زيارة لوكورنو للمغرب.. باريس تبحث عبر الرباط عن طريق جديد إلى إفريقيا

لم تعد الزيارة المرتقبة لرئيس الوزراء الفرنسي إلى الرباط مجرد محطة دبلوماسية عادية أو استئنافا لاجتماعات اللجنة العليا المغربية الفرنسية بعد سنوات من الفتور، بل تعكس تحولا أعمق في رؤية باريس لدورها داخل القارة الإفريقية.

ففي وقت تراجع فيه النفوذ الفرنسي في عدد من بلدان الساحل وغرب إفريقيا، يبرز المغرب باعتباره شريكا قادرا على توفير مدخل جديد إلى القارة عبر الاقتصاد والاستثمار والدبلوماسية.

وخلال السنوات الأخيرة، واجهت فرنسا انتكاسات متتالية في مالي والنيجر وبوركينا فاسو، حيث تراجع حضورها السياسي والعسكري لصالح قوى دولية وإقليمية جديدة، ما دفعها إلى إعادة تقييم سياستها الإفريقية والبحث عن أدوات نفوذ مختلفة تقوم على الشراكات الاقتصادية بدل المقاربة الأمنية التقليدية.

في هذا السياق، تنظر باريس إلى المغرب باعتباره أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين والدبلوماسيين في إفريقيا، بعدما وسع حضوره في قطاعات البنوك والاتصالات والأسمدة والطاقة والبنية التحتية داخل العديد من دول غرب القارة، إلى جانب تنامي دوره داخل الاتحاد الإفريقي.

ولا تبدو الزيارة المرتقبة معزولة عن هذا التوجه، إذ يجري الإعداد لاجتماع رفيع المستوى في الرباط بمشاركة عدد من الوزراء الفرنسيين، يتضمن ملفات الطاقة والدفاع والثقافة والاستثمار، في خطوة تمهد أيضا لمرحلة جديدة من التعاون بين البلدين، وربما لزيارة دولة مرتقبة للملك محمد السادس إلى فرنسا.

وتشير المؤشرات إلى أن البلدين يعملان بالتوازي على إعداد معاهدة صداقة جديدة، من شأنها أن تؤسس لإطار طويل الأمد للتعاون السياسي والاقتصادي والأمني، بما يعكس رغبة مشتركة في الانتقال من تجاوز أزمات الماضي إلى بناء شراكة استراتيجية أكثر استقرارا.

وتدرك باريس أن المغرب لم يعد الشريك الذي كان عليه قبل عقد من الزمن. فقد نجحت المملكة في تنويع تحالفاتها الدولية، وعززت علاقاتها مع الولايات المتحدة وإسبانيا ودول الخليج والصين، وهو ما منحها هامشا أوسع في إدارة علاقاتها الخارجية والتفاوض مع مختلف الشركاء وفق منطق المصالح المتبادلة.

كما تراهن الشركات الفرنسية على الاستفادة من المشاريع الكبرى التي يشهدها المغرب، سواء في مجالات الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر والصناعة، أو في الأوراش المرتبطة بالتحضير لكأس العالم 2030، وهي مشاريع تمنح العلاقة الاقتصادية بين البلدين زخما جديدا يتجاوز الإطار التقليدي للتبادل التجاري.

ومن زاوية أوسع، تبدو فرنسا وكأنها تعيد رسم استراتيجيتها الإفريقية انطلاقا من الرباط، ليس بهدف استعادة نموذج النفوذ التقليدي، بل لبناء شراكات تستند إلى الاستثمار والتكامل الاقتصادي.

وفي المقابل، يدخل المغرب هذه المرحلة من موقع أكثر قوة، مستندا إلى حضوره المتنامي في إفريقيا وإلى شبكة علاقات دولية متنوعة تمنحه قدرة أكبر على التفاوض وصياغة شراكات تحقق مصالحه الاستراتيجية.

وبذلك، لا تقتصر أهمية الزيارة المرتقبة على ما قد تسفر عنه من اتفاقيات ثنائية، بل تكمن أيضا في دلالتها الجيوسياسية، باعتبارها مؤشرا على أن باريس ترى في الرباط بوابتها الأكثر واقعية لإعادة التموضع داخل إفريقيا، في وقت تشهد فيه القارة تحولات عميقة في موازين النفوذ والتحالفات الدولية.

مساحة إعلانية متاحةspot_imgspot_img