بعد تحليل موازين التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة، تواصل «المحيط»، ضمن ملف «عين على 23 شتنبر»، قراءة استعدادات الأحزاب للانتخابات التشريعية وفق ترتيبها في اقتراع 2021.
نصل في هذه الحلقة إلى ميزان حزب الاستقلال، الذي يدخل المنافسة برصيده التاريخي وانتشاره الوطني وحضوره الحكومي، رافعا شعار «وطني مستقبلي»، في محاولة للجمع بين مرجعيته السياسية وانتظارات مرحلة جديدة.
ينطلق الحزب من 81 مقعدا حصل عليها في الانتخابات السابقة، ومن شبكة تنظيمية وانتخابية ممتدة. وبينما يستحوذ السجال بين الأحرار والبام على جانب من الاهتمام الإعلامي، تظل معركة الصدارة أوسع من المواجهة بينهما. فالاستقلال يملك عناصر قوة تستحق قراءة مستقلة، من حضور الفروع والمنتخبين إلى تواصل قيادته وقدرتها على تعبئة أجيال مختلفة.
لكن تحويل هذه العناصر إلى تقدم انتخابي يمر عبر اختبارات متزامنة: حماية القواعد، وإنجاح الترشيحات الجديدة، والدفاع عن الحصيلة الحكومية، وإقناع ناخبين يريدون معرفة ما سيغيره التصويت في حياتهم.
انتشار وطني يربط التاريخ بالميدان
تتشكل إحدى أهم نقاط قوة الاستقلال في امتداده التنظيمي عبر مختلف جهات المملكة. فقد راكم الحزب، على مدى عقود، شبكة من الفروع والمفتشيات والمنظمات الموازية والروابط المهنية، تمنحه حضورا يتجاوز مواسم الانتخابات.
ويظهر هذا الامتداد في قدرته على جمع مناضلين ومنتخبين وأطر من أقاليم متعددة، وفي استمرار العلاقة بين التنظيم المركزي ومستوياته المحلية. وقد عكس المؤتمر الثامن عشر سنة 2024 جانبا من هذه القاعدة، بمشاركة 3600 مؤتمر ومؤتمرة، وفق معطيات الحزب.
وتكمن القيمة السياسية لهذا الانتشار في الوظائف التي يؤديها. فالفرع النشط يعرف تحولات الدائرة ومطالب سكانها، ويحافظ على العلاقة بالمنخرطين، ويساعد على اختيار المرشحين وتنظيم الحملة. كما يتيح المقر المحلي فضاء للتواصل والتأطير، حين يستمر نشاطه بين استحقاقين.
وتمنح الذاكرة الحزبية هذا العمل عمقا إضافيا. ففي مناطق عديدة، يرتبط الاستقلال بمسارات عائلية ونضالية وانتخابية متراكمة، ويجد المرشح قاعدة تعرف الرمز قبل أن تتعرف إلى اسمه. وهذه صلة يمكن أن تساعد الحزب على تجاوز تبدل الأشخاص، متى احتفظ التنظيم بحيويته.
وتكشف نتائج 2021 جانبا من هذه القوة، إذ حصل الحزب على 5600 مقعد جماعي و144 مقعدا جهويا. وهي شبكة من المنتخبين تستطيع أن تسند المنافسة التشريعية بخبرة محلية وقدرة على التعبئة.
غير أن الرصيد التاريخي يحتاج إلى تحيين مستمر. فالمنتخب قد يغادر، والفرع قد يتراجع نشاطه، والأحياء الجديدة تستقبل ناخبين لا يحملون العلاقة نفسها بتاريخ الحزب. لذلك ترتبط فاعلية الانتشار بقدرة التنظيم على استيعاب التحولات، وفتح المجال أمام وجوه وتجارب جديدة.
ومن هنا يكتسب شعار «وطني مستقبلي» دلالته الانتخابية. فهو يصل المرجعية الوطنية للحزب بوعد موجه إلى المستقبل، لكن نجاح هذا الربط يتوقف على مضمونه: كيف يتحول الانتماء إلى فرص؟ وكيف يصبح التاريخ سندا لتجديد العرض السياسي؟
بركة.. التواصل بين الأجيال ورهان الثقة
إلى جانب التنظيم، يبرز الحضور التواصلي لنزار بركة ضمن الموارد السياسية التي يستثمرها الحزب. وتكشف محطات السنوات الثلاث الأخيرة مسارا يجمع اللقاءات المحلية والاجتماعات التنظيمية والنقاش مع الشباب، بما يوسع المساحات التي يتحرك فيها خطابه.
