دخل مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي، الرابط بين نيجيريا والمغرب، مرحلة جديدة بعد توقيع رؤساء دول المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس) الاتفاق الحكومي للمشروع خلال القمة المنعقدة في فريتاون بسيراليون، في خطوة تمثل أحد أهم التطورات منذ إطلاق المبادرة قبل سنوات، وتفتح الباب أمام الانتقال من مرحلة التخطيط إلى التنفيذ المؤسساتي.
وبحسب بيان اطلعت عليه المحيط، فإن توقيع الاتفاق الحكومي يترجم المصادقة التي أقرتها قمة “إيكواس” في دجنبر 2024، ويؤكد الالتزام السياسي للدول المشاركة بالمضي في تنفيذ المشروع، الذي يهدف إلى إنشاء ممر طاقي يربط احتياطيات الغاز في نيجيريا بأسواق غرب إفريقيا والمغرب وأوروبا عبر الساحل الأطلسي.
ويمثل الاتفاق محطة مفصلية في مسار المشروع، إذ يمهد لإحداث شركة المشروع، التي سيكون مقرها بمدينة الدار البيضاء، إلى جانب إنشاء الهيئة العليا لأنبوب الغاز في العاصمة النيجيرية أبوجا، باعتبارها المؤسسة المكلفة بحكامة المشروع والإشراف على تنفيذه، وهي خطوات ستسبق تعبئة الاستثمارات واتخاذ قرار الاستثمار النهائي.
كما أعلن البيان أن المغرب وموريتانيا سيوقعان في مرحلة لاحقة الاتفاق النهائي خلال مراسم رسمية ستحتضنها المملكة المغربية بحضور الرئيس النيجيري، لاستكمال الإطار القانوني والمؤسساتي للمشروع.
ويعد المشروع من أكبر مشاريع البنية التحتية الطاقية في القارة الإفريقية، إذ يمتد على طول الساحل الأطلسي انطلاقا من نيجيريا مرورا بثلاث عشرة دولة إفريقية قبل وصوله إلى المغرب، مع ربطه بدول الساحل عبر خطوط فرعية، ثم وصله بخط أنبوب الغاز المغاربي-الأوروبي، بما يسمح بتأمين إمدادات الغاز نحو الأسواق الأوروبية.
وتصل القدرة السنوية المستهدفة للأنبوب إلى نحو 30 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي، منها ما يصل إلى 15 مليار متر مكعب موجهة إلى المغرب والأسواق الأوروبية، بما يعزز أمن الطاقة الإقليمي ويوفر موردا جديدا للدول التي يعبرها المشروع.
ويستند المشروع إلى رؤية مشتركة أطلقها الملك محمد السادس والرئيس النيجيري الراحل محمد بخاري، ويواصل الرئيس النيجيري بولا أحمد تينوبو دعمه السياسي، بينما تتولى قيادته تقنيا كل من المكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن والشركة الوطنية النيجيرية للنفط.
ويؤكد التقدم المحقق خلال السنوات الماضية أن المشروع تجاوز مرحلة التصور الأولي، بعدما استكملت الدراسات الهندسية الأساسية، وأعمال تحديد المسار، وجزء مهم من الدراسات البيئية والاجتماعية، إضافة إلى إعداد الأطر القانونية والتنظيمية والتجارية التي ستؤطر تنفيذه.
ولا يقتصر المشروع على نقل الغاز فقط، بل يندرج ضمن رؤية أوسع لإعادة تشكيل خريطة الطاقة في غرب إفريقيا، عبر توفير الغاز للدول التي تعاني محدودية الإمدادات، ودعم إنتاج الكهرباء، وتحفيز التصنيع، وإنشاء سلاسل قيمة جديدة مرتبطة بالبتروكيماويات والصناعات التحويلية، فضلا عن خلق فرص شغل واستثمارات على امتداد مساره.
وتقدر كلفة المشروع بحوالي 23 مليار يورو، ما يجعله أحد أكبر مشاريع البنية التحتية في إفريقيا، كما يمثل رهانا استراتيجيا على تحويل الساحل الأطلسي إلى فضاء للتكامل الاقتصادي والطاقة، في وقت تبحث فيه أوروبا عن تنويع مصادر الغاز وتقليص اعتمادها على الموردين التقليديين.
وبالنسبة للمغرب، يعزز المشروع موقع المملكة باعتبارها منصة طاقية تربط إفريقيا بأوروبا، مستفيدا من البنية التحتية القائمة، وعلى رأسها خط الغاز المغاربي-الأوروبي، إلى جانب الاستثمارات المتسارعة في الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر، وهو ما يمنحه موقعا محوريا داخل معادلة الطاقة الإقليمية.
كما يمنح المشروع دفعة جديدة للمبادرة الملكية الرامية إلى تعزيز الاندماج الاقتصادي لدول إفريقيا الأطلسية، إذ يتجاوز البعد الطاقي ليصبح أداة لتعميق التعاون جنوب-جنوب، وربط الاقتصادات الإفريقية بشبكات إقليمية ودولية أكثر تكاملا.
وفي هذا السياق، أكدت المديرة العامة للمكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن، أمينة بنخضرة، أن المشروع يجسد طموحا إفريقيا مشتركا لبناء قارة أكثر اندماجا وازدهارا، مشيرة إلى أنه سيسهم في تعزيز الأمن الطاقي، ودعم التنمية الصناعية، وخلق فرص اقتصادية جديدة، بما ينسجم مع رؤية الملك محمد السادس لإرساء فضاء إفريقي أطلسي متكامل.
وبذلك، لا يمثل توقيع الاتفاق الحكومي نهاية مسار طويل من الدراسات والتنسيق فقط، بل يشكل بداية مرحلة جديدة ينتقل فيها المشروع تدريجيا من الإطار السياسي إلى التنفيذ العملي، في انتظار تعبئة التمويلات واتخاذ قرار الاستثمار النهائي الذي سيحدد موعد انطلاق أشغال أحد أكثر المشاريع الطاقية طموحا في القارة الإفريقية.


