دخلت منطقة الساحل سنة 2026 على وقع استمرار التدهور الأمني والإنساني، مع تسجيل آلاف القتلى ومئات الحوادث المسلحة خلال الأشهر الأولى من العام، في وقت ما تزال فيه مالي وبوركينا فاسو والنيجر تواجه ضغوطا متزايدة من الجماعات المسلحة واتساع رقعة النزوح.
وبحسب معطيات رصدتها «المحيط» من تقارير أممية وإقليمية حديثة، شهد الساحل الأوسط خلال الربع الأول من 2026 نحو 1179 حادثا أمنيا خلفت قرابة 2460 قتيلا، فيما يقدر عدد النازحين داخليا في دول المنطقة بنحو 2.8 مليون شخص.
وتبقى بوركينا فاسو الأكثر تأثرا بأزمة النزوح، إذ تضم وحدها أكثر من مليوني نازح داخلي، بينما تستمر النيجر ومالي في استقبال موجات جديدة من السكان الفارين من مناطق تشهد نشاطا مسلحا وهجمات متكررة على القرى والمواقع العسكرية ومحاور النقل.
ولا تقف تداعيات الأزمة عند حدود الأمن، إذ تتقاطع مع تدهور الأوضاع الإنسانية وارتفاع الاحتياجات الغذائية، خصوصا في المناطق الريفية والحدودية التي يصعب الوصول إليها، حيث تتراجع الخدمات الأساسية ويتزايد الضغط على المجتمعات المستقبلة للنازحين.
وتواصل جماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بتنظيم القاعدة، إلى جانب تنظيم الدولة الإسلامية في الساحل، توسيع نطاق تحركاتهما في عدد من المناطق، مع تسجيل هجمات منسقة استهدفت قوات عسكرية ومواقع حكومية ومسالك استراتيجية تربط بين المدن والمناطق الحدودية.
وتظهر النيجر مؤشرات تصعيد لافتة، مع توسع النشاط المسلح في مناطق تيلابيري وتاهوا ودوسو، بينما ما تزال بوركينا فاسو تواجه ضغطا أمنيا كبيرا في الشمال والشرق والوسط.
أما مالي فتستمر فيها المواجهات بين القوات الحكومية وحلفائها من جهة والجماعات المسلحة من جهة أخرى، في ظل صعوبة فرض السيطرة على مناطق واسعة خارج المراكز الحضرية.
ويتزامن هذا الوضع مع إعادة تشكيل الخريطة السياسية والأمنية في الساحل، بعد خروج مالي وبوركينا فاسو والنيجر من المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا وتعزيز تعاونها داخل تحالف دول الساحل، بالتوازي مع تنويع شراكاتها العسكرية والدبلوماسية الخارجية.
ورغم هذا التحول في التحالفات، لا تشير المعطيات الميدانية حتى الآن إلى تراجع واضح في وتيرة العنف أو الضغط الإنساني، ما يطرح تساؤلات حول قدرة الترتيبات الأمنية الجديدة على تحقيق نتائج ملموسة على الأرض.
كما يتزايد القلق من انتقال جزء من النشاط المسلح جنوبا نحو دول غرب إفريقيا الساحلية، في ظل محاولات الجماعات المسلحة توسيع شبكاتها ومسارات تحركها خارج المجال التقليدي للساحل.
وتكشف حصيلة الأشهر الأولى من 2026 أن الأزمة في المنطقة لم تعد مجرد مواجهة أمنية مع جماعات مسلحة، بل تحولت إلى أزمة مركبة تجمع بين النزاع والنزوح وانعدام الأمن الغذائي وضعف الخدمات وتراجع قدرة الدول على بسط نفوذها في بعض المناطق.
ويضع هذا الوضع منطقة الساحل أمام اختبار طويل الأمد، في وقت تتغير فيه التحالفات السياسية والعسكرية أسرع من تغير المؤشرات الأمنية على الأرض.


