البام في انتخابات 2026.. رهان الصدارة من داخل الحكومة

في إطار ملف «عين على 23 شتنبر»، تواصل «المحيط» تحليل استعدادات الأحزاب الكبرى للانتخابات التشريعية المقبلة، وفق ترتيب النتائج التي أفرزها اقتراع 2021.

وبعد التجمع الوطني للأحرار، نصل إلى حزب الأصالة والمعاصرة(بام)، الذي احتل المرتبة الثانية بـ87 مقعدا، قبل أن يدخل الحكومة إلى جانب الأحرار والاستقلال.

لا يخوض «البام» انتخابات 2026 باعتباره حزبا يدافع فقط عن موقعه الثاني. تحركاته واستقطاباته وخريطة مرشحيه وخطاب قيادته تشير إلى أنه يستهدف المرتبة الأولى، أو على الأقل الوصول إلى موقع يسمح له بالتأثير في هوية رئيس الحكومة المقبلة وتركيبة الأغلبية.

غير أن طريقه إلى الصدارة يمر عبر تناقض سياسي واضح: يريد تقديم نفسه بديلا انتخابيا، لكنه كان جزءا أساسيا من الحكومة التي سيحاسبها الناخبون.

منافس من داخل الأغلبية

لا يستطيع الأصالة والمعاصرة خوض الحملة بمنطق المعارضة التقليدية. فقد شارك في الحكومة منذ أكتوبر 2021، وتولى وزراؤه قطاعات مرتبطة مباشرة بالحياة اليومية للمواطنين وبعدد من الإصلاحات التي أثارت نقاشا واسعا.

وفي المقابل، لا يريد الحزب أن يدخل الانتخابات باعتباره مجرد شريك صغير في حصيلة يقودها التجمع الوطني للأحرار. لذلك يحاول بناء مسافة سياسية تفصل بين مسؤوليته عن القطاعات التي أشرف عليها ومسؤوليته الجماعية داخل الحكومة.

ظهرت هذه المعادلة بوضوح في تصريحات فاطمة الزهراء المنصوري خلال لقاء مؤسسة الفقيه التطواني. فقد أكدت أن الحزب يتحمل مسؤوليته داخل الأغلبية، لكنها ميزت بين القرار الحكومي الجماعي وبين طريقة تنفيذ كل قطاع للسياسات المرتبطة به.

هذا التمييز مفهوم من الناحية الحزبية، لكنه لن يكون سهلا داخل صناديق الاقتراع. فالناخب الذي تضرر من الأسعار أو فقد الثقة في الخدمات العمومية قد لا يتوقف طويلا عند توزيع الحقائب بين مكونات الأغلبية.

ولهذا يخوض «البام» معركتين في وقت واحد: الدفاع عن مشاركته الحكومية، وإقناع المغاربة بأنه كان مختلفا عن الحزب الذي قادها.

قيادة جماعية أمام اختبار الصندوق

يدخل الحزب الانتخابات تحت قيادة جماعية تتصدرها فاطمة الزهراء المنصوري إلى جانب محمد المهدي بنسعيد وفاطمة السعدي.

اختيار القيادة الجماعية جاء بعد مرحلة اتسمت بتركيز صورة الحزب حول الأمين العام، وبعد أزمات داخلية كان أبرزها الخلاف مع صلاح الدين أبو الغالي.

ويقدم «البام» هذه الصيغة باعتبارها انتقالا من قيادة الفرد إلى توزيع القرار والمسؤولية.

لكن نجاح النموذج لا يقاس بانسجام الخطاب وحده. الانتخابات ستكون أول اختبار فعلي لقدرة ثلاثة وجوه على إدارة التزكيات والتحالفات والخلافات المحلية، وصناعة قرار سريع داخل حزب يجمع بين وزراء وبرلمانيين وأعيان ومنتخبين محليين ووافدين جدد.

وتظل المنصوري، رغم الصيغة الجماعية، الوجه الأكثر حضورا في الحملة. فهي تقود عملية الترشيحات، وتدافع عن البرنامج، وتشرح موقع الحزب من الحكومة والتحالفات، وتتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية السياسية عن النتيجة.

إذا تقدم الحزب، ستتحول القيادة الجماعية إلى نموذج ناجح قدم للمنصوري نفوذا واسعا من دون العودة إلى منصب الأمين العام بصيغته التقليدية. أما إذا تراجع، فقد تفتح النتيجة سؤال مركز القرار والمسؤول عن الاختيارات الانتخابية.

