تحليل إخباري: برقية ترامب ترسم ملامح مرحلة جديدة في العلاقات المغربية الأمريكية

لم تكن برقية التهنئة التي بعث بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الملك محمد السادس بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش مجرد رسالة بروتوكولية. فقد حملت رسائل سياسية واستراتيجية عكست ملامح مرحلة جديدة في العلاقات المغربية الأمريكية.

فمن تجديد الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء، والتأكيد على أن مبادرة الحكم الذاتي هي الاساس الوحيد لتسوية النزاع، إلى توسيع التعاون في الطاقة والذكاء الاصطناعي والمعادن النادرة والدفاع، وصولا إلى الحديث عن شراكة تمتد خلال الـ250 سنة المقبلة، بدت البرقية أقرب إلى خارطة طريق للعلاقات الثنائية.

ويرى المحلل السياسي المتخصص في العلاقات الدولية الموساوي العجلاوي، في تصريح لـ”المحيط”، أن برقيات التهنئة بين قادة الدول تكون في الغالب ذات طابع بروتوكولي، غير أن بعضها يحمل دلالات سياسية ترتبط بالسياقات الدولية، وهو ما ينطبق على برقية الرئيس الأمريكي.

ويشير العجلاوي إلى أن البرقية جاءت بعد أسبوعين شهدا اهتماما خاصا من الإدارة الأمريكية بالشأن المغربي، معتبرا أن تتابع هذه المؤشرات يعكس اهتماما أمريكيا متزايدا بملفات المغرب خلال المرحلة الحالية.

ويؤكد أن الرسالة تجاوزت لغة المجاملة الدبلوماسية، من خلال تجديد الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء، والتشديد على أن مبادرة الحكم الذاتي تمثل القاعدة الوحيدة لتسوية النزاع.

ويضيف المتخصص في العلاقات الدولية أن لغة البرقية حملت أيضا قدرا من الاستعجال، بعدما أكدت أن استمرار الوضع القائم لم يعد مقبولا، ودعت إلى إنهاء النزاع والدفع نحو تسوية في إطار الحكم الذاتي.

ويلفت العجلاوي إلى أن البرقية استحضرت العمق التاريخي للعلاقات المغربية الأمريكية، بالإشارة إلى مرور 250 عاما على الصداقة بين البلدين، في تذكير بالدور التاريخي للمغرب كأول دولة اعترفت باستقلال الولايات المتحدة.

ويعتبر أن حديث ترامب عن العمل المشترك خلال الـ250 سنة المقبلة، وفي مجالات تشمل التكنولوجيا والطاقة والدفاع والمعادن النادرة، يعكس توجها نحو الارتقاء بالشراكة الثنائية إلى مستوى استراتيجي غير مسبوق.

من جانبه، يرى المحلل السياسي رشيد لزرق، في تصريح لـ”المحيط”، أن برقية الرئيس الأمريكي تعكس انتقالا نوعيا في طبيعة الدعم الأمريكي للموقف المغربي، بعدما تجاوزت مجرد تثبيت الاعتراف بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية.

ويؤكد لزرق أن الرسالة تبنت مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الاطار الوحيد الجاد وذي المصداقية والواقعي لتسوية النزاع، وهو ما يعكس تضييقا لهامش البدائل المطروحة.

ويعتبر أن التأكيد على أن استمرار الوضع القائم لم يعد خيارا مقبولا يمنح زخما إضافيا للمقاربة المغربية، ويدفع نحو مسار تفاوضي عملي يفضي إلى تسوية تحافظ على سيادة المغرب ووحدته الترابية.

ويضيف أن البرقية لا تقتصر على الجانب السياسي، بل تؤسس أيضا لمرحلة جديدة من الشراكة المغربية الأمريكية، بعدما جعلت الأقاليم الجنوبية جزءا من مجالات التعاون الاقتصادي والأمني والتكنولوجي.

ويشير لزرق إلى أن ربط هذه الشراكة بقطاعات الطاقة والذكاء الاصطناعي والمعادن الاستراتيجية والدفاع يمنح الاعتراف الأمريكي بعدا تنفيذيا، وينقله من مستوى الموقف الدبلوماسي إلى مستوى الالتزام العملي طويل الأمد.

ويخلص لزرق إلى أن هذه الرسائل تعزز مكانة المغرب باعتباره فاعلا محوريا في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل، وشريكا موثوقا للولايات المتحدة في ملفات الأمن والتنمية والاستثمار.

وتتقاطع قراءتا الخبيرين عند أن برقية ترامب لا تمثل مجرد تجديد للموقف الأمريكي من قضية الصحراء، بل تؤشر إلى انتقال العلاقات المغربية الأمريكية من مرحلة تثبيت المواقف السياسية إلى مرحلة شراكة استراتيجية أوسع، تمتد إلى الأمن والاقتصاد والتكنولوجيا والدفاع، وتفتح آفاق تعاون طويلة المدى بين البلدين.

مساحة إعلانية متاحةspot_imgspot_img