ارتفعت أسعار النفط، الجمعة، مع تجدد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، وعودة المخاوف من اتساع الاضطراب في ممرات الطاقة البحرية، بين مضيق هرمز والبحر الأحمر، في مؤشر جديد على أن الحرب لم تعد تضغط على الإمدادات فقط، بل على طرق العبور نفسها.
وبحسب وكالة رويترز، صعد خام برنت بأكثر من 2 في المائة ليبلغ نحو 86 دولارا للبرميل، فيما ارتفع خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي إلى حوالي 80.86 دولارا، مع توجه الخامين إلى تسجيل مكاسب أسبوعية تقارب 13 في المائة، بفعل تصاعد الهجمات بين واشنطن وطهران وتزايد المخاوف على سلامة الملاحة في المنطقة.
وجاء الارتفاع بعد أن كثفت الولايات المتحدة وإيران هجماتهما عبر الخليج، في وقت ما تزال فيه القيود على تدفقات النفط عبر مضيق هرمز تضغط على السوق.
ويكتسب هذا المضيق أهمية حيوية لكونه أحد أهم شرايين الطاقة العالمية، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز القادمة من الخليج نحو الأسواق الدولية.
لكن التطور الأبرز، وفق المعطيات المتداولة في السوق، يتمثل في انتقال المخاوف من هرمز وحده إلى البحر الأحمر، بعدما طلبت طهران من جماعة الحوثي الاستعداد لإغلاق طريق التصدير عبر البحر الأحمر في حال استهداف الولايات المتحدة للبنية التحتية للطاقة داخل إيران. وهذا يعني أن الضغط قد ينتقل من مضيق واحد إلى شبكة ممرات مترابطة تشمل هرمز وباب المندب والبحر الأحمر وقناة السويس.
وتعني هذه المعادلة أن أسواق الطاقة لم تعد تسعر خطر نقص النفط فقط، بل تسعر كلفة الجغرافيا. فتعطل طريق واحد يمكن احتواؤه جزئيا عبر تحويل الشحنات، لكن تزامن الضغط على هرمز والبحر الأحمر يرفع كلفة النقل والتأمين والوقود، ويطيل زمن الرحلات، ويدفع شركات الشحن والطاقة إلى إعادة حساب مساراتها.
وتزداد حساسية الأسواق مع ارتفاع هوامش تكرير الديزل إلى مستويات قياسية، في ظل المخاوف من نقص المنتجات المكررة، وليس الخام فقط. فالديزل يرتبط مباشرة بالنقل البري والبحري والفلاحة والصناعة، ما يجعل أي ارتفاع في أسعاره أكثر قابلية للانتقال إلى كلفة المعيشة وسلاسل الإمداد.
وبالنسبة لدول شمال إفريقيا، ومنها المغرب، فإن هذه التطورات تحمل أثرا مزدوجا. فمن جهة، قد يستفيد موقع المغرب الأطلسي والمتوسطي من إعادة توجيه بعض المسارات حول إفريقيا أو عبر غرب المتوسط، خاصة مع صعود أهمية طنجة المتوسط والموانئ الأطلسية. ومن جهة ثانية، يبقى المغرب مستوردا صافيا للطاقة، ما يجعله معنيا مباشرة بأي ارتفاع في أسعار النفط والغازوال وكلفة الشحن.
ولا يتعلق الأمر هنا بسعر برميل النفط وحده، بل بما يمكن أن ينتقل إلى فاتورة النقل واللوجستيك والمواد المستوردة. فكل اضطراب في الممرات البحرية الكبرى يضغط على تكلفة التجارة، خصوصا بالنسبة للاقتصادات التي تعتمد على استيراد الطاقة والمواد الأولية والحبوب ومدخلات الصناعة.
وتكشف الأزمة أيضا أن البحر الأحمر وقناة السويس لم يعودا مجرد ممرين تجاريين، بل أصبحا جزءا من التوازنات الأمنية في الشرق الأوسط. وإذا توسع التوتر إلى باب المندب، فإن مصر قد تواجه ضغطا إضافيا على عائدات قناة السويس، بينما ستجد دول الخليج نفسها أمام تحدي تأمين صادراتها خارج المسارات التقليدية.
في المقابل، يفتح هذا الاضطراب نافذة استراتيجية أمام المغرب لتقوية موقعه كممر آمن ومستقر بين إفريقيا وأوروبا والأطلسي. فالمملكة لا تتحكم في أسعار النفط، لكنها تستطيع تعزيز قدرتها على امتصاص الصدمات عبر التخزين الطاقي، وتنويع مصادر التوريد، وتسريع مشاريع الطاقات المتجددة، وتطوير البنية اللوجستية للموانئ.
وتؤكد عودة ارتفاع النفط أن معركة الممرات البحرية ستظل إحدى واجهات الصراع في المنطقة. وما دام التوتر الأمريكي الإيراني مفتوحا، وما دامت أوراق الحوثيين والبحر الأحمر حاضرة، فإن الأسواق ستبقى تتحرك تحت ضغط الخوف من صدمة جديدة في الطاقة والشحن.


