لم تعد المنصات الرقمية تواجه السؤال نفسه الذي رافق صعودها الأول: هل تقرب الناس من بعضهم؟
السؤال اليوم صار أكثر صعوبة: ماذا تفعل هذه المنصات بعقول المستخدمين، وبانتباه الأطفال، وبسلوك المراهقين، وبالنقاش العام؟
تعود هذه الأسئلة بقوة بعد موافقة شركة ميتا على تسوية قد تصل إلى 18 مليار دولار على مدى عشر سنوات، لإنهاء دعاوى رفعتها غالبية الولايات الأمريكية، تتهم فيسبوك وإنستغرام بتصميم خدمات تجعل الأطفال والمراهقين أكثر تعلقا بالمنصات.
وبحسب رويترز، لا تقتصر التسوية على المال، بل تشمل أيضا قيودا جديدة على استعمال المراهقين لفيسبوك وإنستغرام، في واحد من أبرز اختبارات المسؤولية القانونية لشركات التواصل الاجتماعي عن أثر منتجاتها على القاصرين.
الرقم ضخم، لكنه لا يكفي وحده لفهم التحول. فميتا ليست شركة صغيرة تعاقبها غرامة كبيرة، بل واحدة من أقوى آلات الإعلان الرقمي في العالم.
لذلك، فإن أهمية التسوية لا تكمن فقط في قيمتها المالية، بل في الرسالة التي تحملها: المنصة لم تعد مجرد وسيط محايد بين المستخدمين، بل أصبحت موضوع مساءلة بسبب طريقة تصميمها، وطريقة جذبها للانتباه، وطريقة تعاملها مع الأطفال.
هنا تبدأ القصة الحقيقية. لسنوات طويلة، قدمت شركات التكنولوجيا نفسها باعتبارها فضاءات مفتوحة للتواصل والتعبير والابتكار.
كانت تقول إن المستخدم يختار ما يشاهد، وما ينشر، ومن يتابع. لكن الواقع صار أكثر تعقيدا.
فالمنصات لا تعرض المحتوى فقط، بل ترتبه، وتدفع به، وتقترح غيره، وتقيس التفاعل معه، ثم تعيد بناء التجربة كلها حول ما يبقي المستخدم أطول مدة ممكنة.
في هذه النقطة تحديدا، يتحول الطفل من مستخدم صغير إلى حلقة حساسة داخل اقتصاد الانتباه.
كل دقيقة يقضيها أمام الشاشة تصبح قابلة للقياس، وكل تفاعل يتحول إلى إشارة، وكل إشارة تغذي خوارزمية تعرف كيف تقترح المزيد.
لذلك لم يعد النقاش يدور حول منشور ضار هنا أو فيديو غير مناسب هناك، بل حول التصميم نفسه: هل بنيت المنصة كي تساعد الطفل، أم كي تحتفظ به؟
هذا ما يجعل تسوية ميتا أكبر من ملف أمريكي داخلي. فهي تعكس انتقالا تدريجيا في نظرة الدول إلى المنصات الرقمية.
لم تعد الحكومات تسأل فقط عن حذف المحتوى غير القانوني، بل بدأت تسأل عن الإدمان، وسلامة القاصرين، والتوصيات الخوارزمية، والإشعارات، والمقاطع القصيرة، وآليات المقارنة الاجتماعية، وكل التفاصيل الصغيرة التي تصنع عادة الاستخدام اليومي.
بالنسبة للمغرب، تبدو المسافة الجغرافية خادعة. فالأطفال والمراهقون المغاربة يستعملون المنصات نفسها، ويتعرضون للمنطق الخوارزمي نفسه، ويدخلون يوميا إلى فضاءات لا تصمم محليا، ولا تنطلق بالضرورة من اعتبارات تربوية أو اجتماعية مغربية.
لذلك، فإن ما يجري في الولايات المتحدة ليس بعيدا عنا كما قد يبدو.
