في إطار ملف «عين على 23 شتنبر»، تواصل «المحيط» قراءة البرامج الانتخابية للأحزاب، وتتوقف في هذه الحلقة عند الاتحاد الدستوري، الذي يقدم عرضه تحت شعار «من أجل مغرب بسرعة واحدة». شعار يضع تقليص الفوارق الاجتماعية والترابية في واجهة برنامج يتمسك بالمبادرة الخاصة، ويمنح الدولة مسؤولية تنظيم السوق وضمان الخدمات وحماية الفئات الهشة.
تقوم الوثيقة على أربعة التزامات كبرى: اقتصاد منتج يوفر الشغل ويحمي القدرة الشرائية، ودولة للإنصاف والحماية الاجتماعية، وتنمية تقوم على الجهات والعدالة المجالية، ومؤسسات تعزز الثقة والإشعاع الخارجي. وتضيف إليها سياسات قطاعية وتصوراً لمواجهة الأزمات، قبل أن تخصص قسمها الأخير للحكامة والتنفيذ والمحاسبة.
ومن خلال هذا البناء، يحاول الحزب الإجابة عن سؤال يتجاوز حجم النمو: كيف تصل ثماره إلى الأسر والمناطق التي لا تستفيد بالقدر نفسه من الاستثمار والخدمات؟
ليبرالية لا تستغني عن الدولة
يعلن الاتحاد الدستوري انطلاقه من مرجعية «الليبرالية الاجتماعية». وترجمتها في البرنامج هي منح المقاولة دوراً أساسياً في الإنتاج والتشغيل، مقابل دولة تضبط المنافسة وتمنع الامتيازات غير المبررة وتتدخل في القطاعات الاستراتيجية.
لذلك، يجمع بين تخفيف الأعباء الإدارية والجبائية عن المقاولات الصغيرة والمتوسطة، وتقوية أجهزة الرقابة ومحاربة الاحتكار وتضارب المصالح. فالحرية الاقتصادية التي يدافع عنها لا تعني، في تصوره، ترك السوق لمن يملك قدرة أكبر على التحكم فيها.
وتظهر بعض المقترحات الأكثر تحديداً في علاقة المستثمر بالإدارة: تقليص الوثائق، وتوسيع العمل بالتصريح بدل الترخيص حيثما أمكن، واعتماد آجال ملزمة للجواب، وإقرار الموافقة الضمنية في بعض المساطر، مع إتاحة تتبع الملفات رقمياً.
ويقترح الحزب أيضاً تسهيل وصول المقاولات الصغيرة والمتوسطة إلى الصفقات العمومية، وتقوية استقلالية مجلس المنافسة وصلاحياته الرقابية والزجرية. وبذلك يربط تشجيع الاستثمار بإزالة الحواجز الإدارية وبضمان ألا تتحول المنافسة إلى امتياز لفائدة الفاعلين الأقوى.
التشغيل معياراً للاستثمار
في ملف الشغل، يراهن البرنامج على ربط التحفيزات الاستثمارية بإحداث الوظائف، ودعم القطاعات كثيفة التشغيل، ومواكبة الولوج إلى أول عمل، وتحسين الوساطة والتكوين وإعادة التأهيل.
كما يقترح توسيع تمويل المشاريع الناشئة، وتطوير آليات الضمان لفائدة الشباب الذين لا يتوفرون على ضمانات كافية، إلى جانب تنويع أدوات التمويل وتعزيز المنافسة داخل القطاع البنكي.
ويمنح الصناعة موقعاً مهماً، من خلال رفع الإدماج المحلي، وتشجيع إنتاج المدخلات والمواد الوسيطة، وتقوية العلاقة بين البحث الجامعي والمقاولة. أما الاقتصاد غير المهيكل، فيقترح إدماجه تدريجياً باستعمال التبسيط والتحفيزات الجبائية المؤقتة والمواكبة، بالتوازي مع حماية شروط المنافسة.
تلتقي هذه الإجراءات عند فكرة واحدة: ألا يقاس نجاح الاستثمار بحجم الأموال المعلنة وحده، بل بما يخلقه من عمل وإنتاج داخل البلاد. غير أن الوثيقة لا تربط هذا التوجه بهدف إجمالي محدد لعدد الوظائف، وهو ما يترك حجم النتيجة المنتظرة أقل وضوحاً من الوسائل المقترحة لبلوغها.
