تحولت موجة العبور نحو سبتة في الساعات الأخيرة إلى اختبار إعلامي وسياسي مفتوح بين الأرقام والروايات.
فخلال الساعات الأخيرة، لم تتعامل الصحافة الإسبانية مع ما جرى باعتباره واقعة حدودية عابرة، بل باعتباره أزمة كبرى تضغط على مدينة صغيرة، وتستدعي تدخل الحكومة المركزية، وتعيد ملف الهجرة إلى واجهة العلاقات بين مدريد والرباط.
في تغطية El País، حضرت الأزمة من زاوية مزدوجة تجمع بين الرقم والسياسة.
الصحيفة تحدثت عن دخول عشرات الآلاف إلى سبتة، وعن عودة قسم كبير منهم إلى المغرب، لكنها ذهبت أبعد من ذلك حين ربطت الحدث بسؤال العلاقات الإسبانية المغربية، معتبرة أن ما وقع يضع الثقة بين البلدين أمام اختبار جديد. وقد بدا واضحا في معالجة الصحيفة أن الرقم ليس مجرد معطى إحصائي، بل مدخل لقراءة أزمة دبلوماسية محتملة.
أما RTVE، التلفزيون العمومي الإسباني، فقد قدم الحدث باعتباره أكبر أزمة من نوعها منذ سنة 2021. ركزت تغطيته على تدفق الوافدين عبر منطقة تراخال، وعلى حصيلة الضحايا، وعلى تحرك الحكومة الإسبانية لتعزيز التدبير الأمني والإنساني. ومن خلال هذه الزاوية، بدا خطاب RTVE أقرب إلى الرواية الرسمية الإسبانية، حيث تتقدم مفردات “الأزمة”، و“التعزيزات”، و“العودة”، و“التنسيق” على أي قراءة اجتماعية أعمق لأسباب اندفاع الشباب.
في المقابل، اشتغلت Europa Press بمنطق الوكالة الإخبارية، فركزت على تصريحات المسؤولين وتحديث الأرقام. نقلت الوكالة تقديرات متباينة بين الحكومة المركزية ورئاسة سبتة، خاصة بشأن عدد الداخلين وحجم الضغط على المدينة. وتظهر أهمية هذه التغطية في أنها تكشف أحد عناصر الارتباك داخل الرواية الإسبانية نفسها: هل يتعلق الأمر بأرقام نهائية، أم بتقديرات متحركة في لحظة أزمة مفتوحة؟
أما وكالة EFE، فتعاملت مع الملف من زاوية رسمية وإخبارية، من خلال تتبع بيانات وزارة الداخلية الإسبانية، وحركة العائدين نحو المغرب، والتصريحات السياسية المصاحبة للأزمة.
ورغم طابعها الخبري، فقد ساهمت الوكالة في تثبيت صورة الحدث كأزمة وطنية إسبانية لا تخص سبتة وحدها، بل تهم الدولة المركزية وعلاقتها بالحدود الجنوبية لأوروبا.
صحيفة La Vanguardia اختارت زاوية أكثر تفسيرية، إذ ربطت ما جرى بحكم المحكمة العليا الإسبانية المتعلق بعدم إمكانية تطبيق الإرجاع الفوري على المهاجرين الذين يصلون سباحة.
ومن خلال هذا الربط، قدمت الصحيفة الأزمة كما لو أنها نتيجة تداخل بين فراغ قانوني أو سوء فهم قانوني، ودعوات انتشرت عبر شبكات التواصل، وتحرك جماعي مفاجئ باتجاه سبتة. هذه القراءة تمنح الحدث بعدا قانونيا وسياسيا يتجاوز المشهد الحدودي المباشر.
أما El Español، فذهب إلى معالجة أكثر حدة في اللغة والتوصيف. فقد ركز على حالة الفوضى داخل المدينة، وعلى شهادات سكان سبتة، وعلى الإحساس بانفلات الوضع في الشوارع والمرافق. في هذه التغطية، تتراجع الخلفيات الاجتماعية للشباب المغاربة لصالح لغة الأمن والخوف والضغط المحلي، وهو ما يجعلها من أكثر المعالجات الإسبانية اقترابا من خطاب الأزمة الداخلية.
