من كان يعلم؟ أزمة سبتة تفتح معركة الروايات داخل حكومة سانشيز

بعد نحو شهر من موجة العبور غير المسبوقة التي شهدتها سبتة يومي 30 و31 يوليوز، تبدو الأزمة اليوم مختلفة تماما عما كانت عليه خلال ساعاتها الأولى.

في البداية، انصب النقاش على الحدود وعلى ما جرى في الضفة الجنوبية منها. أما الآن، وبعد أسابيع من الاجتماعات والتحقيقات والمساءلات، فقد انتقل مركز الثقل تدريجيا إلى مدريد، حيث أصبح السؤال الأكثر إلحاحا يتعلق بما كانت تعرفه أجهزة الدولة الإسبانية قبل الأحداث، وكيف جرى التعامل مع المعلومات المتوفرة لديها.

هذا التحول برز بوضوح الثلاثاء خلال مثول وزيرة الدفاع مارغاريتا روبيليس أمام لجنة الدفاع في مجلس النواب.

فقد دافعت روبيليس عن عمل المركز الوطني للاستخبارات، وكشفت أن 25 من عناصره يعملون في سبتة ويتابعون بصورة مستمرة الملفات المرتبطة بالهجرة غير النظامية والجريمة المنظمة والتطورات في الجوار، مؤكدة أن المعلومات التي تجمعها الأجهزة يجري تبادلها مع قوات الأمن وممثلي الحكومة في المدينة.

الأكثر أهمية أن الوزيرة أكدت أن الاستخبارات نقلت يوم 29 يوليوز معلومات بشأن دعوات إلى العبور في اليوم التالي.

وهنا بدأت المشكلة تتجاوز مسألة الحدود نفسها.

وزير الداخلية فرناندو غراندي مارلاسكا ظل يؤكد، في المقابل، عدم وجود تقرير استخباراتي توقع موجة بالحجم الذي عرفته سبتة، معتبرا أنه لو توفرت معلومات تشير إلى احتمال وصول عشرات الآلاف دفعة واحدة لتم رفعها إلى أعلى مستويات الدولة واتخاذ إجراءات استثنائية.

ظاهريا، يمكن تفسير الموقفين دون وجود تناقض كامل بينهما.

فروبيليس تتحدث عن معلومات ومؤشرات كانت متوفرة لدى الأجهزة، بينما يتحدث مارلاسكا عن غياب تقدير استخباراتي يتنبأ بالحجم الاستثنائي للموجة.

لكن سياسيا، يفتح الفرق بين الموقفين سؤالا أكبر: إذا كانت مؤشرات العبور موجودة، وإذا كانت الأجهزة تتابع الوضع يوميا، وإذا وصلت معلومات يوم 29 يوليوز بشأن دعوات لليوم التالي، فكيف فوجئت الدولة الإسبانية بما وقع؟

وهذا هو السؤال الذي أخذ يعيد تشكيل النقاش حول الأزمة.

فخلال الأيام الأولى، كان البحث عن تفسير خارجي لما حدث أسرع من تفكيك سلسلة القرارات والمعلومات داخل المؤسسات الإسبانية. ومع مرور الوقت، بدأت الصورة تصبح أكثر تعقيدا.

لم يظهر إلى حدود الآن، في المعطيات الاستخباراتية المعلنة، ما يسمح بإثبات وجود عملية منظمة ومدبرة من خارج الحدود لإنتاج موجة العبور بالحجم الذي حدث.

وفي المقابل، ظهرت مؤشرات واضحة على أن أجهزة الدولة الإسبانية لم تكن تجهل تماما ارتفاع الضغط على الحدود.

مارلاسكا نفسه سبق أن تحدث عن انتقال محاولات العبور من نحو 500 محاولة بين 29 يونيو و12 يوليوز إلى نحو 1300 محاولة بين 13 و26 يوليوز.

أي أن المنحنى كان يتجه صعودا قبل الأزمة.

لكن ما أخفقت المؤسسات في تقديره، على ما يبدو، لم يكن وجود الضغط، بل إمكانية تحوله خلال فترة قصيرة إلى موجة تتجاوز السيناريوهات المعتادة.

وهنا يكمن الفارق بين الفشل الاستخباراتي والفشل في التقدير.

قد تمتلك الدولة الاسبانية المعلومات دون أن تستخلص منها السيناريو الصحيح. وقد ترصد إشارات متفرقة دون أن تنجح في تجميعها داخل صورة واحدة تسمح باتخاذ القرار في الوقت المناسب.

وما قالته روبيليس أمام البرلمان يجعل الفرضية الثانية أكثر حضورا.

فالوزيرة ميزت بين التقارير المكتوبة والعمل الاستخباراتي اليومي، موضحة أن المعلومات الأمنية لا تنتقل بالضرورة دائما في شكل وثيقة رسمية. وهو توضيح مهم لأنه ينقل النقاش من سؤال بسيط حول وجود “تقرير” إلى سؤال أكثر تعقيدا حول كيفية انتقال المعلومة بين الأجهزة وصناع القرار.

وتزداد أهمية هذا السؤال مع اعتراف وزيرة الدفاع بأن الدولة لم تتعامل بالشكل المطلوب مع الأزمة وبأن الاستجابة جاءت متأخرة.

بعد نحو شهر، أصبح من الصعب إذن اختزال ما وقع في تفسير واحد.

فالأزمة كشفت أولا عن هشاشة سبتة أمام موجات بشرية كبيرة ومفاجئة، ثم أظهرت محدودية قدرة أجهزة الدولة على تحويل المعلومات المتفرقة إلى إنذار استراتيجي، قبل أن تكشف لاحقا عن مشكلة في التنسيق بين مستويات القرار المختلفة.

