المحيط يقرأ موجة سبتة بعيون ’’السوسيولوجيا’’ و’’الأنثروبولوجيا’’


تتجاوز موجة الهجرة الجماعية الأخيرة نحو سبتة حدود القراءة الأمنية اللحظية، كما تتجاوز سطوة الترند التي يفرضها الإيقاع المتسارع على مواقع التواصل الاجتماعي، منذ أول صورة او فيديو ينتشر.

في الموجة الأخيرة كان قرار المحكمة الإسبانية وصورة الشابة فرح ابنة العرائش، وهي ترفع علامة النصر مع صديقتها محفزا رقميا لصناعة الترند تبعتها صور وفيدوهات أخرى.

كل هذه الصور تطرح أسئلة أعمق حول علاقة جزء من الشباب المغربي بالمستقبل، ومدى ثقته في المؤسسات والمسارات التقليدية للارتقاء الاجتماعي، وفي مقدمتها المدرسة والجامعة وسوق الشغل والمشاركة السياسية.

ولتفكيك أبعاد هذه الظاهرة وما تخفيه وراء مشاهد العبور، استعان «المحيط» بالعلوم الإنسانية، وتحديدا بالأنثروبولوجيا وسوسيولوجيا الهجرة، لفهم التحولات التي طرأت على علاقة الشباب بالمستقبل والوطن، والدوافع التي جعلت المخاطرة بالحياة تبدو لدى بعضهم أقل قسوة من البقاء.

وفي قراءتين خصا بهما «المحيط»، يتفق الباحث الأنثروبولوجي خالد مونا، والباحث في سوسيولوجيا الهجرة والتحضر وعلم الاجتماع الحضري علي الزبيدي، على أن اختزال الظاهرة في الفقر أو في الرغبة في الهجرة لا يساعد على فهمها، لأنها تكشف أساسا عن أزمة أفق ومعنى لدى فئات من الشباب باتت ترى في الرحيل إمكانها الوحيد لبناء المستقبل وتحقيق الذات.

ويرى علي الزبيدي أن توصيف ما يجري باعتباره مجرد «أزمة هجرة» يصف النتيجة ولا يفسر أسبابها، موضحا أن الظاهرة تكشف تحولا عميقا في تمثلات جزء من الشباب المغربي للمستقبل، وفي علاقته بالدولة والانتماء وإمكان تحقيق الذات داخل الوطن.

وبالنسبة إليه، فإن استعداد آلاف الشابات والشباب، وبينهم قاصرون وفتيات، للمخاطرة بحياتهم سباحة نحو سبتة لا يمكن تفسيره بالفقر وحده، لأن الفقر ظل جزءا من الواقع المغربي، لكنه لم يكن كافيا لإنتاج هذا الحجم من الاستعداد الجماعي للمخاطرة.

إقرأ أيضا : سانشيز يبرئ المغرب من موجة سبتة ويعلن تنسيقا حدوديا جديدا

ويضع الزبيدي تآكل الثقة في السياسات العمومية في قلب تفسيره للظاهرة، إلى جانب تراجع الإيمان بأن المدرسة أو الكفاءة أو الموهبة تمثل مسارا فعليا لتحسين الوضع الاجتماعي. ويشير في هذا السياق إلى هجرة الرياضيين بوصفها مثالا على امتداد الرغبة في الرحيل إلى فئات لا ينطبق عليها بالضرورة تفسير الفقر المباشر.

ويقول الباحث في حديث مع المحيط، إن الهجرة تتحول، حين يفقد الشباب الثقة في المستقبل، من مشروع اقتصادي إلى «مشروع وجودي»، لا يكون الهدف منه فقط الحصول على دخل أفضل، بل البحث عن الاعتراف والكرامة وإمكان إعادة بناء المسار الشخصي.

ويضيف أن أخطر ما تكشفه أحداث سبتة ليس عدد العابرين أو حجم التدفقات، بل اتساع الهوة بين تطلعات جيل كامل والقدرة المؤسسية على إنتاج أفق اجتماعي مقنع، مؤكدا أن المجتمع لا يدخل مرحلة الأزمة عندما يهاجر بعض شبابه، بل «عندما يصبح الرحيل هو الأفق الوحيد الذي يمنحهم الإحساس بإمكان المستقبل.

