من تسريب قديم إلى «اختراق» مزعوم.. هكذا سقطت رواية اختراق قواعد البيانات الأمنية (تحليل)

لم تكن المشكلة في وجود بيانات مسربة. جزء من المعطيات المتداولة حقيقي بالفعل، لكن امتلاك بيانات تخص موظفين في أجهزة أمنية شيء، واختراق قواعد البيانات الأمنية شيء آخر تماما.

وبين الأمرين بنيت خلال الأيام الماضية رواية أكبر مما تسمح به المعلومات المنشورة.


بلاغ قطب المديرية العامة للأمن الوطني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، الصادر في 27 غشت، وضع هذا الفرق في صلب القضية.

فقد نفى بشكل قاطع حدوث أي اختراق لأنظمته المعلوماتية أو قواعد بياناته الأمنية، مؤكدا أن البيانات المنشورة قديمة، وتم تحميلها من قواعد بيانات وأنظمة معلوماتية تشرف عليها شركات للتأمين ومنظمات للتغطية الصحية والاجتماعية.


وهذا المعطى يغير زاوية قراءة التسريب. فوجود اسم موظف أمني ورقم تعريفه أو بعض بياناته الشخصية داخل قاعدة معلومات خارجية لا يثبت الوصول إلى النظام المعلوماتي للمؤسسة التي يعمل فيها.

إنها بيانات يمكن أن توجد لدى أطراف أخرى بحكم التأمين والتغطية الصحية والاجتماعية، وبالتالي فإن مصدر المعلومة هو الذي يحدد طبيعة الاختراق، وليس صفة الشخص الذي تتعلق به.


التدقيق الذي أجرته “المحيط” في المواد المتداولة وطريقة تقديمها يعزز أن الجهة المسربة اشتغلت على السردية أكثر مما اشتغلت على المعلومة.

فقد جرى الانتقال من لائحة بيانات قديمة إلى الحديث عن معلومات أمنية، ومن أسماء موظفين إلى توصيفات استخباراتية، ثم من ذلك إلى استنتاج أن قواعد البيانات الأمنية نفسها تعرضت للاختراق.


لكن البيانات المنشورة لا تكفي وحدها لإثبات هذه السلسلة من الاستنتاجات.


وهنا يظهر أحد أكثر أشكال التضليل الرقمي فعالية: المعلومة قد تكون صحيحة، لكن السياق الذي وضعت فيه غير صحيح. فالاسم الحقيقي لا يجعل الصفة المرفقة به صحيحة، كما أن صحة رقم أو معلومة شخصية لا تثبت أن مصدرها قاعدة بيانات أمنية.


بل إن وجود معلومات صحيحة هو ما يمنح الرواية المضللة قدرتها على الإقناع.

يتحقق المتلقي من اسم فيجده صحيحا، ثم من معلومة ثانية فيجدها مطابقة، فيصبح أكثر استعدادا لقبول القصة كاملة. وهكذا تتحول صحة جزء من البيانات إلى غطاء لاستنتاجات لا تثبتها البيانات نفسها.


وتزداد الفجوة بين المعلومة والرواية مع ما كشفه البلاغ عن تداول صور فوتوغرافية مفبركة ومستندات ووثائق محرفة أو مزورة قدمت على أنها مواد أمنية.

وأشار القطب إلى أن بعضها تضمن أزياء نظامية ورتبا عسكرية غير موجودة في المغرب وغير معمول بها في الأمن الوطني، إلى جانب هويات بصرية مغلوطة وأخطاء لغوية واضحة.


وهنا تظهر مفارقة لافتة: جهة يفترض، وفق الرواية التي تقدمها، أنها وصلت إلى أنظمة أمنية حساسة، لكنها تقع في أخطاء تتعلق حتى بالرتب والأزياء والهوية البصرية للمؤسسة التي تزعم امتلاك معلومات من داخلها.


وهذا يعزز فرضية امتلاك بيانات عن أشخاص أكثر مما يثبت امتلاك معلومات من داخل الجهاز.


كما أن وصف البيانات بأنها قديمة يضيف عنصرا آخر لفهم العملية.

فقاعدة بيانات قديمة لا تصبح معلومة استخباراتية راهنة لمجرد إعادة نشرها اليوم. يمكن تغيير عنوان الملف وطريقة تقديمه، لكن ذلك لا يغير تاريخ البيانات ولا مصدرها.


بمعنى آخر، الجديد كان في القصة التي بنيت حول البيانات أكثر مما كان في البيانات نفسها.


ولا يعني ذلك أن تسريب المعطيات الشخصية مسألة ثانوية. فإذا كانت البيانات، كما يؤكد البلاغ، قد خرجت من أنظمة شركات للتأمين أو منظمات للتغطية الصحية والاجتماعية، فإن ذلك يفتح ملفا جديا حول أمن المعطيات لدى الأطراف الثالثة، خصوصا عندما تحتفظ هذه الجهات بمعلومات تخص موظفين يعملون في قطاعات حساسة.


لكن هذا سؤال مختلف تماما عن الادعاء باختراق قواعد البيانات الأمنية.


وتكشف القضية، في بعدها الأوسع، تحولا مهما في طبيعة العمليات الرقمية. فلم يعد ضروريا دائما اختراق مؤسسة حتى يصنع المهاجم الانطباع بأنه اخترقها.

يمكن الوصول إلى بيانات من مصدر خارجي، وإعادة تصنيفها، وإضافة صور أو وثائق إليها، ثم وضعها داخل سياق جديد يمنحها قيمة لم تكن تحملها في الأصل.


عندها لا يعود الهدف اختراق الخوادم فقط، بل اختراق تصور الجمهور لما حدث.


وهذه تحديدا النقطة التي يبدو أن الجهة المسربة أخطأت فيها. امتلكت بيانات، لكنها أرادت منها أن تقول أكثر مما تعرف. وعندما أصبحت القصة أكبر من المعلومة، ظهرت تناقضات السياق والزمن والهوية المؤسساتية.


لذلك لا يكفي، أمام أي تسريب، أن نسأل إن كانت الأسماء والأرقام صحيحة. السؤال الأهم هو: من أين جاءت البيانات، ومتى جرى الحصول عليها، وماذا تثبت فعلا؟


لأن البيانات الحقيقية عندما توضع في سياق زائف لا تنتج بالضرورة حقيقة جديدة. أحيانا تنتج فقط خبرا كاذبا أكثر إقناعا.

مساحة إعلانية متاحةspot_imgspot_img