المغرب يعيد رسم خريطة موردي الذرة.. لماذا تتقدم الأرجنتين؟

ارتفعت واردات المغرب من الذرة الأرجنتينية بنسبة 133 في المائة خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026، لتصل إلى نحو 1.55 مليون طن، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، في قفزة تعزز موقع الأرجنتين ضمن خريطة موردي المملكة.

وتستند هذه الأرقام إلى بيانات المعهد الوطني للإحصاء في الأرجنتين، في وقت ارتفعت فيه صادرات البلاد من الذرة نحو شمال إفريقيا بنسبة 45 في المائة، لتبلغ نحو 6.5 ملايين طن.

لكن القفزة المغربية لا تعني أن الأرجنتين أزاحت الموردين الآخرين. فالمغرب يواصل شراء الذرة من أسواق أخرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، ما يشير إلى توسيع دائرة الموردين في وقت تتغير فيه تجارة الحبوب العالمية بسرعة.

وتتجه الأرجنتين إلى موسم استثنائي، مع إنتاج يقدر بنحو 71.7 مليون طن من الذرة، ما وفر كميات كبيرة للتصدير ومنحها قدرة أكبر على المنافسة.

والمغرب ليس وحده في هذا الاتجاه، إذ رفعت دول أخرى في شمال إفريقيا بدورها مشترياتها من الذرة الأرجنتينية.في المقابل، لم تعد منطقة البحر الأسود توفر الاستقرار نفسه الذي عرفته تجارة الحبوب لسنوات.

فالحرب في أوكرانيا والهجمات التي طالت منشآت مرتبطة بالتصدير جعلت حركة الشحن أكثر تعقيدا، فيما واجهت بعض المسارات البديلة صعوبات إضافية.

وبالنسبة إلى المستوردين، لم يعد السعر وحده يحسم الصفقة.

موعد وصول الشحنة وتكلفة النقل وتوفر الكميات أصبحت جميعها جزءا من الحساب، وهو ما يجعل أمريكا الجنوبية بابا إضافيا للمغرب عندما تضيق الخيارات في أسواق أخرى.

ويخدم الأرجنتين أيضا تحول يجري لدى منافستها الكبرى البرازيل، التي تستهلك كميات أكبر من الذرة في السوق الداخلية، خصوصا مع توسع صناعة الإيثانول.

وبلغ استهلاكها خلال موسم 2025-2026 نحو 98 مليون طن، ما يترك مساحة أكبر أمام المصدرين الأرجنتينيين في الأسواق الخارجية.

وتقدر وزارة الزراعة الأمريكية واردات المغرب من الذرة خلال موسم 2025-2026 بنحو 3.5 ملايين طن، بعدما رفعت توقعاتها السابقة البالغة 3.3 ملايين طن.

وفي الوقت نفسه، سجل المغرب ارتفاعا في مشترياته من الولايات المتحدة.

وهذه نقطة مهمة في قراءة الأرقام.

فصعود الأرجنتين لا يعني بالضرورة استبدال مورد بآخر، بل إن الصورة الأقرب هي أن المملكة توسع خريطة الشراء، بحيث لا تضع احتياجاتها في سوق واحدة.

وفي سوق يمكن أن تقلبها حرب أو موجة جفاف أو اضطرابات في الشحن، يصبح تعدد الموردين هامش أمان إضافيا.

فإذا تعثرت سوق، تظل هناك أسواق أخرى يمكن اللجوء إليها.ولا تنتهي أهمية هذا التحول عند الموانئ.

فالذرة مكون رئيسي في صناعة الأعلاف، والأعلاف بدورها جزء أساسي من تكلفة إنتاج الدواجن والبيض واللحوم، ما يجعل تحولات سوق الذرة مرتبطة في النهاية بسلسلة غذائية واسعة داخل المغرب.

لكن زيادة الاستيراد من الأرجنتين لا تعني تلقائيا انخفاض الأسعار.

فبين سعر الذرة عند المصدر وما يدفعه المستهلك توجد تكاليف الشحن والطاقة والصرف والتصنيع والتوزيع، لذلك لا يمكن ربط القفزة الحالية مباشرة بانخفاض محتمل في أسعار الدجاج أو البيض.

ما تمنحه خريطة الموردين الأوسع هو قدرة أكبر على الاختيار بين الأسواق والتفاوض وتقليل مخاطر تعطل الإمدادات.

وهنا تصبح قصة ارتفاع الواردات بنسبة 133 في المائة أكبر من رقم تجاري.

فالأمن الغذائي لا يتعلق فقط بالقدرة على شراء الحبوب، بل أيضا بتوفر البدائل عندما تتعطل السوق التي اعتاد المستورد الشراء منها.

قفزة الذرة الأرجنتينية تكشف أن خريطة موردي المغرب تتحرك بالفعل.

وفي عالم تعيد فيه الحروب والمناخ وتحولات الطلب رسم طرق الحبوب، لم يعد المورد الأرخص وحده هو المهم، بل أيضا المورد القادر على إيصال الشحنة عندما يحتاج إليها المغرب.

مساحة إعلانية متاحةspot_imgspot_img