الذكاء الاصطناعي يغادر وادي السيليكون.. الاستثمار ينتشر ومن يتأخر يخسر القيمة

لم يعد سباق الذكاء الاصطناعي محصورا في النماذج اللغوية الكبرى، ولا في الشركات التي تنتج التطبيقات الأكثر شهرة. المعركة الحقيقية تنتقل اليوم إلى مكان آخر: مراكز البيانات، الطاقة، الرقائق، السحابة، وشبكات التمويل القادرة على تحويل الذكاء الاصطناعي من وعد تقني إلى بنية اقتصادية كاملة.

وبحسب فايننشال تايمز، يتوقع صندوق النقد الدولي أن يواصل الذكاء الاصطناعي دعم النمو العالمي خلال السنوات المقبلة، مع اتساع أثر الاستثمار في البنية التحتية الرقمية خارج الولايات المتحدة، بعدما ظل الإنفاق على مراكز البيانات والرقائق والحوسبة السحابية متمركزا بقوة في السوق الأمريكية.

هذا التحول مهم لأنه يكشف أن الذكاء الاصطناعي بدأ يغادر صورته الأولى المرتبطة بوادي السيليكون. لم يعد الأمر مجرد شركات ناشئة، أو مختبرات أبحاث، أو سباق على إطلاق نماذج أقوى. نحن أمام موجة استثمارية ضخمة تعيد توزيع القيمة بين الدول والشركات والقطاعات.

فالذكاء الاصطناعي يحتاج إلى كهرباء، وأراض، ومراكز بيانات، وربط شبكي، ومهندسين، وأمن سيبراني، وقوانين للبيانات، وقدرة على تمويل مشاريع طويلة الأمد. ومن لا يملك هذه الشروط سيظل مستهلكا للتكنولوجيا، حتى لو استعمل أحدث التطبيقات.

هنا تتضح الفجوة بين من ينتج القيمة ومن يستهلكها. الشركات والدول التي تستثمر في البنية التحتية ستجني جزءا أكبر من العائد، بينما سيكتفي الآخرون بشراء الخدمات الجاهزة، ودفع فواتير الاشتراك، وتسليم بياناتهم لمن يملك الخوادم والنماذج.

ويبدو أن الولايات المتحدة ما تزال في موقع متقدم، بفضل قوة شركاتها الكبرى، وحجم رأسمالها، وسيطرتها على السحابة والرقائق والبرمجيات. لكن اتساع الطلب العالمي على الذكاء الاصطناعي يفتح الباب أمام دول أخرى لمحاولة جذب جزء من هذه الاستثمارات، خاصة في مراكز البيانات والطاقة النظيفة وسلاسل التوريد الرقمية.

بالنسبة لأوروبا، يطرح هذا التحول سؤال التردد الاستثماري. فالقارة تملك تنظيما متقدما، وسوقا كبيرة، وقدرات صناعية مهمة، لكنها تواجه صعوبة في مجاراة سرعة الإنفاق الأمريكي على البنية التحتية الرقمية. وهنا يظهر الفرق بين من ينظم السوق ومن يمولها.

أما بالنسبة لدول الجنوب، فالدرس أكثر وضوحا. الذكاء الاصطناعي لن يمنح القيمة نفسها للجميع. الدول التي توفر الطاقة، والاستقرار، والربط، والكفاءات، والقوانين الواضحة، قد تتحول إلى منصات إقليمية. أما الدول التي تكتفي باستعمال التطبيقات فستبقى على هامش سلاسل القيمة.

في المغرب، لا ينبغي أن يبقى النقاش حول الذكاء الاصطناعي محصورا في التكوين أو استعمال الأدوات داخل الإدارة والمقاولات. هذه خطوات ضرورية، لكنها لا تكفي. السؤال الأكبر هو: هل يستطيع المغرب بناء شروط استضافة جزء من اقتصاد الذكاء الاصطناعي، لا فقط استهلاك نتائجه؟

يمتلك المغرب بعض عناصر الجواب. لديه موقع جغرافي قريب من أوروبا وإفريقيا، واستثمارات في الطاقات المتجددة، وطموح في الحوسبة السحابية، ورهان معلن على السيادة الرقمية ضمن استراتيجية المغرب الرقمي 2030. لكن تحويل هذه العناصر إلى ميزة تنافسية يتطلب وضوحا أكبر في البنية، والبيانات، والطاقة، والكفاءات.

