مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، يعود النقاش مجددا حول طبيعة السلوك الانتخابي في العالم القروي، ومدى استمرار تأثير القبيلة في توجيه اختيارات الناخبين.
وبينما ظل الاعتقاد السائد لسنوات يعتبر أن الانتماء القبلي هو العامل الحاسم في رسم النتائج داخل عدد من المناطق القروية، تكشف دراسة أكاديمية ميدانية حديثة أن المشهد بات أكثر تعقيدا، وأن الناخب القروي بدأ يعيد صياغة أولوياته تحت تأثير متغيرات اجتماعية واقتصادية وسياسية متسارعة.
هذه الخلاصات حملتها رسالة الماستر التي ناقشها الباحث والفاعل المدني إبراهيم جديد مؤخرا بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالمحمدية التابعة لجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، ضمن مسار المؤسسات السياسية والدستورية، تحت عنوان “الديناميات السوسيولوجية للسلوك الانتخابي في المجال القروي: قبائل زيان نموذجا (الانتخابات التشريعية 2021)”.
واعتمدت الدراسة على بحث ميداني شمل 200 مواطن من قبائل زيان، مدعوما بـ20 مقابلة معمقة مع فاعلين من النخبة السياسية المحلية، لرصد التحولات التي عرفها السلوك الانتخابي داخل واحدة من أكثر القبائل المغربية حضورا في التاريخ السياسي والاجتماعي.
وفي حوار مع المحيط، يؤكد الباحث إبراهيم جديد أن أهم ما توصلت إليه الدراسة هو أن الناخب القروي لم يعد يتحرك بالمنطق نفسه الذي حكم الانتخابات لعقود.
ويقول إن “التحول الجوهري الذي كشفته الدراسة هو الانتقال من السلوك التعبوي التقليدي إلى نموذج هجين، فلم يعد الناخب مجرد أداة حشد في يد الأعيان، بل أصبح فاعلا يزاوج بين الولاء القبلي الموروث وروح المواطنة النقدية”.
هذا التحول تعكسه الأرقام التي أفرزها البحث، إذ أصبح الواجب الوطني الدافع الأول للمشاركة في الانتخابات بنسبة بلغت 59 في المائة، في مؤشر يراه الباحث مفارقة مهمة مقارنة بدراسات سابقة كانت تعتبر العصبية القبلية المحرك الأساسي للتصويت داخل المجال القروي.
ويضيف جديد للمحيط أن هذا المعطى لا يعني اختفاء القبيلة من المشهد، “بل يعني أنها أعادت تعريف دورها، إذ ما تزال حاضرة كمرجعية اجتماعية ورمزية، لكنها لم تعد القوة الوحيدة التي تحدد قرار الناخب”.
ورغم هذا التحول، تؤكد الدراسة أن القبيلة لا تزال تحتفظ بوزنها داخل العملية الانتخابية. فقد أظهرت النتائج أن 40 في المائة من المستجوبين يعتمدون على التصويت القبلي أو العائلي، ليظل هذا النمط الأكثر حضورا في قبائل زيان.
غير أن الدراسة تكشف في الوقت نفسه أن هذا الولاء أصبح يتقاطع مع اعتبارات أخرى، أبرزها المصالح الاقتصادية والخدمات المحلية، حيث يصوت 20.5 في المائة وفق منطق الخدمات، بينما لا تتجاوز نسبة التصويت الحزبي القائم على البرامج والأيديولوجيا 14.2 في المائة.
ويعلق إبراهيم جديد على هذه الأرقام بالقول إن “الناخب الزياني لم يعد يبحث فقط عن ابن القبيلة، بل أصبح يبحث عن مزيج بين مرجعيته الاجتماعية ومصلحته الاقتصادية وقدرة المرشح على تحقيق نتائج ملموسة”.
ويرى أن ضعف التصويت الحزبي لا يعكس ضعف وعي المواطنين، بقدر ما يعكس أزمة تعيشها الأحزاب نفسها، التي لم تستطع بناء ولاءات قائمة على البرامج أو تقديم بدائل مقنعة داخل المجال القروي.
ومن بين المؤشرات التي توقفت عندها الدراسة أيضا، صعود ما يسميه الباحث بـ”الناخب الناقد”.
فقد بلغت نسبة المقاطعة 27.9 في المائة، وهي نسبة يرفض الباحث تفسيرها باعتبارها عزوفا عن السياسة.
ويقول للمحيط إن “المقاطعة لم تعد تعبيرا عن الجهل أو اللامبالاة، بل أصبحت فعلا احتجاجيا واعيا يمارسه المواطن لمعاقبة الفاعلين السياسيين الذين لم يلبوا انتظاراته”.
ويعتبر أن هذه النتيجة تعكس تراجعا تدريجيا لسلطة الأعيان التقليدية وصعود ثقافة المحاسبة، خاصة لدى الأجيال الشابة.
ولا يفصل الباحث هذا التحول عن السياق الاجتماعي الذي تعرفه المنطقة، إذ يوضح أن 73.3 في المائة من أفراد العينة ينتمون إلى فئة الشباب، وهي الفئة الأكثر احتكاكا بالفضاء الرقمي والأقل خضوعا لسلطة الوسطاء التقليديين.
ويرى أن الانفتاح على وسائل التواصل الاجتماعي، إلى جانب الإحباط الناتج عن استمرار مشاكل التشغيل والخدمات الأساسية، خلق جيلا أكثر ميلا إلى مساءلة الخطاب السياسي بدل التسليم به.
