بعد التجمع الوطني للأحرار، والأصالة والمعاصرة، والاستقلال، والاتحاد الاشتراكي، والحركة الشعبية، والتقدم والاشتراكية، والاتحاد الدستوري، تصل سلسلة «المحيط» ضمن ملف «عين على 23 شتنبر» إلى حزب العدالة والتنمية، صاحب المركز الثامن في انتخابات 2021.
لا يدخل أي حزب انتخابات 2026 بفارق كبير بين موقعه الحالي وسقف طموحه مثل العدالة والتنمية.
فالحزب الذي لم يحصل قبل خمس سنوات سوى على 13 مقعدا، يقول أمينه العام عبد الإله بنكيران إنه يريد العودة إلى المركز الأول.
بين الرقمين تقع معركة تتجاوز استعادة بضعة مقاعد.
فالعدالة والتنمية يخوض الانتخابات لاسترجاع مكانته داخل الخريطة الحزبية، وإثبات أن انهياره سنة 2021 كان عقابا انتخابيا يمكن تجاوزه، لا نهاية دورة سياسية بدأت بوصوله إلى رئاسة الحكومة سنة 2011.
لكن العودة لا تصنعها التجمعات الخطابية وحدها.
سيكون على الحزب تحويل الحضور الجماهيري لبنكيران إلى أصوات، واستعادة دوائر خسر فيها قواعده المحلية، وإقناع ناخبين غير راضين عن الحصيلة الحكومية بأنه يمثل البديل، من دون أن ينسوا أنه قاد الحكومة طوال عشر سنوات.
من 125 مقعدا إلى 13.. هزيمة لم تغلق الملف
تصدر العدالة والتنمية انتخابات 2011 بحصوله على 107 مقاعد، ثم رفع حصيلته إلى 125 مقعدا سنة 2016. لكن انتخابات 2021 دفعته إلى المركز الثامن بثلاثة عشر مقعدا فقط، أربعة منها عبر الدوائر المحلية وتسعة عبر الدوائر الجهوية.
تكشف هذه الأرقام حجم الانهيار الذي تعرض له الحزب. فهو لم يفقد رئاسة الحكومة وكتلته البرلمانية الكبيرة فقط، بل خسر القدرة على الفوز المباشر داخل معظم الدوائر التي شكلت معاقله الحضرية.
كان التصويت العقابي واضحا، لكنه لم يكن نتيجة عامل واحد. فقد أدى طول البقاء في الحكومة إلى تحميل الحزب كلفة قرارات اجتماعية واقتصادية غير شعبية، كما أضعفت الخلافات التي أعقبت إعفاء بنكيران من تشكيل الحكومة سنة 2017 تماسكه الداخلي، ووسعت المسافة بين القيادة وجزء من القواعد.
وفقد الحزب أيضا جزءا من صورته باعتباره قوة سياسية مختلفة. فبعد سنوات من تدبير الحكومة، أصبح مطالبا بتفسير التباعد بين خطاب الإصلاح ونتائج الممارسة، وبين وعود محاربة الفساد والتعايش مع توازنات الحكم والتحالفات الحكومية.
لكن هزيمة 2021 لم تؤد إلى تفكك التنظيم. عاد بنكيران إلى الأمانة العامة، واستمر الحزب في عقد مؤسساته وإصدار مواقفه والحضور داخل البرلمان، رغم محدودية عدد نوابه.
كما استفاد من الانتقال إلى المعارضة، حيث استعاد لغته النقدية وخف عنه عبء الدفاع اليومي عن السياسات الحكومية.
ويخوض العدالة والتنمية الانتخابات هذه المرة في سياق مختلف. فارتفاع الأسعار، وصعوبة الولوج إلى الشغل، والضغط على خدمات الصحة والتعليم، والجدل حول تضارب المصالح، كلها ملفات تمنحه أرضية لبناء خطاب احتجاجي.
لكنه لا يستطيع تقديم نفسه باعتباره حزبا جديدا لم يختبر الحكم. فكلما هاجم حصيلة الحكومة الحالية، أعاد خصومه إلى الواجهة قرارات اتخذت خلال مرحلة 2011-2021، من إصلاح التقاعد إلى تحرير أسعار المحروقات ورفع الدعم عن عدد من المواد.