فمراكز البيانات، مثلا، ليست مجرد بنايات مليئة بالخوادم. إنها تحتاج إلى كهرباء مستقرة ورخيصة نسبيا، وتبريد، وأمن مادي ورقمي، وربط دولي عالي السرعة، وقواعد واضحة حول تخزين ومعالجة البيانات. لذلك، فإن أي رهان مغربي في الذكاء الاصطناعي يجب أن يمر من سؤال البنية قبل سؤال التطبيق.

كما أن الطاقة ستكون عاملا حاسما. كلما توسع استعمال الذكاء الاصطناعي، زاد الطلب على الكهرباء. والدول التي تستطيع تقديم طاقة نظيفة وتنافسية قد تملك أفضلية في جذب الاستثمارات الرقمية، خاصة مع ضغط الشركات العالمية لتقليص بصمتها الكربونية.

وهنا يمكن للمغرب أن يربط بين ملفين كانا يبدوان منفصلين: الطاقة المتجددة والتحول الرقمي. فإذا نجح في الجمع بين الكهرباء النظيفة، ومراكز البيانات، والربط القاري، والقوانين الواضحة، فقد يتحول إلى منصة رقمية إقليمية لا مجرد سوق مستهلكة.

لكن الطريق ليس سهلا. فاقتصاد الذكاء الاصطناعي يتطلب كفاءات عميقة، وليس فقط مستعملين جيدين للأدوات. يحتاج إلى مهندسي بيانات، وخبراء أمن سيبراني، ومختصي بنية سحابية، وباحثين، وقانونيين يفهمون التكنولوجيا، وإدارة قادرة على التعاقد بذكاء مع الشركات الكبرى.

كما يتطلب حماية للبيانات. فالدولة التي تريد دخول اقتصاد الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن تتعامل مع المعطيات كملف إداري ثانوي. البيانات هي المادة الخام لهذه الصناعة، ومن لا يعرف كيف يحكمها ويحميها ويستثمرها سيظل تابعا لمن يملك القدرة على جمعها ومعالجتها.

ولا يعني ذلك أن على المغرب أن ينافس وادي السيليكون في إنتاج النماذج الكبرى. هذا رهان مكلف وصعب. لكن يمكنه أن يبحث عن موقعه في الطبقات المحيطة بالذكاء الاصطناعي: مراكز البيانات، الخدمات السحابية، التطبيقات القطاعية، التعريب واللغات المحلية، الأمن السيبراني، وربط الذكاء الاصطناعي بالصناعة والفلاحة والخدمات.

القيمة لن تذهب فقط إلى من يبني النموذج الأكبر، بل أيضا إلى من يملك البنية التي تشغله، والقطاعات التي تستعمله، والبيانات التي تجعله أكثر قربا من حاجات الناس والأسواق. لذلك، فإن السؤال ليس هل يلحق المغرب بالسباق، بل أين يتموقع داخله.

لقد بدأ الذكاء الاصطناعي يغادر وادي السيليكون، لكنه لا يذهب إلى كل مكان بنفس السرعة. إنه يذهب حيث توجد الطاقة، والمال، والثقة، والكفاءات، والقوانين. وهذه هي المعادلة التي يجب أن يقرأها المغرب مبكرا.

فمن يتأخر اليوم لن يخسر تطبيقا أو موضة تقنية فقط، بل قد يخسر موقعا كاملا داخل اقتصاد جديد تتشكل بنيته الآن. وفي اقتصاد الذكاء الصناعي، كما في الموانئ والطاقة والصناعة، من يبني البنية أولا يملك جزءا أكبر من القيمة لاحقا.

مساحة إعلانية متاحةspot_imgspot_img