافة العالية.

ويضيف أن المغرب بحاجة إلى تسريع الاستثمار في الاقتصاد الرقمي، والصناعة، والابتكار، وربط التكوين بسوق الشغل، حتى يصبح النمو الاقتصادي أكثر قدرة على امتصاص البطالة، خصوصا في صفوف الشباب.

كما يدعو إلى عدم بناء تقييم الاقتصاد على الموسم الفلاحي الحالي فقط، مذكرا بأن المغرب عاش خلال السنوات الأخيرة موجات جفاف متتالية وكوارث طبيعية كان لها أثر مباشر على النمو، وهو ما يبرز الحاجة إلى تنويع مصادر الثروة وتقليص ارتباط الاقتصاد بالتقلبات المناخية.

ويعتبر أن إصلاح نظام التقاعد ومدونة الشغل من الملفات التي لم يعد بالإمكان تأجيلها، موضحا أن الحكومات المتعاقبة أجلت معالجة هذين الورشين رغم تأثيرهما المباشر على المالية العمومية وسوق العمل، وهو ما يجعل الحكومة المقبلة مطالبة باتخاذ قرارات صعبة في هذا المجال.

 الحكومة المقبلة أمام ثلاثة اختبارات حاسمة

ومن خلال قراءة المؤشرات الحالية وتصريحات الخبراء، تبدو الحكومة المقبلة أمام ثلاثة تحديات كبرى.

أولها، ضمان الأمن المائي في ظل تحول الإجهاد المائي إلى تحد هيكلي، عبر تسريع مشاريع تحلية مياه البحر، والربط بين الأحواض المائية، وترشيد الاستهلاك، بما يحافظ على الأمنين المائي والغذائي.

أما التحدي الثاني، فيتمثل في ضمان استدامة تمويل الدولة الاجتماعية، من خلال إيجاد توازن بين مواصلة برامج الدعم الاجتماعي، وإصلاح أنظمة التقاعد، والحفاظ على استقرار المالية العمومية دون توسيع العجز.

في حين يرتبط التحدي الثالث بتحويل الاستثمارات الكبرى التي يعرفها المغرب استعدادا للاستحقاقات الدولية المقبلة إلى محرك حقيقي للتشغيل والتنمية، عبر تعزيز اندماج المقاولات الوطنية، ورفع القيمة المضافة، وضمان أن تنعكس هذه المشاريع على سوق الشغل وليس فقط على البنيات التحتية.

وفي نهاية المطاف، يبدو أن انتخابات 2026 ستكون أول استحقاق تشريعي يحتل فيه الاقتصاد صدارة النقاش السياسي بهذا الوضوح. فالأحزاب ستتنافس على تقديم وعود مرتبطة بالتشغيل والأسعار والدخل والاستثمار، لكن الناخب سيقارن هذه الوعود بما يلمسه في حياته اليومية.

وبين دفاع الأغلبية عن حصيلتها، وانتقادات المعارضة، وتقديرات المؤسسات الاقتصادية، يبقى الفيصل في صناديق الاقتراع هو مدى قدرة أي مشروع سياسي على تحويل مؤشرات النمو إلى فرص شغل، وتحسين القدرة الشرائية، وتعزيز الثقة في المستقبل. فالاقتصاد لم يعد مجرد بند في البرامج الانتخابية، بل أصبح المعيار الذي سيقيس به كثير من المغاربة أداء الأحزاب، وقد يكون العامل الأكثر تأثيرا في رسم ملامح الخريطة السياسية بعد 23 شتنبر 2026.

مساحة إعلانية متاحةspot_imgspot_img