يدخل المغرب مرحلة جديدة في علاقته بالذكاء الاصطناعي.
لم يعد الأمر يتعلق بإعجاب عابر بتطبيقات ذكية، أو بدورات تكوينية متفرقة، أو باستعمال محدود داخل بعض المقاولات والإدارات، بل بانتقال تدريجي نحو حضور أوسع للخوارزميات في التعليم، والإدارة، والإعلام، والتجارة، والخدمات.
وبحسب فينانشال تايمز، تعرف الولايات المتحدة موجة رد فعل متصاعدة ضد عمالقة التكنولوجيا، مع مبادرات تشريعية على مستوى الولايات تهم سلامة الأطفال، والخصوصية، والتزييف العميق، والتحيز الخوارزمي.
وتشير الصحيفة إلى أن البيئة التي سمحت لشركات التكنولوجيا الكبرى بالنمو بأقل قدر من الضبط بدأت تتغير، بعد سنوات من ترك السوق يسبق القانون.
هذا النقاش الأمريكي يهم المغرب، لا لأن السياقين متشابهان، بل لأن الدرس واضح: الدول التي تنتظر حتى تكبر السوق وتتراكم الأضرار تجد نفسها لاحقا أمام ضبط صعب ومكلف.
أما الدول التي ما تزال في بداية تشكل السوق، فتملك فرصة وضع القواعد قبل أن تصبح الخوارزميات أمرا واقعا يصعب التراجع عنه.
ليست المسألة خوفا من التكنولوجيا. فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد الإدارة على تقليص الآجال، ويدعم المقاولات، ويحسن خدمات الصحة والتعليم، ويفتح للشباب فرصا جديدة.
لكن كل هذه الوعود تحتاج إلى عنصر لا يظهر في العروض التقنية: الثقة.
من دون ثقة، تصبح التكنولوجيا موضع شك. ومن دون قواعد، يصعب على المواطن أن يعرف أين تذهب بياناته، ومن يعالجها، ولماذا تقترح عليه منصة محتوى معينا، أو ترفض له خدمة، أو توجهه نحو اختيار تجاري أو إداري بعينه.
هنا لا يكفي الحديث عن الرقمنة بمعنى نقل الخدمة من الشباك إلى الشاشة. فالذكاء الاصطناعي مرحلة أعمق. إنه لا يخزن المعطيات فقط، بل يقترح، ويرتب، ويصنف، ويتوقع، وقد يقرر. لذلك يصبح السؤال القانوني والأخلاقي جزءا من البنية التحتية نفسها.
وتشير الوثائق الرسمية المرتبطة باستراتيجية “المغرب الرقمي 2030” إلى أن التحول الرقمي يندرج ضمن رهانات السيادة الوطنية، والتنافسية، والإدماج الاجتماعي، كما تؤكد أهمية الثقة الرقمية، وحماية المعطيات الشخصية، وتعزيز الأمن الرقمي.
غير أن الإشارة إلى هذه المبادئ لا تكفي وحدها. فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى ترجمتها في أسئلة عملية: ما الأنظمة التي تعتبر عالية المخاطر؟ ما حدود استعمال الذكاء الاصطناعي في الإدارة؟ كيف نميز بين أداة بسيطة تساعد على تحسين خدمة، ونظام قد يؤثر في حق المواطن أو فرصته أو ولوجه إلى معلومة أو دعم؟
الطفل يجب أن يكون في قلب هذا النقاش. ليس لأن الأطفال وحدهم معرضون للخطر، بل لأنهم يدخلون التكنولوجيا من موقع هش: فضول كبير، قدرة محدودة على التمييز، واحتكاك يومي بمنصات تعرف كيف تجذب الانتباه وتوجه الاختيارات.
إذا كان المغرب يشجع التكوين الرقمي ويدفع الأجيال الجديدة نحو تعلم أدوات الذكاء الاصطناعي، فمن الطبيعي أن يوازي ذلك إطار لحمايتهم من الإدمان الرقمي، والتوجيه الخوارزمي، والتزييف العميق، والاستغلال التجاري للمعطيات الشخصية.
أما المحور الثاني، فهو البيانات. فالذكاء الاصطناعي لا يعيش من الخوارزميات وحدها، بل من المعطيات. وكلما توسع استعماله، اتسعت الحاجة إلى معرفة من يملك البيانات، وأين تخزن، وكيف تعالج، وهل يمكن استعمالها لاحقا في أغراض لم يوافق عليها المواطن.
السيادة الرقمية، بهذا المعنى، ليست شعارا تقنيا. ليست فقط مراكز بيانات أو منصات محلية أو شراكات مع شركات عالمية. إنها قدرة الدولة والمجتمع على معرفة ما يقع داخل الآلة: كيف تعمل؟ ماذا تجمع؟ ماذا تستنتج؟ ومن يحاسبها عندما تخطئ؟
في المغرب، يمكن فتح النقاش مبكرا حول إطار وطني للذكاء الاصطناعي المسؤول، يميز بين الاستخدامات العادية والاستخدامات الحساسة.