ستة وزراء في مواجهة الناخبين

دفع الحزب بستة أعضاء في الحكومة إلى الدوائر المحلية، في خطوة تحول عددا من المقاعد إلى اختبارات مباشرة للحصيلة.

تترشح فاطمة الزهراء المنصوري في دائرة مراكش المدينة-سيدي يوسف بن علي، ومحمد المهدي بنسعيد في الرباط المحيط، وعبد اللطيف وهبي في تارودانت الشمالية، وعز الدين الميداوي في الرحامنة، وأديب بن إبراهيم في الرباط شالة، وهشام صابري في بني ملال.

لا يؤدي هؤلاء الوزراء الوظيفة الانتخابية نفسها. بعضهم يدافع عن موقع سياسي قائم، وبعضهم يدخل دائرة جديدة، وبعضهم يعتمد على اسم وطني أكثر من اعتماده على شبكة انتخابية محلية مجربة.

والقاسم المشترك أن خسارة أي وزير لن تقرأ باعتبارها ضياع مقعد فقط. ستكون حكما محليا على الحصيلة الحكومية للوزير، وعلى قدرة قيادة الحزب على اختيار الدائرة والمرشح والتوقيت المناسب.

الإسكان والتعمير.. حصيلة المنصوري تحت المجهر

تدخل المنصوري الانتخابات وهي تحمل ثلاث مسؤوليات متداخلة: قيادة الحزب، ووزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، ورئاسة جماعة مراكش.

وتمنحها هذه المواقع حضورا قويا، لكنها توسع دائرة المحاسبة أيضا. ففي مراكش لن تصوت الدائرة على زعيمة حزبية فقط، بل على عمدة تدبر المدينة ووزيرة تشرف على التعمير والإسكان.

يمكن للمنصوري الدفاع عن برنامج الدعم المباشر للسكن، وعن محاولات معالجة السكن غير اللائق وإعادة تأهيل المجالات الحضرية، وعن المشاريع التي عرفتها مراكش استعدادا للاستحقاقات الكبرى.

لكن خصومها يستطيعون مواجهتها بأسعار العقار، وصعوبة وصول الطبقات المتوسطة والشباب إلى السكن، وتعقيد وثائق التعمير، والفوارق بين مراكش السياحية والأحياء التي ما تزال تعاني ضغط النقل والنظافة والسكن والتجهيز.

كما تظل ملفات إعادة إعمار المناطق المتضررة من زلزال الحوز شديدة الحساسية في محيط مراكش. ورغم تعدد المتدخلين، فإن موقع المنصوري الوزاري والمحلي يجعلها في واجهة أي انتقاد يتعلق بالتأخر أو بالتعمير أو بإعادة البناء.

العدل.. وهبي بين الإصلاح وكلفة الجدل

يحمل عبد اللطيف وهبي إلى تارودانت حصيلة وزارة العدل، لكنه يحمل معها أيضا كلفة الجدل الذي رافق عددا من تصريحاته ومشاريع القوانين التي دافع عنها.

يستطيع وهبي تقديم مراجعة القوانين المرتبطة بالمسطرة المدنية والجنائية والعقوبات البديلة والرقمنة باعتبارها جزءا من إصلاح طويل للعدالة.

لكن الناخب لا يقرأ الحصيلة القانونية بالمنطق التقني وحده. فالنقاش حول امتحان المحاماة، ومشاريع القوانين المثيرة للخلاف، وعلاقة الوزارة بالمهن القضائية، وتصريحات الوزير، صنعت صورة سياسية منقسمة حوله.

وتزيد صعوبة المعركة لأن تارودانت الشمالية لا تصوت على وهبي بوصفه وزيرا فقط. إنها دائرة تلعب فيها الروابط العائلية والقبلية والشبكات الجماعية والقدرة على التعبئة أدوارا حاسمة.

لذلك يحتاج وهبي إلى تحويل موقعه الوطني إلى ثقة محلية. وإذا تعثر، فقد تتحول النتيجة إلى حكم على مرحلة قيادته السابقة للحزب وعلى حصيلته الوزارية في الوقت نفسه.

بنسعيد في «دائرة الموت»

تمثل الرباط المحيط أحد أوضح اختبارات الحزب. فهي دائرة بأربعة مقاعد، لكن اتساع العرض لا يجعل الفوز سهلا، بسبب قوة الأسماء وتعدد الأحزاب القادرة على المنافسة.