فمن اللقاء المفتوح بالعرائش سنة 2023 إلى النقاشات التفاعلية مع الشباب، يظهر توجه إلى وصل القضايا الوطنية بالانتظارات المباشرة. وفي هذه المساحات، ينتقل الحديث من التوازنات الاقتصادية إلى التشغيل، ومن الاستثمار إلى الطريق والماء والخدمات.
وتبدو أهمية هذا الأسلوب في قدرته على مخاطبة دوائر مختلفة داخل الحزب ومحيطه. فالمناضل القديم يستمع إلى خطاب المرجعية والاستمرارية، والمنتخب المحلي يبحث عن أجوبة تخص التنمية، بينما يسأل الشباب عن العمل والاستقلال الاقتصادي وفرص المشاركة.
إقرأ أيضا: الأحرار في انتخابات 2026.. الحصيلة والترحال يختبران رهان الصدارة
وقد تحدث بركة عن تنظيم «مقهى السياسات التفاعلي»، بمشاركة وزراء الحزب، للإجابة عن أسئلة الشباب بشأن التعليم والصحة والتشغيل والفوارق المجالية. كما قال إن إعداد الالتزامات الشبابية استند إلى تشخيص ميداني خلال سنة 2025 شمل، بحسب معطيات الحزب، نحو 15 ألف شاب وشابة عبر 600 جماعة ومدينة.
تتيح هذه المبادرات قراءة سعي القيادة إلى بناء علاقة تتجاوز الخطاب من المنصة. فاللقاء المباشر يسمح باختبار الأولويات، والتعرف إلى الاعتراضات، وتفسير ما تحقق وما تعثر، إذا وجد المشاركون مساحة فعلية للسؤال والمناقشة.
لكن الأثر الانتخابي لهذا التواصل يتحدد خارج دائرة الحضور وحدها. فالمهمة الأصعب هي الوصول إلى الشباب المترددين والناخبين الذين لا ينتمون إلى الحزب، وإقناعهم بأن الإنصات يفضي إلى تغيير في القرار والتمثيل والسياسات.
ويتصل بذلك حديث بركة عن أزمة الثقة والشعور بعدم تكافؤ الفرص عند مناقشة الهجرة. يمنحه هذا التشخيص مجالا لمخاطبة الإحباط الاجتماعي، ويجعله في الوقت نفسه مطالبا بتفسير ما فعله الحزب من داخل الحكومة لمعالجة أسبابه.
وبذلك يصبح التواصل رصيدا ومسؤولية معا. فكلما اتسعت قنوات الحوار، ارتفع انتظار الجمهور لنتائج يمكن ملاحظتها، سواء في البرنامج أو التزكيات أو الخدمات.
التزكيات.. حماية القواعد وتوسيع فرص الفوز
تجمع خريطة الترشيحات بين المحافظة على وجوه محلية واستقطاب أسماء من أحزاب أخرى. وهي معادلة تسعى إلى توسيع فرص الاستقلال، لكنها تحتاج إلى إدارة دقيقة للعلاقة بين المرشح والتنظيم.
في سلا المدينة، يمنح انتقال إدريس السنتيسي من الحركة الشعبية إلى الاستقلال فرصة لإعادة ترتيب المنافسة. وكان حزب الميزان قد حل خامسا سنة 2021 بـ5428 صوتا، خلف الحركة الشعبية التي حصلت على المقعد الرابع بـ5862 صوتا.
الفارق التاريخي، البالغ 434 صوتا، يجعل الدائرة جديرة بالمتابعة، لكنه لا يحسم اتجاهها الجديد. فالمرشح يحتاج إلى الاحتفاظ بقاعدته، والحزب يحتاج إلى تعبئة تنظيمه خلفه، بينما يخوض المنافسون بدورهم معركة لاستقطاب الأصوات.
وفي الناظور، رافقت تزكية محمادي توحتوح، القادم من الأحرار، اعتراضات داخلية. وتكشف الحالة أن اختيار اسم قادر على المنافسة يظل محتاجا إلى قبول تنظيمي، حتى لا تستنزف الخلافات جزءا من القوة التي كان يفترض أن يضيفها الوافد.
