منذ الساعات الأولى لانطلاق عملية «الغضب الملحمي» ضد إيران في 28 فبراير 2026، بدا أن الولايات المتحدة وإسرائيل لا تنفذان ضربة محدودة، بل تحاولان تفكيك بنية القوة الإيرانية وإعادة تشكيل ميزان السلطة في طهران.
أسفر اليوم الأول عن مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي وعدد من كبار مساعديه، بالتزامن مع استهداف مراكز القيادة ومنظومات الدفاع الجوي والقواعد الصاروخية ومنشآت تصنيع المسيرات ومقار الحرس الثوري والأجهزة الأمنية.
وردت إيران، مدعومة بحلفائها في العراق ولبنان، بسلسلة من الهجمات طالت إسرائيل وقواعد ومصالح أمريكية في المنطقة، إلى جانب منشآت لإنتاج النفط والغاز في دول الخليج، لتنقل المواجهة من داخل الأراضي الإيرانية إلى المجال الإقليمي الأوسع.
ورغم أن واشنطن أعلنت أن العملية تستهدف تدمير القدرات الصاروخية والبحرية والصناعة الدفاعية الإيرانية ومنع طهران من امتلاك سلاح نووي، ألمح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منذ البداية إلى هدف أكبر يتعلق بتغيير النظام، من دون تقديم تصور واضح لشكل السلطة البديلة أو كيفية الوصول إليها.
لكن بعد أكثر من خمسة أشهر من القصف والاغتيالات والحصار، بقي السؤال من دون جواب: لماذا لم تستطع الولايات المتحدة تحويل تفوقها العسكري إلى حسم سياسي داخل إيران؟
تفوق عسكري بلا نهاية سياسية
بحسب القيادة المركزية الأمريكية، ضربت القوات الأمريكية نحو ستة آلاف هدف خلال الأيام الثلاثة عشر الأولى من العملية. وبحلول 23 مارس، كانت الطائرات الأمريكية قد نفذت أكثر من عشرة آلاف طلعة قتالية واستهدفت أكثر من عشرة آلاف موقع داخل إيران.
وشملت الحملة جميع أنواع المقاتلات والقاذفات وطائرات التزود بالوقود والحرب الإلكترونية والاستطلاع العاملة لدى الولايات المتحدة. وتشير تقديرات متخصصة إلى مشاركة قرابة 300 مقاتلة وما لا يقل عن 20 قاذفة، في واحدة من أكثف الحملات الجوية الأمريكية منذ غزو العراق سنة 2003.
إلا أن الأرقام التي تعكس اتساع القوة النارية تكشف أيضا حجم الموارد التي احتاجتها واشنطن لإضعاف إيران من دون إخراجها من الحرب.
وقال الخبير الاستراتيجي عبد الرحمان مكاوي، في تصريحات للمحيط، إن الولايات المتحدة «قادرة على الضرب، لكنها لا تستطيع تحقيق انتصار نظيف»، بسبب استنزاف الذخائر، وانكشاف قواعدها العسكرية، وارتفاع الكلفة، وخطر انتقال المواجهة إلى حرب إقليمية مفتوحة.
فالقوة الجوية استطاعت اختراق المجال الإيراني وتدمير منشآت عسكرية وإسقاط قيادات بارزة، لكنها لم تؤمن مضيق هرمز، ولم تمنع إيران من الرد، ولم تنتج حتى الآن سلطة مستعدة لقبول الشروط الأمريكية.
وهنا يظهر الفارق بين النجاح العملياتي والانتصار الاستراتيجي. الأول يقاس بعدد الأهداف المدمرة، أما الثاني فيقاس بقدرة القوة المستخدمة على فرض النتيجة السياسية المطلوبة.
القواعد الأمريكية تتحول إلى أهداف
اعتمد الوجود العسكري الأمريكي في الخليج، طوال عقود، على قواعد كبيرة ومجهزة تسمح بتحريك الطائرات والجنود ومنظومات الدفاع بسرعة. لكن الحرب أظهرت أن هذه القواعد، التي تشكل أساس القوة الأمريكية في المنطقة، يمكن أن تتحول إلى أهداف ثابتة أمام الصواريخ الدقيقة والمسيرات الإيرانية.