فخوارزمية تساعد مقاولة صغيرة على كتابة إعلان لا تشبه خوارزمية تؤثر في قرار إداري، أو في تقييم خطر، أو في توجيه قاصر، أو في إنتاج محتوى انتخابي مزيف.
كما أن التزييف العميق يفرض يقظة خاصة. ففي مجتمع يتوسع فيه استعمال الفيديو والصوت والصورة في السياسة والإعلام والحملات الانتخابية، يمكن لتقنيات التوليد الاصطناعي أن تخلق أزمات ثقة خطيرة. لذلك لا ينبغي انتظار أول فضيحة كبرى كي نطرح سؤال الوسم، والتحقق، والمسؤولية.
ولا يمكن فصل الذكاء الاصطناعي عن سؤال العدالة الرقمية. فكلما توسعت الخدمات الذكية، زادت الحاجة إلى ضمان ألا يستفيد منها فقط من يملك اللغة، والاتصال الجيد، والأجهزة الحديثة، والقدرة على الدفع. وإلا فإن التكنولوجيا التي يفترض أن تقلص الفوارق قد تتحول إلى أداة جديدة لتعميقها.
وتظهر أهمية اللغة أيضا. فالذكاء الاصطناعي الذي لا يفهم العربية المغربية والأمازيغية والحاجات المحلية لن يكون ذكاء اصطناعيا مغربيا بالمعنى الكامل، حتى لو استعمل داخل المغرب. فالسيادة الرقمية تبدأ أحيانا من التفاصيل: اللغة، والسياق، والمعطيات المحلية.
في الإدارة، يجب أن يدخل الذكاء الاصطناعي بشفافية مضاعفة. المواطن لا يتعامل هنا مع منصة تجارية فقط، بل مع حق إداري أو اجتماعي أو اقتصادي. لذلك لا بد من معرفة متى تستعمل الإدارة خوارزمية، وما حدود دورها، ومن يراجع قرارها، وكيف يمكن الاعتراض عندما يشعر المواطن بالضرر.
هذه النقطة أساسية حتى لا تتحول الرقمنة إلى جدار جديد بدل أن تكون جسرا. فالشباك الإداري التقليدي كان قابلا للسؤال والاحتجاج والمراجعة. أما القرار الخوارزمي غير المفهوم، فقد يصبح أكثر صعوبة على المواطن، لأنه يختبئ خلف شاشة أو نموذج أو نتيجة آلية.
أما في الإعلام والانتخابات، فالسؤال يصبح أكثر حساسية. فالتزييف العميق، والصور المركبة، والأصوات الاصطناعية، والحملات الموجهة بالخوارزميات، يمكن أن تغير طبيعة النقاش العمومي. وكلما اقتربت المواعيد الانتخابية، زادت الحاجة إلى قواعد واضحة حول الوسم، والتحقق، والمسؤولية.
لا يعني ذلك بناء رقابة شاملة على الفضاء الرقمي، ولا فتح الباب أمام تقييد حرية التعبير باسم محاربة الذكاء الاصطناعي. بل يعني وضع قواعد دقيقة ضد التلاعب، مع حماية الحق في النقد والسخرية والإبداع.
ومن زاوية أوسع، يملك المغرب فرصة لصياغة نموذج متوازن: ضبط مرن، سيادة على البيانات، حماية للمواطن، وتشجيع للابتكار. هذا الطريق يحتاج إلى مؤسسات يقظة، لا إلى شعارات، وإلى تنسيق بين حماية المعطيات الشخصية، والأمن السيبراني، ووزارة الانتقال الرقمي، والجامعات، والقطاع الخاص، والصحافة، والمجتمع المدني.
الصحافة بدورها معنية بهذا التحول. فإذا كان الذكاء الاصطناعي قادرا على إنتاج نصوص وصور وفيديوهات بسرعة، فإن قيمة الصحفي لن تكون في السرعة وحدها، بل في التحقق، والسياق، والتحليل، والمسؤولية. وهنا تصبح الشفافية المهنية شرطا أساسيا.
في النهاية، لا يوجد ذكاء اصطناعي محايد تماما. كل نظام يحمل اختيارات من صممه، وبيانات من دربه، ومصالح من يموله، وقواعد السوق التي ينتشر داخلها. لذلك، فإن السؤال المغربي يجب ألا يكون تقنيا فقط: أي أداة نستعمل؟ بل من يضع القواعد؟ من يستفيد؟ من يحاسب؟ ومن يحمي المواطن عندما تخطئ الخوارزمية؟
لذلك، فإن اللحظة مناسبة لفتح نقاش وطني هادئ، لا يستسلم للانبهار ولا للخوف. نقاش يعتبر الذكاء الاصطناعي فرصة حقيقية للمغرب، لكنه يرفض أن تتحول هذه الفرصة إلى منطقة بلا قانون أو بلا أخلاق أو بلا سيادة.
فبينما تدخل الولايات المتحدة مرحلة محاسبة متأخرة لعمالقة التكنولوجيا، يستطيع المغرب أن يختار مسارا آخر: أن يضع القواعد قبل الانفجار، وأن يجعل الثقة شرطا للابتكار، وأن يبني سيادته الرقمية من الإنسان لا من الآلة فقط.