أما وادي الذهب، فتقدم معادلة متحركة بعد انتقال الخطاط ينجا من الاستقلال إلى البام، والتحاق امبارك حمية بالاستقلال قادما من الأحرار. وفي دائرة من مقعدين، يتعين على الحزب تعويض أثر المغادرة واستثمار الالتحاق في الوقت نفسه.
وفي طرفاية، يدافع عبد الله بيلات عن موقع الحزب أمام منافسة تشمل عبد الحي حرطون عن البام ومحمد سالم باهية عن الأحرار. وهنا تضيق مساحة الفوز، لأن التنافس يجمع ثلاثة أحزاب من الأغلبية على مقعدين.
وتحمل تاونات–تيسة تحديا مختلفا، بعدما استقر الاختيار على عبد الحفيظ الإدريسي البوزيدي إثر انسحاب محمد سوفان، بينما انتقل خالد زاهر، مرشح الاستقلال في الانتخابات السابقة، إلى الاتحاد الاشتراكي.
توضح هذه الحالات أن التقدم الوطني يتشكل من محصلات محلية متباينة. فقد يكسب الحزب مرشحا في دائرة، ويحتاج إلى تعويض مغادرة في أخرى. وقد يحافظ على اسمه، لكن تتغير قوة منافسيه أو درجة انخراط تنظيمه.
لذلك لا يقاس نجاح التزكيات بعدد الأسماء البارزة وحده. المعيار هو قدرة الحزب على جمع الموارد حول اللائحة، واحتواء الخلافات، وتحويل الانتماء الجديد إلى عمل انتخابي مشترك.
ويمتد الاختبار إلى الشباب والنساء. فخطاب التجديد يحتاج إلى مواقع قابلة للمنافسة ودعم فعلي للحملة، حتى يصبح الانفتاح طريقا إلى المسؤولية داخل الحزب والمؤسسات المنتخبة.
الحصيلة الحكومية في مواجهة أسئلة الدوائر
يدفع الاستقلال بأربعة أعضاء في الحكومة إلى صدارة لوائح محلية: نزار بركة، ورياض مزور، وعبد الصمد قيوح، وعمر حجيرة. وهم ثلاثة وزراء وكاتب دولة، يجمعون بين الدفاع عن اختيارات الحزب وشرح حصيلة قطاعاتهم.
في العرائش، يخوض بركة معركة ذات وزن رمزي، بعدما حصل على 24676 صوتا سنة 2021. وقد تغيرت خريطة منافسيه، التي تضم عبد الحكيم الأحمدي عن الأحرار وزينب السيمو عن البام وأسماء أخرى، داخل دائرة من أربعة مقاعد.
وتمنحه حقيبة التجهيز والماء مجالا لعرض مشاريع ذات أثر مباشر. لكنها تجعل مطالب السكان المتعلقة بالتزويد بالماء وفك العزلة وجودة الطرق وآجال الإنجاز أكثر التصاقا باسمه.
اقرأ أيضا: البام في انتخابات 2026.. رهان الصدارة من داخل الحكومة
وهنا يحتاج الدفاع عن الحصيلة إلى التمييز بين المشروع المنجز والورش الجاري، وبين أثر الاستثمار وأثر التساقطات. فالناخب يستطيع تقدير حجم المجهود، لكنه سيقيس النتيجة أيضا بما تغير في محيطه.
وفي بنسليمان، يترشح رياض مزور داخل دائرة من ثلاثة مقاعد، يستند فيها إلى رصيد استقلالي وإلى منتخبين جماعيين ضمن لائحته. ويصبح اختباره شرح العلاقة بين الحصيلة الصناعية الوطنية والفرص الاقتصادية المتاحة لسكان الإقليم.
هل وصلت الاستثمارات إلى الشباب المحلي؟ وهل خلقت وظائف مستقرة؟ وهل استفادت منها المقاولات الصغيرة؟ تحدد هذه الأسئلة المسافة بين المؤشرات التي يقدمها الوزير والتجربة التي يعيشها الناخب.
وفي تارودانت الجنوبية، يجمع عبد الصمد قيوح بين شبكة محلية ومسؤوليته عن النقل واللوجستيك. وتظل كلفة التنقل والربط بين المناطق والوصول إلى الخدمات قضايا ذات وزن في إقليم واسع ومتفاوت التضاريس.