بنكيران يقود الحملة من خارج لوائح الترشيح
يقود عبد الإله بنكيران حملة العدالة والتنمية من خارج لوائح الترشيح. لم يتقدم في دائرة سلا أو غيرها، لكنه يظل المرشح السياسي الأول للحزب على المستوى الوطني.
تمنح هذه الوضعية الحزب ميزة واضحة. يستطيع أمينه العام الانتقال بين المدن، ودعم المرشحين، وتحويل منافسات محلية متفرقة إلى معركة وطنية حول الحكومة والأسعار والفساد والثقة في السياسة.
وتؤكد تجمعاته خلال الحملة أنه ما يزال قادرا على استقطاب الانتباه وصناعة الحدث. فهو يخاطب الناخب بلغة مباشرة، ويختزل القضايا المعقدة في رسائل مرتبطة بالكرامة والمال والسلطة والمسؤولية، ويقدم الانتخابات باعتبارها فرصة لمعاقبة الحكومة وإعادة «المصباح» إلى موقع التأثير.
لكن قوة بنكيران تمثل أيضا أحد حدود الحملة. فكلما كبر حضوره، ازداد السؤال حول قدرة باقي قيادات الحزب ومرشحيه على إنتاج جاذبية مستقلة داخل دوائرهم.
قد ينجح الأمين العام في ملء قاعة أو ساحة، من دون أن تنتقل الحماسة بالضرورة إلى مرشح يفتقر إلى حضور محلي أو إلى تنظيم قادر على تحويل التأييد الذي راكمه خلال الحملة إلى أصوات داخل الصندوق.
كما أن خطابه الحاد يعبئ أنصار الحزب، لكنه يحفز خصومه أيضا. فالناخبون الذين يرون فيه صوتا سياسيا صريحا يقابلهم ناخبون ما زالوا يحملونه مسؤولية مرحلة حكومية سابقة، أو يتحفظون على عودة المواجهة السياسية التي ميزت سنوات قيادته للحكومة.
لذلك لا يتعلق اختبار 23 شتنبر بشعبية بنكيران في ذاتها، بل بمقدار ما يمكن تحويله منها إلى أصوات موزعة على الدوائر المحلية. وإذا أصبح الأمين العام أكبر من مرشحي حزبه، فقد تكسب الحملة زخما وطنيا من دون أن تحصد عددا موازيا من المقاعد.
تغطية كاملة ومزيج بين الخبرة والتجديد
تمكن العدالة والتنمية من تغطية الدوائر المحلية الـ92، إلى جانب تقديم اللوائح الجهوية في الجهات الاثنتي عشرة، بما مجموعه 104 وكلاء ووكيلات لوائح. ويشارك في المنافسة بـ305 مرشحين في الدوائر المحلية و90 مرشحة في اللوائح الجهوية.
تمثل هذه التغطية أول مؤشر ملموس إلى استعادة التنظيم بعض قدرته بعد صدمة 2021. فالحزب يدخل جميع الدوائر بهيكل مركزي موحد، وخطاب وطني، ومسطرة ترشيح انطلقت من قواعده الإقليمية والجهوية قبل الحسم النهائي من الأمانة العامة.
وحافظ الحزب على غالبية الاختيارات التي اقترحتها هياكله المحلية، مع إدخال تعديلات وإضافة بعض الأسماء من خارج المقترحات الأصلية. ويتيح له ذلك الجمع بين الانضباط التنظيمي والانفتاح على شخصيات قادرة على تعزيز بعض اللوائح.
وتضم الخريطة أسماء معروفة، من بينها عبد الله بوانو في مكناس، ومصطفى الإبراهيمي في القنيطرة، وإدريس الأزمي الإدريسي في الصخيرات تمارة، ومصطفى الخلفي في الرباط المحيط، وعبد الصمد حيكر في الدار البيضاء أنفا، وأمينة ماء العينين في عين الشق.
كما دفع الحزب في آسفي برضا بوكمازي، القيادي الشاب وعضو الأمانة العامة، الذي سبق له دخول مجلس النواب خلال ولاية 2016-2021. ويراهن من خلاله على الجمع بين تجربة برلمانية سابقة وصورة جيل سياسي أصغر سنا.