واستهدفت إيران قواعد ومنشآت تستخدمها القوات الأمريكية في قطر والكويت والإمارات والبحرين والأردن والعراق والسعودية. وفرض ذلك على واشنطن توزيع دفاعاتها بين حماية الجنود والطائرات ومراكز القيادة والمنشآت النفطية والموانئ التابعة لحلفائها.
ويرى مكاوي أن إيران لا تحتاج إلى تدمير القواعد الأمريكية بالكامل حتى تحقق أثرا استراتيجيا. يكفي أن تهددها باستمرار وتجبر واشنطن على استهلاك صواريخ اعتراضية باهظة الثمن لمواجهة صواريخ ومسيرات أقل كلفة.
وهذا وفق تعبيره هو جوهر الردع الإيراني غير المتماثل: عدم مجاراة الولايات المتحدة في حجم القوة، بل رفع كلفة استخدامها وإجبارها على القتال في مساحة تمتد من إيران إلى الخليج والعراق ولبنان والبحر الأحمر.
الحرب تستهلك مخازن واشنطن
أوضح الخبير ذاته، القوات الأمريكية استخدمت أكثر من ألف صاروخ توماهوك خلال الحرب، إلى جانب أعداد كبيرة من صواريخ باتريوت وثااد والذخائر الجوية بعيدة المدى.
وتشير أحدث التقديرات التي نشرها مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى أن الحرب استهلكت قرابة 65 في المائة من مخزون الولايات المتحدة السابق للحرب من صواريخ باتريوت، بينما انخفض مخزون ثاد بنحو 38 في المائة. وهي تقديرات مستقلة لم يؤكدها البنتاغون رسميا.
وقال مكاوي إن معادلة الكلفة تعمل جزئيا لمصلحة إيران، لأن اعتراض صاروخ أو مسيرة إيرانية قد يحتاج، وفق طبيعة الهجوم واحتمالات الإصابة، إلى إطلاق أكثر من صاروخ اعتراضي أمريكي تبلغ قيمة الواحد منها ملايين الدولارات.
ولا تتوقف المشكلة عند ثمن الصاروخ، بل تشمل زمن تعويضه. فمتوسط مشتريات توماهوك الأمريكية خلال العقد الماضي لم يتجاوز 86 صاروخا سنويا، بينما بقي الإنتاج الفعلي السنوي أقل من 200 صاروخ.
وبحسب مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، تحتاج واشنطن إلى ثلاث سنوات أو أكثر لتعويض صواريخ باتريوت و THAAD وتوماهوك المستهلكة، وقد لا يستعيد مخزون توماهوك مستواه السابق للحرب قبل نهاية 2030.
ويخلق ذلك ما وصفه مكاوي بـ«نافذة ضعف» أمام الصين، لأن عددا من الأسلحة المستهلكة في الشرق الأوسط يدخل أيضا في خطط الولايات المتحدة لمواجهة أي أزمة كبرى في المحيط الهادئ.
حرب تتجاوز كلفتها التقديرات
بدأت «الغضب الملحمي» كعملية تتحدث واشنطن عن أهداف عسكرية محددة، لكنها تحولت إلى حرب تستنزف الميزانية والذخائر والجاهزية.
وفي يوليو، أعلن وزير الدفاع الأمريكي أن الكلفة بلغت 37.5 مليار دولار، تشمل بعض النفقات المتوقعة حتى نهاية السنة المالية في 30 سبتمبر. كما طلبت الإدارة من الكونغرس قرابة 90 مليار دولار إضافية، يرتبط معظمها بالنزاع مع إيران.
وارتفعت الخسائر الأمريكية، وفق الحصيلة المنشورة في 21 يوليو، إلى 18 قتيلا ونحو 430 جريحا، فيما أقر رئيس هيئة الأركان المشتركة بأن ضغط النفقات قد يؤثر في صيانة المعدات والاستثمار في القدرات المستقبلية.
أما في الداخل الأمريكي، فقد تحولت الحرب إلى قضية سياسية مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي وارتفاع كلفة الطاقة والمعيشة، ما ضيق هامش إدارة ترامب في توسيع العمليات أو الانخراط في حرب برية طويلة.