أما عمر حجيرة، فيربط عرضه بوجدة بالاستثمار والتشغيل والخدمات، مستفيدا من تجربته المحلية ومسؤوليته في التجارة الخارجية. ويتوقف أثر هذا الجمع على قدرته على بيان ما يضيفه إلى آفاق المدينة.
وتمتد مسؤولية الحزب إلى التضامن والأسرة والإدماج الاجتماعي، حيث تقاس الحصيلة بوصول الخدمات إلى المستفيدين وجودتها واستمرارها، خصوصا لدى النساء والأطفال وكبار السن والأشخاص في وضعية إعاقة.
لذلك يحتاج الاستقلال إلى رواية واضحة عن مشاركته الحكومية، تشرح المنجز والمتعثر وأسباب التأخر. فالحزب الذي يقترح محاربة الريع وتحسين القدرة الشرائية وتقوية المرفق العمومي سيواجه سؤالا عن حدود ما استطاع تحقيقه خلال الولاية المنتهية.
معركة الصدارة.. كيف يمكن أن يصنع الاستقلال المفاجأة؟
دفع السجال بين الأحرار والبام بالتنافس على المرشحين والبرامج والحصيلة إلى الواجهة. وفي هذا السياق، يتيح خطاب بركة الداعي إلى التنافس بالاحترام المتبادل وتشكيل أغلبية قوية للاستقلال مساحة لتقديم عرضه الخاص.
لكن الاستفادة من توتر الحليفين ليست تلقائية. فقد يقود السجال إلى تعبئة قواعدهما، كما قد يفتح مجالا أمام الاستقلال لمخاطبة ناخبين يريدون أجوبة أكثر اتصالا بانشغالاتهم. وما يحسم هذا الاحتمال هو العمل داخل الدوائر.
وتقوم إمكانية المفاجأة على اجتماع ثلاثة شروط: الحفاظ على المواقع الأساسية، وتحقيق مكاسب إضافية، وتحويل الحضور التنظيمي والتواصلي إلى مشاركة يوم الاقتراع. أما تعويض الخسائر وحده، فقد يحافظ على الحجم من دون أن يغير الترتيب.
ويمكن أن يحقق الحزب تقدما يرفع وزنه في مفاوضات الأغلبية، حتى إذا لم يتصدر النتائج. وقد ينتهي الاقتراع برصيد قريب من السابق، لكن بخريطة مختلفة تزداد فيها مساهمة مدن ودوائر وتتراجع أخرى.
أما قيادة الحكومة، فتتطلب تصدر انتخابات مجلس النواب، وفق الفصل 47 من الدستور. ولذلك يرتبط هذا المسار بمكاسب صافية وبنتائج المنافسين، ولا يمكن استخلاصه من قوة التنظيم أو السجال بين الحلفاء وحدهما.
كما أن خلافات الحملة لا تحسم مسبقا شكل الأغلبية المقبلة. فالنتائج ستحدد الأوزان، ثم تأتي قرارات المؤسسات الحزبية والمفاوضات. وكلما عزز الاستقلال تمثيله، اتسع هامشه في التأثير على أولويات الحكومة وتوزيع المسؤوليات داخلها.
وفي المقابل، قد يتعرض الحزب للضغط إذا تعثرت عملية دمج الوافدين، أو ضعفت تعبئة الفروع، أو أصبحت محاسبة الحكومة أشد تأثيرا من قوة المرشحين. وتزداد كلفة هذه العوامل في الدوائر ذات المقعدين، حيث يضيق هامش تعويض الأخطاء.
يمتلك الاستقلال مقومات تجعله طرفا كاملا في معركة الصدارة: انتشارا وطنيا، وخبرة انتخابية، وتنظيما متراكما، وقيادة تعمل على توسيع قنوات التواصل. لكن قوة هذه العناصر تظهر حين تعمل معا، ويستطيع الحزب تحويلها إلى اقتناع يتجاوز قواعده المعتادة.
وفي 23 شتنبر، سيخضع شعار «وطني مستقبلي» لاختبار انتخابي مباشر: هل ينجح الاستقلال في وصل رصيده التاريخي بتطلعات الناخبين، وفي تحويل حضوره على الأرض إلى تقدم في صناديق الاقتراع؟ هناك تتحدد قدرته على صنع المفاجأة وإعادة ترتيب موازين الأغلبية.