القدرة الشرائية من باب الأسعار والخدمات
يعالج الاتحاد الدستوري القدرة الشرائية عبر تقوية الإنتاج والمنافسة وتحسين التوزيع، إلى جانب دعم الدخل. ويقترح الحد من الوسطاء غير المنتجين، ومحاربة الممارسات الاحتكارية، وتشجيع إنتاج المواد الأساسية محلياً حين تتوفر شروط التنافسية، واستعمال الأداة الجبائية لتخفيف الضغط عن الأسر والطبقة الوسطى.
ولا يقدم في هذا المحور زيادة موحدة ومحددة القيمة للأجور، بل يبني تصوره على تقليل ما تتحمله الأسرة من كلفة في السوق وفي الخدمات.
وتبرز هنا الصلة بين اختياره الاقتصادي وعرضه الاجتماعي. فتحسين المدرسة والمستشفى والنقل العمومي يمكن أن يخفف نفقات الأسر، حتى حين لا يتغير دخلها مباشرة.
لكن أثر إصلاح المنافسة والإنتاج يحتاج إلى وقت. ولذلك يظل التحدي في المسافة بين إجراءات هيكلية ينتظر منها كبح الغلاء، والحاجة الآنية لأسر تبحث عن تحسن ملموس في ميزانيتها الشهرية.
الصحة.. من التغطية إلى العلاج
يقدم البرنامج في الصحة تصوراً يتجاوز توسيع التسجيل في التأمين الإجباري عن المرض، ليركز على الولوج الفعلي إلى العلاج، وتقليص ما يؤديه المريض من جيبه، خصوصاً في حالات الأمراض المزمنة.
ويقترح زيادة مهمة وتدريجية في ميزانية القطاع في أفق 2031، ضمن برمجة متعددة السنوات تعطي الأولوية للموارد البشرية والرعاية الأولية والوقاية والبنيات الصحية.
كما يدعو إلى جعل طب الأسرة مدخلاً لمسار علاجي منسق، وإرساء نظام وطني موحد للمواعيد، وتوزيع أكثر إنصافاً للأطر والتخصصات، مع تحفيز العمل في المناطق التي تعاني الخصاص.
وتشمل المقترحات ملفاً صحياً إلكترونياً موحداً، ومخزوناً استراتيجياً من الأدوية الأساسية، ودعم الصناعة الدوائية الوطنية، وميثاقاً لحقوق المرضى، ونشر مؤشرات عن الجودة والانتظار والاستفادة من الخدمات.
هنا تصبح المحاسبة مرتبطة بتجربة المريض: هل حصل على موعد وعلاج قريبين؟ وهل تقلصت كلفتهما؟ غير أن الزيادة الموعودة في الميزانية لا تقترن بمبلغ أو نسبة، كما لا تحدد الوثيقة سقفاً زمنياً للانتظار، بما يترك هذه الالتزامات في حاجة إلى تقدير مالي وأهداف تشغيلية أدق.
التعليم والحماية.. كلفة العيش أيضاً
في التعليم، يربط الحزب إصلاح المدرسة بتحسين التعلمات الأساسية واللغات والمهارات الرقمية، وتأهيل المدرسين، وتعميم تعليم أولي ذي جودة، وتقوية التوجيه والتكوين المهني.
ويمتد عرضه إلى الجامعة عبر تحديث المسالك، ودعم البحث العلمي ومنح الدكتوراه، وتطوير العلاقة مع المقاولات، وتحسين السكن والإطعام والنقل والخدمات الصحية والنفسية للطلبة، مع الرفع من المنح دون تحديد قيمتها.
وتكشف هذه الاختيارات أن تكافؤ الفرص لا يقتصر، في البرنامج، على توفير مقعد دراسي. فالقدرة على الاستمرار في الدراسة ترتبط أيضاً بما يستطيع الطالب وأسرته تحمله من مصاريف.
وينسحب المنطق نفسه على الحماية الاجتماعية، التي يقدمها الحزب باعتبارها مساراً للإدماج وليس دعماً مالياً فقط. ويشمل ذلك حماية الطبقة الوسطى من التراجع الاجتماعي، وتيسير السكن والنقل، وصون القدرة الشرائية للمتقاعدين، وتعزيز استقلالية الأشخاص في وضعية إعاقة وولوجهم إلى التعليم والعمل والمرافق.