ترامب بين التهديد والاحتواء
يرى يحيى لبيب المغربي، مدرس الدراسات الإيرانية بجامعة القاهرة وباحث في وحدة الدراسات الإيرانية بمركز الدراسات الاستراتيجية، أن ترامب يوظف التهديد العسكري ضمن سياسة للضغط النفسي على طهران.
وقال المغربي، في تصريحات للمحيط، إن الرئيس الأمريكي يكرر التهديد بتدمير القدرات الإيرانية، ثم يتراجع أو يعلق الهجوم، بما يبقي طهران في حالة استنفار دائم ويضعها في منطقة بين الحرب والسلام.
وبحسب المغربي، أظهرت الضربات أن واشنطن لا تبحث دائما عن هجوم شامل، بل عن إبقاء إيران تحت ضغط عسكري واقتصادي ونفسي متواصل، بالتوازي مع حصار الموانئ وخنق مصادر التمويل.
غير أن الحرب أنتجت نتيجة معاكسة جزئيا. فبعدما كانت الحاضنة الاجتماعية للسلطة تتآكل تحت ضغط الفقر وغلاء المعيشة والاحتجاجات، ساهم الهجوم الخارجي في إعادة قدر من الشرعية إلى النظام وخلق التفاف مؤقت حول الدولة.
وهذا الالتفاف لا يعني اختفاء الانقسام الداخلي. فقد واجه الرئيس مسعود بزشكيان حملة من خصومه المتشددين، واضطر إلى نفي تقارير تحدثت عن تهديده بالاستقالة، وسط خلافات حول التفاوض ومستقبل مضيق هرمز والعلاقة مع واشنطن.
كما ظهرت الانقسامات داخل المجتمع عقب مقتل المداح حميد رضا رجب زاده، المحسوب على النظام. وبينما وصفه مؤيدو السلطة بـ«الشهيد»، احتفى معارضون بمقتله واتهموه بالمشاركة في قمع الاحتجاجات، وفق تقرير لـ«إيران إنترناشيونال» نقل أصل الواقعة عن وكالة تسنيم.
ويرى يحيى المغربي أن هذه التفاعلات تكشف أن الحرب لم توحد الإيرانيين بصورة نهائية، لكنها منحت النظام فرصة لإعادة تقديم نفسه باعتباره حاميا للدولة أمام هجوم خارجي.
لماذا لم تسقط القيادة بسقوط رأسها؟
تقدم الحرب الإيرانية اختبارا مباشرا لثلاث نظريات أثرت في التفكير العسكري الغربي: نظرية السيطرة الجوية لجيليو دوهيه، واستراتيجية الاقتراب غير المباشر لبازل ليدل هارت، ونظرية «العدو كنظام» أو الحلقات الخمس لجون واردن.
وتفترض هذه المدارس، باختلافها، أن السيطرة الجوية وضرب مراكز الثقل والقيادة والبنية الحيوية وإنهاك الخصم اقتصاديا ونفسيا يمكن أن تدفع الدولة إلى تغيير سلوكها من دون احتلال أراضيها.
وقال الباحث في العلاقات الدولية محمد محسن أبو النور، في تصريح للمحيط، إن الحرب تمثل اختبارا عمليا لهذه النظريات، لأن الولايات المتحدة جمعت بين التفوق الجوي، وقطع القيادة، والعقوبات، والحصار، والحرب السيبرانية والعمليات الاستخباراتية.
لكن التجربة الإيرانية كشفت حدود استراتيجية «قطع الرأس». فمقتل المرشد السابق وعدد من كبار القادة لم يؤد إلى انهيار السلطة أو توقف مؤسسات الدولة.
وأوضح أبو النور أن النظام الإيراني لا يقوم على شخص واحد، بل على شبكة مترابطة تضم بيت القيادة والحرس الثوري والباسيج والأجهزة الأمنية والمؤسسات الدينية والقضائية والإدارية. ولذلك تستطيع السلطة تعويض بعض القيادات ما دامت بنيتها التنظيمية متماسكة.
ويؤكد تعيين محسن رضائي، القائد السابق للحرس الثوري، أمينا للمجلس الأعلى للأمن القومي وممثلا للمرشد مجتبى خامنئي داخل المجلس، في 10 غشت، استمرار عملية إعادة بناء القيادة الأمنية بعد مقتل علي لاريجاني وتغيير محمد باقر ذو القدر.