القرارات التي اتخذتها مدريد الثلاثاء تعزز هذا الاستنتاج.

فبعد 26 يوما من الأحداث، انعقد مجلس الأمن القومي، وقررت الحكومة إحداث قيادة موحدة لتدبير الأزمة برئاسة وزير السياسة الترابية أنخيل فيكتور توريس، تضم ممثلين عن الحكومة المركزية وسلطات سبتة والأجهزة الأمنية والاستخباراتية.

في الأزمات التي تكون فيها سلسلة القيادة واضحة منذ البداية، لا تظهر عادة الحاجة إلى إعادة بناء آلية التنسيق بعد قرابة شهر.

إحداث هذه القيادة لا يعني بالضرورة الاعتراف بفشل شامل، لكنه يكشف أن النموذج الأول لإدارة الأزمة لم يكن كافيا للتعامل مع حدث تتداخل فيه اختصاصات الأمن والهجرة والصحة والطفولة والقضاء والسياسة الخارجية.

كما أن حجم التعبئة السياسية اللاحقة يقدم مؤشرا آخر.

فوزيرة الدفاع ليست سوى بداية سلسلة من جلسات المساءلة البرلمانية التي ستشمل الداخلية والخارجية والصحة والعدل والإدماج والشباب ومسؤولين آخرين.

وفي الوقت نفسه، لا تزال سبتة تتعامل مع آلاف الأشخاص الموجودين داخل المدينة، ومع ملف القاصرين الأكثر تعقيدا من الناحية القانونية والإنسانية، بينما تضطر الحكومة إلى تخصيص موارد مالية وإدارية إضافية لمعالجة تداعيات الأزمة.

كل ذلك يجعل أحداث 30 و31 يوليوز أكثر من مجرد واقعة حدودية.

لقد أصبحت اختبارا لبنية اتخاذ القرار الإسباني نفسها.

أما فرضية “التهديد الهجين” التي يطرحها Vox المعروف بعدائه الساسي للمغرب، ومحاولات جزء من المعارضة تحميل المسؤولية للمغرب، فتبقى في الوقت الحالي جزءا من المواجهة السياسية ما لم تسندها خلاصات استخباراتية قابلة للتحقق.

وهنا يجب الفصل بين ثلاثة مستويات كثيرا ما اختلطت خلال الأسابيع الماضية: انخفاض المراقبة على الجانب الآخر من الحدود، وعدم منع تحركات جماعية، والتخطيط المنظم لموجة عبور بهدف الضغط السياسي.

هذه ليست فرضيات متطابقة.

إثبات الأولى لا يثبت الثانية، وإثبات الثانية لا يكفي تلقائيا لإثبات الثالثة.

وبعد قرابة شهر، لم تقدم المؤسسات الإسبانية علنا ما يسمح بالقفز مباشرة إلى الاستنتاج الأخير.

الأكثر دلالة أن التعاون الأمني عبر الحدود لم يتوقف بعد الأزمة، بل ظل جزءا أساسيا من محاولات احتوائها ومنع موجات جديدة وإعادة أعداد ممن عبروا خلال الأيام الأولى.

وهذا يكشف مفارقة يصعب تجاهلها: الطرف الذي جرى وضعه خلال اللحظات الأولى في قلب تفسير الأزمة ظل في الوقت نفسه شريكا ضروريا لإنهائها.

لذلك، فإن التطورات الأخيرة لا تغلق ملف المسؤوليات بقدر ما تعيد ترتيبها.

كلما ابتعدنا زمنيا عن 30 و31 يوليوز، أصبح السؤال أقل ارتباطا بمن يمكن اتهامه سياسيا، وأكثر ارتباطا بما يمكن إثباته مؤسساتيا.

ماذا عرف المركز الوطني للاستخبارات؟ ماذا نقل إلى السلطات؟ كيف قرأت الداخلية تلك المعلومات؟ ولماذا لم يؤد تصاعد محاولات العبور خلال الأسابيع السابقة إلى رفع مستوى الاستعداد؟

هذه الأسئلة أصبحت اليوم أكثر ثقلا من كثير من الفرضيات التي ظهرت في الساعات الأولى للأزمة.

وإذا أثبتت التحقيقات المقبلة أن المعلومات كانت موجودة بالفعل لكنها لم تصل إلى المستوى السياسي المناسب، فستكون المشكلة في سلسلة نقل المعلومة. أما إذا وصلت ولم يجر تقدير خطورتها، فستكون المشكلة في صناعة القرار. وإذا كانت الأجهزة نفسها عاجزة عن توقع الحجم رغم المؤشرات المتراكمة، فسنكون أمام قصور استخباراتي من نوع مختلف.

في الحالات الثلاث، ينتقل جزء أساسي من تفسير ما وقع إلى الداخل الإسباني.

وهذا ربما هو التحول الأهم بعد شهر من الأزمة.

لقد هدأت الحدود، لكن الأزمة لم تنته. انتقلت فقط من السياج والشواطئ إلى البرلمان ومجلس الأمن القومي وأجهزة الاستخبارات ومكاتب الوزراء.

وفي الساعات الأولى كان السؤال: كيف دخل كل هؤلاء؟

أما السؤال الذي يواجه مدريد اليوم فهو أكثر إحراجا:من كان يعلم، وماذا كان يعلم، ولماذا لم يكن ذلك كافيا لمنع ما حدث؟

مساحة إعلانية متاحةspot_imgspot_img