يدافع محمد المهدي بنسعيد عن مقعد فاز به سنة 2021، مستندا إلى حضور سياسي وإعلامي واسع وإلى شبكة اشتغل على بنائها في الرباط منذ سنوات.

لكنه يواجه أسماء ذات تجربة حكومية وانتخابية، من بينها مصطفى الخلفي عن العدالة والتنمية وعبد الكريم بنعتيق عن الاتحاد الاشتراكي، إلى جانب مرشحي الأحرار والاستقلال وبقية الأحزاب.

وتحول هذه التركيبة المقعد إلى اختبار لحصيلة وزارة الشباب والثقافة والتواصل. يستطيع بنسعيد الدفاع عن دعم الصناعات الثقافية والسينما والألعاب الإلكترونية وبرامج الشباب وإصلاح المؤسسات الإعلامية.

لكن خصومه سيقابلون ذلك بأسئلة أوضاع الشباب، وضعف البنيات الثقافية في عدد من المدن، ومستقبل الصحافة، ونتائج برامج التكوين والإدماج، ومدى وصول السياسات المعلنة إلى الشباب خارج المراكز الكبرى.

ميزة بنسعيد أنه لا يدخل الدائرة غريبا عنها، خلافا لبعض الوزراء الذين انتقلوا إلى دوائر جديدة. غير أن تعدد المرشحين الأقوياء يعني أن الحفاظ على المقعد يحتاج إلى تعبئة تتجاوز الحضور الإعلامي.

الرحامنة.. حين لا يكفي اسم الوزير

في الرحامنة، اختار الحزب عز الدين الميداوي لقيادة لائحته في دائرة تتنافس على ثلاثة مقاعد.

يحمل الميداوي صفة وزير التعليم العالي ورئيس جامعة سابق، لكنه يدخل أرضا انتخابية لها توازناتها وأعيانها وذاكرتها الخاصة مع «البام».

في انتخابات 2021، تصدر عبد اللطيف الزعيم نتائج الدائرة باسم الحزب بأكثر من 31 ألف صوت. وتعويض مرشح محلي حقق هذه النتيجة بوزير ذي صورة أكاديمية يجعل الحزب أمام سؤال حاسم: هل كانت الأصوات للحزب أم للمرشح وشبكته؟

الرحامنة من المعاقل الرمزية للأصالة والمعاصرة، لكنها ليست مقعدا مضمونا. ينافس فيها الاستقلال والأحرار وأسماء محلية راكمت حضورا تنظيميا وانتخابيا، بينما يحتاج الميداوي إلى بناء صلة مباشرة مع الناخب في وقت قصير.

كما سيواجه بحصيلة التعليم العالي: الاكتظاظ، وأوضاع الطلبة، والمنح والأحياء الجامعية، والبطالة بين الخريجين، والجدل حول إصلاح التكوين والبحث العلمي.

إذا فاز، سيكون الحزب قد أثبت قدرته على نقل قوته من مرشح محلي إلى اسم وزاري. وإذا خسر، فقد تظهر حدود القرار المركزي عندما يصطدم بخريطة النفوذ داخل الدائرة.

مراكش.. الزعامة لا تلغي المنافسة

تخوض المنصوري سباقها في مراكش المدينة-سيدي يوسف بن علي، وهي دائرة سبق أن تصدر فيها «البام» نتائج 2021 بنحو 16 ألف صوت، وحصل على مقعد واحد.

لكن نتائج الماضي لا تضمن تكرار النتيجة. فالدائرة تعرف منافسة بين مرشحي أحزاب الأغلبية والمعارضة، وتضم أحياء ذات انتظارات اجتماعية مختلفة عن الصورة السياحية لمدينة مراكش.

ويزيد الجمع بين المدينة وسيدي يوسف بن علي وتسلطانت من تعقيدها. فهناك ناخب حضري يتابع تدبير المدينة، وناخب في هوامش التوسع العمراني يهتم بالأرض والسكن والتجهيز والنقل، وكتل انتخابية تتحرك وفق شبكات محلية دقيقة.

تدخل المنصوري بأقوى اسم سياسي في الدائرة، لكن ذلك يجعلها أيضا الهدف الأول لجميع المنافسين. وكل حزب سيحاول تحويل السباق من منافسة على المقاعد إلى مواجهة مع زعيمة «البام».