من جانبه، يعتبر الباحث في الأنثروبولوجيا، خالد مونا أن اختزال ما يجري في سبتة في «أزمة هجرة» يشكل جزءا من المشكلة، لأن النقاش العام ينتقل مع كل موجة جماعية إلى كيفية ضبط الحدود أو تفسير الحدث سياسيا، فيما يجري تجاهل السؤال الأساسي المتعلق بالأسباب التي تجعل عددا متزايدا من الشباب يعتقد أن مستقبله يوجد خارج الوطن.

ويوضح مونا للمحيط، أن الهجرة في هذه الحالة ليست مجرد حركة سكانية، بل مؤشر على تحولات عميقة في علاقة الشباب بالمستقبل والمؤسسات وفكرة الانتماء.

ويضيف أن جزءا من هذا الجيل لا يغادر فقط بحثا عن فرصة عمل، بل لأنه فقد الثقة في الحاضر وفي إمكان بناء مستقبل أفضل.

وينتقد الباحث غياب سياسة عمومية تفتح نقاشا جديا حول الهجرة، لافتا إلى أن الأحزاب والفاعلين المؤسساتيين يتفاعلون بكثافة مع عدد من القضايا السياسية والخطابات الرسمية، لكنهم يغيبون حين يتعلق الأمر بقضية تمس مستقبل جيل كامل.

ويعتبر أن هذا الغياب يوحي بأن الظاهرة لا تحظى بالمكانة التي تستحقها داخل النقاش السياسي، رغم أن صور الشباب وهم يخاطرون بحياتهم للوصول إلى سبتة تحمل رسالة اجتماعية لا يمكن اختزالها في عبور غير نظامي للحدود.

ويشدد مونا بدوره على أن تفسير الظاهرة بالفقر وحده سيكون خطأ، لأن الهجرة لو كانت مرتبطة حصرا بالحاجة المادية لاقتصرت على الفئات الأكثر هشاشة، بينما يكشف الواقع عن تركيبة اجتماعية ودوافع أكثر تعقيدا.

إقرأ أيضا : لصحافة الإسبانية ترسم أزمة سبتة بالأرقام والمغرب يواجه سؤال الرواية

ويحدد جوهر المشكلة في «أزمة الأفق الاجتماعي»، إذ لم يعد جزء من الشباب يرى في المدرسة أو الجامعة أو سوق الشغل أو المشاركة السياسية وسائل حقيقية لبناء المستقبل.

ويقول في هذا السياق ’’إن الشخص الذي يخاطر بحياته سباحة لا يجري حسابا اقتصاديا فقط، بل يعبر عن قناعة عميقة بأن البقاء أصبح أكثر قسوة من المغادرة.’’

ومن هذا المنطلق، يدعو مونا إلى قراءة الرسالة اجتماعيا قبل التعامل معها أمنيا، لأن تشديد المراقبة يمكن أن يحد من العبور في لحظة معينة، لكنه لا يجيب عن الأسباب التي تدفع الشباب إلى اعتبار المخاطرة بالحياة خيارا ممكنا.

وبخصوص دور وسائل التواصل الاجتماعي، يرى الباحثان أنها لا تخلق الرغبة في الهجرة من العدم، لكنها تعيد تشكيل المخيال الجماعي وتمنحها صورا ورموزا جديدة.

ويشرح الزبير أن المنصات الرقمية تعيد تعريف النجاح والاعتراف الاجتماعي من خلال عرض حياة تبدو أكثر حرية ورفاهية خارج الوطن، في مقابل شعور متزايد بانسداد الأفق داخله.

أما مونا، فيحذر من تحميل المنصات الرقمية المسؤولية وحدها، معتبرا أنها تنجح في التأثير لأنها تملأ فراغا تركه الخطابان السياسي والثقافي.

فعندما يعجز الفاعل السياسي عن إنتاج أفق جماعي، ويغيب خطاب قادر على إقناع الشباب بأن المستقبل يمكن بناؤه داخل الوطن، يصبح المخيال الرقمي أقوى من الخطاب الرسمي.

وتقود القراءتان إلى خلاصة مشتركة مفادها أن معالجة موجات الهجرة لا يمكن أن تقتصر على مراقبة الحدود وردود الفعل الظرفية، بل تتطلب استعادة ثقة الشباب في المؤسسات، وإعادة الاعتبار لمسارات التعليم والعمل والكفاءة والمشاركة، وإنتاج أفق اجتماعي يجعل البقاء اختيارا للمستقبل، لا حكما بانسداده.

مساحة إعلانية متاحةspot_imgspot_img