أعلن المغرب وفرنسا إطلاق مسار لدراسة مشروع ربط كهربائي مباشر بين البلدين، في خطوة تحمل أبعادا طاقية واقتصادية واستراتيجية، وقد تعيد تموقع المملكة داخل خريطة الطاقة الأوروبية خلال السنوات المقبلة.
وبحسب وكالة رويترز، أعلنت الرباط وباريس عن طلبات إبداء اهتمام بشأن مشروع الربط الكهربائي المباشر، بهدف تصدير الكهرباء المتجددة من المغرب إلى فرنسا، وذلك في سياق أوسع لتعزيز الروابط الاقتصادية والطاقية بين أوروبا وشمال إفريقيا.
وجاء الإعلان عقب الاجتماع رفيع المستوى المغربي الفرنسي في الرباط، حيث وقع البلدان عددا من اتفاقات التعاون في مجالات مختلفة، شملت المالية والطيران المدني والتعليم والثقافة والدبلوماسية، في مؤشر على رغبة الطرفين في نقل العلاقة الثنائية إلى مرحلة أكثر تركيبا بعد سنوات من الفتور.
ولا يبدو مشروع الربط الكهربائي مجرد بنية تقنية لنقل الطاقة، بل جزءا من إعادة هندسة العلاقة بين المغرب وفرنسا على قاعدة المصالح الاستراتيجية الجديدة.
ففرنسا، التي تواجه تحديات مرتبطة بأمن الطاقة وتجديد بنيتها الكهربائية، تبحث عن شراكات قريبة ومستقرة في جنوب المتوسط، بينما يراهن المغرب على تحويل استثماراته في الطاقات المتجددة إلى نفوذ اقتصادي وجيوسياسي.
ويمنح المشروع للمغرب فرصة للانتقال من بلد يسعى إلى تقليص تبعيته الطاقية، إلى منصة إقليمية قادرة على تصدير الكهرباء النظيفة نحو أوروبا.
فالمملكة راكمت خلال السنوات الماضية خبرة معتبرة في مشاريع الطاقة الشمسية والريحية، وتطمح إلى تعزيز موقعها في سلاسل القيمة المرتبطة بالكهرباء الخضراء والهيدروجين والوقود الصناعي منخفض الكربون.
وتكتسي هذه الخطوة أهمية خاصة لأنها تأتي في وقت تتجه فيه أوروبا إلى تسريع انتقالها الطاقي وتقليص الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية، مع الحاجة إلى ربط كهربائي أوسع بين الضفتين الجنوبية والشمالية للمتوسط.
وفي هذا السياق، لا يطرح المغرب نفسه فقط كمصدر محتمل للطاقة، بل كشريك قريب جغرافيا، مستقر سياسيا، ومرتبط اقتصاديا بأوروبا.
كما أن الربط الكهربائي المباشر بين المغرب وفرنسا، إذا تقدم نحو التنفيذ، قد يمنح المملكة موقعا جديدا في أمن الطاقة الأوروبي، إلى جانب موقعها القائم في التجارة واللوجستيك والصناعة. فالكهرباء المتجددة تصبح هنا أداة نفوذ ناعم، تسمح للمغرب بتعميق شراكته مع باريس وبناء حضور أقوى داخل السوق الأوروبية للطاقة.
ويرتبط الإعلان أيضا بتحسن واضح في العلاقات المغربية الفرنسية، خاصة بعد تبني باريس موقفا أكثر وضوحا من قضية الصحراء المغربية، واعتبارها أن حاضر ومستقبل الأقاليم الجنوبية يندرجان في إطار السيادة المغربية. هذا التحول السياسي فتح المجال أمام مرحلة جديدة من التعاون الاقتصادي والاستراتيجي، يبدو أن الطاقة ستكون أحد أعمدتها.
غير أن المشروع يطرح في المقابل تحديات كبيرة، ترتبط بكلفة البنية التحتية، والتمويل، والضبط القانوني، وسعر الكهرباء المصدرة، وضمان ألا يتحول التصدير إلى ضغط على حاجيات السوق الوطنية.
فنجاح الربط الكهربائي لن يقاس فقط بمدى قدرة المغرب على بيع الكهرباء لأوروبا، بل بقدرته على جعل هذا التصدير رافعة للتصنيع المحلي وخلق فرص الشغل وتقوية أمنه الطاقي الداخلي.
ومن هذه الزاوية، يحتاج المغرب إلى مقاربة دقيقة توازن بين الطموح التصديري والحاجيات الوطنية.
فالكهرباء الخضراء يجب ألا تكون مجرد مادة خام جديدة تصدر إلى الخارج، بل أساسا لبناء صناعات مغربية منخفضة الكربون، خاصة في قطاعات السيارات والبطاريات والطيران والأسمدة والهيدروجين الأخضر.
ويؤشر المشروع، في حال تقدمه، على تحول أعمق في موقع المغرب داخل المتوسط. فبعد طنجة المتوسط في التجارة، والداخلة الأطلسي في الربط الإفريقي، قد يصبح الربط الكهربائي مع فرنسا أحد عناصر تموقع المغرب كجسر طاقي بين إفريقيا وأوروبا.
ولذلك، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في مد كابل كهربائي بين ضفتي المتوسط، بل في تحويل الطاقة المتجددة إلى ورقة استراتيجية مغربية، تعزز السيادة الاقتصادية، وتفتح بابا جديدا أمام شراكات صناعية وطاقية أوسع مع أوروبا.