الجهات في صلب الشعار
يجد شعار «مغرب بسرعة واحدة» أوضح تعبير له في مقترحات الجهوية. فالبرنامج يدعو إلى نقل صلاحيات تنفيذية فعلية إلى الجهات، وتمكينها من موارد مالية مستقرة، وتنويع مواردها الجبائية، وتوضيح المسؤوليات بينها وبين الإدارة المركزية.
ويربط هذه الصلاحيات ببناء أقطاب اقتصادية جهوية تستثمر مؤهلات كل منطقة، وتطوير مناطق صناعية وربط طرقي ولوجستي يدفع الاستثمار إلى خارج محاوره التقليدية.
أما المجالات القروية والجبلية والواحية، فيخصها بتحسين الخدمات الأساسية وفك العزلة والربط الرقمي ودعم الأنشطة المحلية والسياحة والفلاحة الصغيرة والمتوسطة.
بهذا المعنى، لا يقترح الحزب تنمية متطابقة في كل الجهات، وإنما فرصاً أكثر تقارباً، تسمح للساكنة بالعمل والاستقرار دون أن تكون الهجرة إلى المراكز الكبرى شرطاً لتحسين العيش.
لكن نقل القرار يقتضي نقل الموارد والكفاءات أيضاً. فصلاحيات أوسع لا تضمن وحدها خدمات أفضل إذا بقيت الجهات الأقل تجهيزاً أضعف قدرة على إعداد المشاريع وتنفيذها.
الاستعداد للأزمات ضمن العرض الانتخابي
يخصص البرنامج حيزاً لمواجهة الكوارث والتقلبات المناخية والصدمات الاقتصادية. ويقترح تطوير الإنذار المبكر، وتكوين فرق متخصصة جهوياً، وتوحيد التنسيق في حالات الطوارئ، وإدماج المخاطر المناخية في تخطيط المشاريع والبنيات التحتية.
وفي مواجهة الاضطرابات الخارجية، يدعو إلى تقوية المخزون الاستراتيجي للمواد الأساسية وتنويع مصادر التزود وتطوير البدائل الوطنية.
ويكمل ذلك مقترحات الماء، من التخزين والتحلية وإعادة استعمال المياه إلى تحسين النجاعة. فتأمين التنمية، وفق هذا التصور، لا ينفصل عن حماية ما تحقق من آثار الجفاف والكوارث واضطراب الأسواق.
التنفيذ.. التزام يحتاج إلى تفاصيله
في القسم الأخير، يتعهد الاتحاد الدستوري بربط كل إصلاح بجهة مسؤولة وأهداف ومؤشرات وآجال، واعتماد تقييم دوري ونشر نتائجه، وتطوير منصات لتتبع المشاريع وتحسين نجاعة الإنفاق.
لكنه ينص أيضاً على ترجمة أولويات الوثيقة إلى برنامج تنفيذي محدد في حال تحمل مسؤولية التدبير الحكومي. وهنا يظهر الحد الفاصل بين العرض الانتخابي وخطة الإنجاز التي يعد بإعدادها لاحقاً.
فالوثيقة توضح الاتجاهات وأدوات الإصلاح، لكنها لا تقدم كلفة إجمالية موزعة على الالتزامات، ولا جدولة تفصيلية تسمح بمقارنة حاجاتها التمويلية بما تعد به من تخفيف للأعباء الجبائية وحفاظ على التوازنات المالية.
هذا لا يلغي قيمة المقترحات الإجرائية، لكنه يجعل ترتيب الأولويات حاسماً: ما الذي سيبدأ أولاً، وبأي موارد، وما النتائج التي يمكن انتظارها خلال الولاية؟
يراهن الاتحاد الدستوري، في النهاية، على الجمع بين اقتصاد أكثر حرية ودولة أكثر إنصافاً. وسيكون المعنى العملي لشعاره في قدرة هذا الجمع على تقليص الفارق بين جهات تجذب الاستثمار وأخرى تنتظره، وبين تغطية اجتماعية معلنة وخدمة يحصل عليها المواطن فعلاً.