المسألة لا تتعلق باستيراد الخوف من التكنولوجيا. فالتواصل الرقمي فتح إمكانات واسعة للتعلم، والتعبير، وصناعة المحتوى، وبناء العلاقات، وحتى إطلاق مشاريع صغيرة.
لكن الاعتراف بهذه الفرص لا يعني إغلاق العين عن الكلفة.
فالمنصة التي تمنح الطفل نافذة على العالم، تستطيع أيضا أن تحاصره داخل تدفق لا ينتهي من الصور والمقاطع والمقارنات والرسائل.
هنا يصبح النقاش المغربي حول الرقمنة والذكاء الاصطناعي ناقصا إذا بقي محصورا في التكوين والاستثمار والخدمات الإلكترونية.
فالثقة الرقمية لا تبنى فقط بتعميم التطبيقات، ولا بإطلاق الاستراتيجيات، ولا بعدد الشباب الذين يتعلمون أدوات جديدة.
تبنى أيضا بسؤال بسيط وصعب: من يحمي المستخدم عندما تكون المنصة أقوى منه؟
الأبوان وحدهما لا يستطيعان تحمل هذه المسؤولية. فالأسرة تواجه منتجات صممتها شركات تملك خبراء في السلوك، والبيانات، والإعلان، والتفاعل، وتجربة المستخدم.
لا يمكن أن نطلب من الآباء أن ينتصروا وحدهم على منظومات بنيت أصلا لتجعل الانفصال عنها صعبا حتى على الكبار.
والمدرسة وحدها لا تكفي كذلك. منع الهاتف في القسم قد يعالج جزءا من المشكلة، لكنه لا يشرح للطفل كيف تعمل الخوارزميات، ولماذا تظهر له بعض المقاطع دون غيرها، وكيف يتحول انتباهه إلى قيمة تجارية، وكيف يمكن لصورة أو صوت أو فيديو أن يكون مصنوعا بالكامل.
المطلوب تربية رقمية، لا مجرد منع رقمي.في المغرب، يجب أن تصبح حماية القاصرين في الفضاء الرقمي جزءا من السياسة العمومية.
ليس بمنطق الوصاية أو التخويف، بل بمنطق الحق في بيئة رقمية آمنة. فالطفل لا يحتاج فقط إلى الولوج إلى الإنترنت، بل إلى حماية من تصميمات قد تستنزف انتباهه، وتؤثر في صورته عن نفسه، وتطبع علاقته بالمعرفة والجسد والاستهلاك والنقاش.
تسوية ميتا تكشف أيضا أن القانون بدأ يقترب من منطقة كانت الشركات تفضل إبقاءها بعيدة عن المحاسبة: تصميم المنتج.
في الماضي، كان التركيز غالبا على المحتوى: خطاب كراهية، تضليل، عنف، تحرش.
اليوم، يتقدم سؤال آخر: ماذا لو كان الضرر في طريقة بناء المنصة نفسها، لا في محتوى منفرد داخلها؟
هذا التحول مهم جدا. لأن المنصات تستطيع دائما القول إنها لا تنتج كل ما ينشره المستخدمون.
لكنها لا تستطيع بسهولة التنصل من طريقة ترتيب المحتوى، ومن نظام الإشعارات، ومن تصميم التفاعل، ومن الأدوات التي تجعل المستخدم يعود مرة بعد أخرى.
هنا لا نتحدث عن حرية التعبير فقط، بل عن هندسة الانتباه.
ومن هذه الزاوية، يحتاج المغرب إلى نقاش أوسع حول مسؤولية المنصات الكبرى.
هل نكتفي بالنظر إليها كقنوات لنشر الأخبار والترفيه والإعلانات؟
أم نقر بأنها أصبحت جزءا من البنية الاجتماعية الجديدة، تؤثر في التعليم، والاستهلاك، واللغة، والسياسة، والصحة النفسية، والعلاقات الأسرية؟في الإعلام، تظهر المسألة بوضوح أكبر.
لم تعد المنصات مجرد موزع للمحتوى الصحفي، بل صارت تتحكم في ما يصل إلى الجمهور، ومتى يصل، وبأي أولوية. لذلك، فإن محاسبة المنصات ليست مطلبا تربويا فقط، بل مسألة تمس النقاش العام نفسه.