الرباط شالة وبني ملال.. اختبار الوجوه الحكومية الجديدة

يراهن الحزب في الرباط شالة على أديب بن إبراهيم، كاتب الدولة المكلف بالإسكان. ويخوض بذلك معركة داخل مجال حضري يستطيع فيه ربط خطابه بملفات السكن والتعمير والطبقة الوسطى.

غير أن الدائرة لا تمنح المقعد على أساس الصفة الحكومية. فهي تعرف حضورا للأحزاب التقليدية ومرشحين يمتلكون شبكات محلية، بينما ما يزال بن إبراهيم مطالبا بتحويل صورته التقنية إلى حضور انتخابي.

وفي بني ملال، يترشح هشام صابري، كاتب الدولة المكلف بالشغل. وسيكون مطالبا بالدفاع عن حصيلة قطاع يوجد في قلب انشغالات الناخبين.

البطالة وهشاشة العمل واتساع القطاع غير المهيكل وصعوبة إدماج الشباب ليست ملفات يمكن فصلها عن الوزير المرشح. وقد تتحول حقيبة الشغل إلى نقطة قوة إذا قدم نتائج محلية قابلة للقياس، أو إلى عبء إذا ظل الخطاب وطنيا وعاما.

قطاعات تمنح الحزب الحجج وتفرض عليه المحاسبة

لا تقتصر حصيلة «البام» على الوزراء المرشحين. فقد شارك الحزب خلال الولاية في تدبير الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، والانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، والتشغيل، إلى جانب العدل والإسكان والتعليم العالي والشباب والثقافة والتواصل.

في الطاقة، يستطيع الحزب الدفاع عن توسع الاستثمار في الطاقات المتجددة ومشاريع الهيدروجين الأخضر وتعزيز السيادة الطاقية.

لكن الناخب سيسأل عن أثر هذه المشاريع في فاتورة الكهرباء والمحروقات، وعن سبب عدم انعكاس انخفاض الأسعار الدولية دائما بالسرعة نفسها على السوق المحلية.

وفي الانتقال الرقمي، يمكن تقديم رقمنة الخدمات والاستثمار في ترحيل الخدمات والذكاء الاصطناعي باعتبارها فرصا للاقتصاد والتشغيل.

غير أن المواطن سيقارن ذلك بتجربته اليومية مع الإدارة، وتعطل المنصات، وتعدد الوثائق، وبقاء الفجوة الرقمية بين المدن والقرى.

أما في التشغيل، فسيجد الحزب نفسه أمام معضلة مشتركة مع الأغلبية كلها. لا يمكنه الدفاع عن برامج الإدماج والمقاولة من دون مواجهة معدل البطالة، ولا يمكنه تحميل قائد الحكومة المسؤولية كاملة بعدما أشرف على القطاع جزء مهم من الولاية.

الشباب.. من الاحتجاج إلى الإدماج

أولت المنصوري في خطابها الانتخابي أهمية للشباب الموجودين خارج الدراسة والتكوين والشغل. واعتبرت أن التعامل معهم لا يمكن اختزاله في المقاربة الأمنية، وأن غياب قاعدة بيانات موحدة يحول دون تقديم حلول تناسب أوضاعهم المختلفة.

هذا التشخيص يمنح الحزب مدخلا سياسيا مهما، خصوصا بعد موجات الاحتجاج ومحاولات الهجرة الجماعية التي كشفت حجم فقدان الأمل لدى فئات شابة.

لكن قوة التشخيص ستقاس بالنتائج. فقد كان «البام» داخل الحكومة التي تولت التشغيل والشباب والتعليم العالي والانتقال الرقمي، وهي قطاعات يفترض أن تتقاطع لإدماج هذه الفئة.

لذلك لن يكون كافيا القول إن المشكلة معقدة أو موزعة بين الوزارات. على الحزب أن يشرح لماذا لم ينجح التنسيق خلال خمس سنوات، وكيف سيحقق في الولاية المقبلة ما تعثر داخل الولاية الحالية.

النساء بين خطاب القيادة وخريطة الترشيحات

يقدم «البام» نفسه باعتباره الحزب الوحيد ضمن القوى الكبرى الذي تقوده امرأة فعليا، كما دفع بسبع نساء على الأقل إلى رئاسة لوائح محلية.

وتشمل الأسماء، إلى جانب المنصوري، نجوى كوكوس ومنال باديل وإيمان الماوي وحنان الماسي وزينب سيمو وبشرى الوردي.