وبالنسبة إلى El Faro de Ceuta، وهي الصحيفة الأقرب ميدانيا إلى المدينة، فقد كان التركيز محليا وأمنيا بالدرجة الأولى.
تحدثت الصحيفة عما اسمته “الضغط الهجروي”، وعن وضعية مدينة بلغت حدود طاقتها، وعن انعكاس ما جرى على السكان والخدمات ومراكز الاستقبال. وتكتسب هذه المعالجة أهميتها لأنها تعكس نبض سبتة نفسها، لا زاوية مدريد أو بروكسيل فقط، لكنها في الوقت ذاته تميل إلى قراءة الحدث من زاوية عبء المدينة أكثر من زاوية خلفيات الهجرة.
وتناولت Cadena SER الأزمة من زاوية تدبير ما بعد العبور، مركزة على سؤال العودة، ووضعية القاصرين، والضغط على مراكز الاستقبال، والتنسيق بين السلطات الإسبانية.
هذه المقاربة أقل صخبا من بعض الصحف، لكنها مهمة لأنها تنقل النقاش من لحظة الدخول إلى أسئلة التدبير: من سيبقى؟ من سيعود؟ كيف ستتم معالجة أوضاع القاصرين؟ وما حدود الاتفاقات الثنائية بين المغرب وإسبانيا؟
أما موقع 20 Minutos، فاشتغل بمنطق التحديث السريع، متتبعا الأرقام المتداولة والتصريحات السياسية وحركة العائدين.
ورغم أن هذه المعالجة لا تقدم تحليلا معمقا، فإنها تكشف سرعة تشكل الرأي العام الإسباني حول الأزمة، حيث تتحول الأرقام المتحركة إلى عناوين عاجلة تساهم في صناعة الانطباع العام قبل استقرار المعطيات النهائية.
الصحافة الإسبانية قدمت أزمة سبتة من خلال ثلاث عدسات رئيسية: عدسة الأرقام الضخمة، وعدسة الضغط الأمني على مدينة محدودة القدرة، وعدسة العلاقة المتوترة أو الحساسة مع المغرب.
وفي المقابل، حضرت الزاوية الاجتماعية المرتبطة بالشباب المغربي بشكل أقل قوة، وغالبا كخلفية ثانوية لا كمحور رئيسي في تفسير ما حدث.
وهنا يبرز سؤال الرواية بالنسبة للمغرب. فحين تصبح الصحافة الإسبانية هي التي تحدد الأرقام، وتختار المفردات، وترسم السياق، يجد المغرب نفسه أمام تحد لا يقل أهمية عن التدبير الميداني: كيف يقدم روايته؟ كيف يميز بين المؤكد والمتداول؟ كيف يخاطب الرأي العام المغربي أولا، ثم الإسباني والدولي، دون أن يسقط في التبرير أو الصمت؟
الأزمة لا تحتاج فقط إلى أرقام مقابلة، بل إلى تفسير مغربي متماسك يقر بالبعد الإنساني والاجتماعي لما حدث، ويحمي في الوقت نفسه حساسية الملف المرتبط بمدينة محتلة وبعلاقات دقيقة مع إسبانيا.
فالتعاطف مع الشباب لا يعني تبرير المخاطرة بالحياة، وانتقاد ضعف التواصل الرسمي لا يعني تبني السردية الإسبانية كما هي.
في النهاية، رسمت الصحافة الإسبانية أزمة سبتة بأرقامها ولغتها وزواياها المختلفة،. أما المغرب، فالسؤال المطروح أمامه اليوم ليس فقط كيف يدبر الحدود، بل كيف يدبر المعنى والرواية في زمن تتحول فيه صورة واحدة أو إشاعة واحدة إلى حركة جماعية على الأرض.