فالخوارزمية التي تقرر ما يراه الناس، تؤثر في ما يفكرون فيه، وما يغضبون منه، وما يتجاهلونه.
وفي الانتخابات، يصبح الأمر أكثر حساسية. فالمقاطع القصيرة، والحسابات المجهولة، والإعلانات الدقيقة، والتزييف العميق، يمكن أن تغير طبيعة المنافسة السياسية.
وإذا كانت الدول الكبرى بدأت تربط بين المنصات وحماية الديمقراطية، فالمغرب بدوره يحتاج إلى التفكير في قواعد مبكرة، قبل أن تصبح الحملات الرقمية أكثر تعقيدا وأقل شفافية.
لا يعني ذلك الدعوة إلى رقابة شاملة على الفضاء الرقمي. فهذا سيكون خطأ آخر.
المطلوب ليس خنق المنصات، ولا تقييد حرية التعبير، ولا تحويل حماية الأطفال إلى ذريعة للمنع العام.
المطلوب قواعد دقيقة: شفافية في التصميم، حماية للقاصرين، وضوح في الإعلانات، آليات اعتراض، تعاون مع السلطات عند الضرورة، واحترام للمعطيات الشخصية.
كما أن المغرب لا يستطيع معالجة هذا الملف بقانون واحد معزول.
الأمر يحتاج إلى تربية رقمية في المدرسة، ووعي أسري، وصحافة تشرح بدل أن تكتفي بالتهويل، ومؤسسات قادرة على الحوار مع المنصات الكبرى، وخبراء في البيانات والسلوك الرقمي، وقواعد واضحة حول الذكاء الاصطناعي والتوصيات الخوارزمية.
الدرس الأهم من تسوية ميتا أن زمن الحصانة المطلقة بدأ يتراجع.
صحيح أن الغرامات الكبرى قد لا تكسر نموذج أعمال الشركات العملاقة، وربما تتحول أحيانا إلى كلفة إضافية محسوبة داخل الميزانيات.
لكن الرمز مهم: الدولة بدأت تقول للمنصة إن الأرباح لا تعفي من المسؤولية، وإن التصميم ليس منطقة بلا قانون.
بالنسبة للمغرب، هذه لحظة مناسبة للتفكير قبل الاضطرار إلى الرد.
فالبلد ما يزال قادرا على بناء قواعد مبكرة، وعلى إدخال حماية الطفل ضمن النقاش الرقمي، وعلى ربط الذكاء الاصطناعي والمنصات بمسألة الثقة والسيادة والحق في الأمان الرقمي.
قد لا يملك المغرب حجم السوق الأمريكي، ولا قدرة الاتحاد الأوروبي التنظيمية، لكنه يملك ما هو أهم في هذه المرحلة: فرصة ألا ينتظر الكارثة كي يسميها مشكلة.
أن يسأل الآن، بهدوء، كيف نحمي الطفل؟ كيف نحمي البيانات؟ كيف نلزم المنصات بالشفافية؟ وكيف نستفيد من التكنولوجيا دون أن نتركها تصوغ المجتمع وحدها؟
في النهاية، لا تكمن خطورة المنصات في أنها تربط الناس ببعضهم، بل في أنها أصبحت تعرف كيف تدير انتباههم.
والانتباه، خصوصا عند الأطفال، ليس موردا تجاريا عاديا. إنه جزء من التكوين النفسي والمعرفي والاجتماعي للجيل المقبل.
لهذا، فإن تسوية ميتا بـ18 مليار دولار لا تعني فقط نهاية نزاع قضائي في الولايات المتحدة.
إنها إشارة إلى مرحلة جديدة: مرحلة لم تعد فيها المنصات فوق السؤال.
وإذا كان العالم يدخل زمن محاسبة المنصات، فالأفضل للمغرب أن يدخل النقاش مبكرا، لا بعد أن يصبح الضرر عادة يومية يصعب تفكيكها.