هذا الحضور يتقدم عدديا على عدد من الأحزاب، لكنه لا يكفي وحده للحكم على تمكين النساء. الاختبار الحقيقي هو طبيعة الدوائر التي وضعت فيها المرشحات، والموارد التنظيمية التي وفرها الحزب لهن، وعدد اللوائح القابلة فعليا للفوز.

وتمنح قيادة المنصوري الحزب أفضلية رمزية في هذا الملف، لكنها ترفع مستوى التوقعات أيضا. فالحزب الذي تقوده امرأة سيحاسب بصورة أشد على مواقع النساء داخل هياكله ولوائحه المحلية، لا على حضورهن في اللوائح الجهوية فقط.

«الميركاتو».. قوة جاهزة أم أصوات مستعارة؟

اعتمد الحزب على استقطاب برلمانيين ومنتخبين ومرشحين من أحزاب أخرى، في واحدة من أوسع عمليات إعادة ترتيب الخريطة الحزبية قبل اقتراع 2026.

وتحدثت المنصوري عن التحاق خمسة برلمانيين بالحزب، إلى جانب منتخبين ووجوه محلية قدمت من تنظيمات مختلفة.

تعطي هذه الانتقالات «البام» مرشحين جاهزين وشبكات محلية وخبرة في إدارة الحملات. كما تسمح له بدخول دوائر لم يكن يمتلك فيها تنظيما قويا.

لكن الاستقطاب يحمل مخاطرتين. الأولى أن يتحول الحزب إلى تجمع للمرشحين القادرين على الفوز من دون رابط سياسي واضح بينهم. والثانية أن تنتقل إليه صراعات الوافدين وخصوماتهم المحلية بالسرعة نفسها التي انتقلت بها أصواتهم المفترضة.

كما أن انتقال المرشح لا يعني انتقال ناخبيه بصورة آلية. فقد يكتشف الحزب أن جزءا من القوة كان مرتبطا باللون الحزبي السابق، أو بتحالفات محلية لا يمكن نقلها، أو بمنافسين غادروا معه وأصبحوا يعملون ضده.

وإذا فاز الوافدون، ستنجح استراتيجية توسيع الخريطة. أما إذا خسروا، فقد يظهر أن «الميركاتو» ضخم صورة الحزب أكثر مما عزز رصيده الانتخابي.

فوزي لقجع.. استقطاب رمزي بلا ترشح

شكل التحاق فوزي لقجع بالحزب أحد أبرز مكاسب «البام» الرمزية قبل الانتخابات.

لكن لقجع قرر عدم الترشح، واختار دعم مرشح الحزب في بركان. وبذلك لن يقاس أثر انضمامه بمقعد شخصي، بل بقدرته على منح الحزب صورة الكفاءة التقنية واستقطاب فئات لا تنتمي إلى قواعده التقليدية.

وجود لقجع مفيد للحزب في تقديم نفسه تنظيما يجمع السياسيين والتقنوقراط والكفاءات. لكنه يظل رهانا رمزيا ما لم يتحول حضوره إلى أصوات أو إلى مساهمة واضحة في صياغة العرض الاقتصادي والتدبيري للحزب.

الداخلة.. حين تتحول الانتخابات إلى استفتاء محلي

اختار الحزب أن يمنح حملة الداخلة ثقلا وطنيا، بحضور قيادته ودعم مرشحه الخطاط ينجا القادم من حزب الاستقلال.

ويستند هذا الرهان إلى نفوذ محلي واسع وإلى موقع المرشح داخل تدبير الجهة والمدينة. لكنه يجعل الدائرة اختبارا للعلاقة بين قوة المنتخب وقوة الحزب.

إذا حافظ «البام» على موقعه، سيقدم الداخلة نموذجا لنجاح الجمع بين القيادة المحلية والدعم الوطني. أما إذا تراجعت النتيجة، فسيظهر أن الحضور الجماهيري في التجمعات لا يتحول دائما إلى أصوات، وأن التوازنات القبلية والمحلية تظل أكثر تعقيدا من الصور القادمة من المنصات.

برنامج طموح تحت سقف التحالفات

قدم الحزب برنامجا يقوم على خمسة تعاقدات وعشرين التزاما، ويركز على القدرة الشرائية والشباب والنمو والخدمات العمومية والسيادة الاستراتيجية.

وتقدر الكلفة الإضافية لتنفيذه بنحو 350 مليار درهم خلال خمس سنوات، وفق ما عرضه الحزب، بعد إعداد محاكاة مالية استغرقت نحو شهرين.