إنها ليست مجرد حركة تعيينات. إنها دليل على قدرة النظام على ملء الفراغات وإعادة توزيع السلطة داخل النواة الأمنية، حتى لو أصبحت القيادة أقل تماسكا وأكثر اعتمادا على الحرس الثوري.
هرمز يمنع اكتمال النصر الأمريكي
رغم استهداف البحرية الإيرانية ومنصات الصواريخ ومستودعات الألغام، بقي مضيق هرمز أهم ورقة ضغط في يد طهران.
فإيران لا تحتاج إلى السيطرة التقليدية على الممر. يكفي الإبقاء على خطر الصواريخ الساحلية والمسيرات والزوارق السريعة والألغام لدفع الناقلات إلى التردد، ورفع كلفة التأمين، وإرباك أسواق النفط والغاز.
وفي أحدث تطورات الأزمة، أعلنت طهران أن الاتفاق مع سلطنة عمان بشأن مسارات جديدة للملاحة بات قريبا، لكنها أكدت أنه لن يؤدي وحده إلى إعادة فتح المضيق.
وتطالب إيران بتعويضها عن أضرار الحرب، ورفع العقوبات والحصار، والإفراج عن أصولها المجمدة، ووقف الهجمات والتهديدات الأمريكية. كما تنفي وجود مفاوضات مباشرة، مؤكدة أن الرسائل تمر عبر الوسطاء.
وقال المغربي إن واشنطن تتجنب هجوما واسعا جديدا خشية انهيار مفاوضات عمان، وعودة إيران إلى إغلاق المضيق بالكامل، واتساع التصعيد في البحر الأحمر عبر الحوثيين.
وقد أظهر الهجوم الأخير على منشأة أرامكو في جازان أن الضغط الإيراني لا يتوقف عند هرمز، بل يمكن أن يمتد إلى طريق البحر الأحمر، ما يضع مسارين حيويين لتجارة الطاقة والبضائع تحت التهديد في الوقت نفسه.
لا انتصار إيرانيا ولا حسم أمريكيا
لم تمنع إيران الحرب، وخسرت جزءا كبيرا من قياداتها وقدراتها الصاروخية والبحرية والصناعية. لذلك لا يمكن وصف بقائها حتى الآن بأنه انتصار عسكري.
وفي المقابل، لم تستطع الولايات المتحدة فرض استسلام إيران أو إعادة فتح مضيق هرمز بالقوة أو تحويل الاغتيالات إلى انهيار سياسي. ولهذا لا يمكن وصف التفوق الأمريكي بأنه نصر استراتيجي مكتمل.
ويخلص أبو النور إلى أن مستقبل النظام لن يتحدد بعدد الصواريخ والطائرات المستخدمة، بل بقدرته على الحفاظ على تماسك مؤسساته وولاء أجهزته الأمنية واحتواء الضغوط الاقتصادية والاجتماعية.
أما عبد الرحمان مكاوي، فيرى أن الردع الإيراني غير المتماثل لم يمنع واشنطن من الهجوم، لكنه رفع ثمن الحرب وبدد إمكانية تحقيق انتصار سريع ومنخفض الكلفة.
ويضع يحيى المغربي العامل الداخلي في قلب المعادلة، معتبرا أن النظام الإيراني لن يسقط بالقصف وحده، وأن تحوله أو انهياره، إن حدث، سيأتي من تفاعل الضغط الخارجي مع الانقسامات الاجتماعية والصراع داخل مؤسسات الحكم.
لقد أثبتت الولايات المتحدة أنها تستطيع ضرب إيران من الجو والبحر والفضاء والمجال السيبراني. لكن الحرب أثبتت أيضا أن تدمير القوة ليس هو نفسه امتلاك اليوم التالي.
وبينما تتحرك الوساطات لإعادة فتح هرمز، لم يعد السؤال ما إذا كانت واشنطن قادرة على مواصلة القصف، بل ما إذا كان استمرار القصف سيقربها من هدف سياسي، أم سيستنزفها في حرب طويلة تمنح إيران، رغم خسائرها، قدرة أكبر على إعادة تشكيل قواعد الصراع في الخليج والشرق الأوسط.