لكن أكثر النتائج إثارة للانتباه في الدراسة تتعلق بانتشار ظاهرة شراء الأصوات. فقد أكد 69.7 في المائة من المشاركين وجود هذه الممارسة خلال الانتخابات، توزعت بين 34.6 في المائة تحدثوا عن توزيع الأموال والهدايا بشكل علني، و35.1 في المائة أكدوا أنها تتم بطرق سرية.
ويصف إبراهيم جديد هذا الرقم بأنه يكشف “جوهر الفساد داخل المنظومة الانتخابية”، موضحا للمحيط أن شراء الأصوات لم يعد مجرد حالات معزولة، بل تحول في نظر جزء من المواطنين إلى أسلوب متكرر في إدارة الحملات الانتخابية.
ويضيف أن هذا الواقع يفسر جانبا مهما من أزمة الثقة التي باتت تطبع علاقة الناخب بالعملية الانتخابية، حيث يشعر كثيرون بأن المنافسة لا تحسمها البرامج بقدر ما تحسمها شبكات النفوذ والمال.
غير أن الدراسة تكشف في المقابل مفارقة لافتة. فبالرغم من انتشار هذه الظاهرة، يعتبر 52.8 في المائة من المستجوبين أن شراء الأصوات يمثل رشوة مرفوضة أخلاقيا وقانونيا.
ويرى الباحث أن هذه النتيجة تؤكد أن “المشكلة ليست في غياب الوعي لدى المواطنين، وإنما في ضعف الردع وآليات المراقبة”، مشيرا إلى أن المجتمع يدرك خطورة الظاهرة لكنه لا يجد دائما البيئة التي تمكنه من مقاومتها.
وتكشف الدراسة أيضا أن 16.1 في المائة من المشاركين يرفضون شراء الأصوات من حيث المبدأ، لكنهم يقبلون به تحت ضغط الحاجة الاقتصادية، وهو ما يعكس العلاقة الوثيقة بين الهشاشة الاجتماعية واستمرار الفساد الانتخابي.
وفي المقابل، يرى 19.2 في المائة أن الأموال التي يقدمها المرشحون تمثل “حقا للقبيلة”، وهو ما يعتبره الباحث دليلا على استمرار تداخل الثقافة القبلية مع بعض الممارسات الانتخابية، حيث تتحول الرشوة لدى جزء من المجتمع إلى ممارسة تجد مبرراتها داخل الأعراف المحلية.
ولا يعتقد إبراهيم جديد أن نتائج الدراسة قابلة للتعميم على جميع المناطق القروية المغربية، لكنه يرى أنها تعكس تحولا بدأ يفرض نفسه في عدد من المجالات التي تعيش الانتقال بين التقليد والحداثة.
ويوضح للمحيط أن خصوصية قبائل زيان، بحكم موقعها الجغرافي وقربها من مراكز القرار، جعلتها تعيش هذا التحول بوتيرة أسرع، غير أن مؤشرات مثل تراجع سلطة الأعيان، وصعود النقد الشبابي، وعقلنة المقاطعة، بدأت تظهر في مناطق أخرى، ما يستدعي توسيع دائرة البحث لفهم مستقبل السلوك الانتخابي بالمغرب.
ويخلص الباحث إلى أن الرسالة الأهم التي تحملها الدراسة موجهة بالدرجة الأولى إلى الأحزاب السياسية.
فبحسب تعبيره، “المقاطعة ليست جهلا… إنها عقاب”، معتبرا أن الناخب القروي أصبح أكثر استعدادا لمحاسبة المنتخبين على حصيلتهم، وأقل استعدادا لمنح صوته بناء على الولاءات التقليدية وحدها.
ويؤكد أن استعادة الثقة لن تتحقق عبر شراء الأصوات أو إعادة إنتاج الوجوه نفسها، بل من خلال تجديد النخب المحلية، واحترام الخصوصيات الثقافية، وتقديم برامج تنموية قادرة على إقناع مواطن بات أكثر وعيا وأكثر مطالبة بالمحاسبة من أي وقت مضى.
وفي حديثه لـ’’ـالمحيط’’، يستبعد الباحث إبراهيم جديد إمكانية التعميم المطلق لنتائج الدراسة، موضحا أن قبائل زيان تمثل حالة وسطية ذات خصوصية واضحة؛ فهي ليست مجالا جبليا معزولا مثل آيت عطا، ولا بيئة حضرية مكتملة الاندماج.
ويرى أن قربها الجغرافي من الرباط ومكناس، إلى جانب امتداداتها التاريخية المرتبطة بعائلة أمحزان، جعلها أكثر تعرضا لضغوط التحديث والعصرنة، وبوتيرة أسرع من عدد من القبائل الهامشية.
ويضيف أن نموذج “التحول الهجين” الذي رصدته الدراسة ينطبق أساسا على المجالات القبلية التي تقف عند مفترق الطرق بين التقليد والحداثة، حيث تتجاور الولاءات الموروثة مع أنماط جديدة من الوعي والمحاسبة.
ومع ذلك، يعتبر الباحث عينه أن مؤشرات مثل تآكل سلطة الأعيان، وصعود النقد الشبابي، وتحول المقاطعة إلى موقف عقلاني واحتجاجي، لم تعد حكرا على قبائل زيان، بل بدأت تظهر في مناطق قروية مغربية أخرى، بما يفتح المجال أمام دراسات مقارنة ترصد أوجه التشابه والاختلاف وفق خصوصية كل قبيلة ومجال اجتماعي.