القيمة السياسية لهذا البرنامج أنه يمنح «البام» لغة خاصة يحاول التميز بها عن حليفيه. لكنه سيصطدم بمنطق التحالفات؛ فلا حزب يبدو قادرا بمفرده على تشكيل الحكومة، وأي أغلبية جديدة ستعيد التفاوض حول الأولويات والكلفة والجدولة.

وقد أقرت المنصوري بأن التحالفات قد تفرض تعديلات على البرنامج، مع تأكيدها أن الحزب لن يتنصل من وعوده. وهنا يقع الاختبار الحقيقي: ما هي الالتزامات التي يعتبرها الحزب خطوطا حمراء، وما الذي يمكنه التخلي عنه مقابل دخول الحكومة؟

التحالف مع الأحرار.. المسافة التي يصعب ضبطها

قالت المنصوري إن موقفها الشخصي لا يميل إلى المشاركة مجددا في حكومة يقودها التجمع الوطني للأحرار، لكنها شددت على أن القرار النهائي يعود إلى المجلس الوطني للحزب وعلى أن النتائج هي التي ستحدد التحالفات.

تسمح هذه الصيغة للحزب بمخاطبة الناخبين بصفته منافسا للأحرار، مع إبقاء باب التحالف مفتوحا بعد ظهور النتائج.

لكنها تحمل مخاطرة على مستوى الثقة. فإذا بالغ «البام» في انتقاد حليفه خلال الحملة ثم عاد إلى الحكومة نفسها، سيحتاج إلى تفسير سياسي مقنع. وإذا أغلق الباب نهائيا، فقد يقلص خياراته داخل خريطة برلمانية متقاربة.

لذلك يحاول الحزب بناء مسافة محسوبة: اختلاف من دون قطيعة، وتنافس من دون إسقاط الجسور، وتحميل للقطاعات مسؤوليتها من دون التنصل من الحكومة.

هل يستطيع «البام» الوصول إلى الصدارة؟

يمتلك الأصالة والمعاصرة عددا من عناصر القوة: المرتبة الثانية في انتخابات 2021، وشبكة من المنتخبين المحليين، ووزراء حاضرين في الواجهة، وقيادة دخلت مبكرا في إعداد الترشيحات، ووافدين عززوا خريطته في عدد من الدوائر.

كما يستفيد من غياب مرشح طبيعي واحد لرئاسة الحكومة لدى بعض منافسيه، ومن قدرة المنصوري على الجمع بين الخطاب الاجتماعي وإدارة التوازنات الداخلية.

لكن نقاط القوة نفسها قد تتحول إلى مصادر ضعف. فكثرة الوافدين ترفع خطر الصراع على التزكيات، وترشيح الوزراء يحول دوائرهم إلى محاكم للحصيلة، والقيادة الجماعية قد تواجه صعوبة تحديد المسؤولية عند الخلاف.

أما التحدي الأكبر فهو بناء قصة انتخابية مفهومة. لا يكفي أن يقول الحزب إنه شارك في الإنجازات ولم يكن مسؤولا عن الإخفاقات. ولا يكفي أن يقدم نفسه بديلا عن حكومة كان أحد أعمدتها.

حتى يقنع الناخبين، يحتاج «البام» إلى تحديد ما الذي أنجزه وزراؤه فعلا، وما الذي عارضه داخل الأغلبية، ولماذا لم يستطع تغييره، وما الذي سيفعله بطريقة مختلفة إذا قاد الحكومة.

في انتخابات 2026، لن يكون السؤال فقط عما إذا كان الحزب سيحافظ على مقاعده. سيكون السؤال إن كانت فاطمة الزهراء المنصوري قد بنت حزبا قادرا على تصدر النتائج، أم جمعت خريطة قوية من الوزراء والأعيان والوافدين يصعب تحويلها إلى مشروع سياسي واحد.

فالصدارة لا تحسم في التجمعات الكبرى ولا في عدد الملتحقين، بل في الدوائر التي لا تتسع إلا لمقعد أو مقعدين، وفي قدرة الحزب على الاحتفاظ بمعاقله والفوز في المناطق التي دخلها بمرشحين جدد.

هناك، تحديدا، سيتبين إن كان «البام» قد صنع بديلا من داخل الحكومة، أم أنه سيظل شريكا قويا يبحث عن موقع أفضل داخل أغلبية جديدة.

مساحة إعلانية متاحةspot_imgspot_img