وانفتح الحزب كذلك على وجوه لا تنتمي إلى صورته التنظيمية التقليدية، مثل سمير شوقي في الحي الحسني، والفنانة فاطمة وشاي ضمن اللائحة الجهوية للدار البيضاء سطات. ويسعى بذلك إلى توسيع قاعدة الترشيح وعدم حصرها في أعضاء التنظيم القدامى.
لكن تركيبة اللوائح تكشف بدورها بعض نقاط الضعف. فالموظفون ونساء ورجال التعليم والمتقاعدون يشكلون كتلة بارزة داخل وكلاء اللوائح، بينما يبقى حضور النساء في قيادة اللوائح المحلية محدودا بأربع وكيلات فقط من أصل 92.
ولا يعوض تخصيص اللوائح الجهوية للنساء هذا الضعف بالكامل، لأن الاختبار الحقيقي لتمكينهن يظل مرتبطا أيضا بالدفع بهن إلى قيادة المنافسة المباشرة داخل الدوائر المحلية.
كما أن تقديم مرشحين في جميع الدوائر لا يعني امتلاك القوة نفسها داخلها. فخسائر 2021 لم تكن برلمانية فقط، بل مست أيضا شبكة المنتخبين المحليين الذين كانوا يوفرون للحزب قنوات دائمة للتواصل والتأطير.
وسيواجه مرشحوه في عدد من المناطق أحزابا راكمت خلال خمس سنوات حضورا أقوى داخل الجماعات ومجالس العمالات والأقاليم والجهات، وهو ما يمنحها امتدادا ميدانيا يصعب تعويضه خلال أسابيع الحملة.
المدن الكبرى تختبر قدرة الحزب على العودة
تتركز معركة العدالة والتنمية في المدن الكبرى التي صنعت صعوده ثم شهدت انهياره. فالرباط وسلا والدار البيضاء وفاس ومكناس وطنجة وأكادير وآسفي ليست دوائر عادية بالنسبة إلى الحزب، بل مقياس لقدرته على استعادة الناخب الحضري.
في الرباط المحيط، يحمل مصطفى الخلفي عبء استعادة دائرة ارتبطت بهزيمة رمزية للحزب سنة 2021. وفي الصخيرات تمارة، يراهن على إدريس الأزمي الإدريسي، أحد أبرز وجوه مرحلته الحكومية، في مواجهة تنظيمات تتمتع بحضور محلي وانتخابي مستمر.
وتضع الدار البيضاء الحزب أمام اختبارات متعددة. يخوض عبد الصمد حيكر المنافسة في الدار البيضاء أنفا، وتقود أمينة ماء العينين لائحة عين الشق، بينما يترشح سمير شوقي في الحي الحسني.
وتجمع هذه الدوائر بين كثافة حضرية مرتفعة، وتراجع الثقة في السياسة، ومنافسة لوائح يقودها مرشحون يستندون إلى حضور محلي قوي وإمكانات تنظيمية وقدرة على التواصل مع الناخبين طوال فترة الحملة.
وتمثل عين الشق، على وجه الخصوص، دائرة عالية المخاطر. فعدد مقاعدها المحدود وقوة اللوائح المنافسة يجعلان الفوز رهينا بفوارق صغيرة، ويضعان ماء العينين أمام اختبار مزدوج: استعادة مقعد للحزب وتأكيد قدرتها على قيادة لائحة محلية في واحدة من أكثر دوائر البيضاء تنافسا.
وفي مكناس والقنيطرة، يستند الحزب إلى عبد الله بوانو ومصطفى الإبراهيمي، وهما من وجوهه البرلمانية المعروفة. أما في آسفي، فيدفع ببوكمازي بوصفه وجها شابا خاض تجربة برلمانية سابقة، لكنه يحتاج إلى إعادة بناء حضور الحزب داخل دائرة تضم ستة مقاعد وتعرف منافسة بين أسماء وتنظيمات متعددة.
وتوفر الدوائر ذات المقاعد الأكثر مسارات أوسع لانتزاع مقعد واحد، بخلاف دوائر المقعدين أو الثلاثة التي تضيق فيها المسافة بين الفوز والخروج بلا تمثيل، وتكون فيها الأفضلية غالبا للوائح الأقوى محليا.
وفي طنجة وفاس وأكادير، يصطدم رهان استعادة الناخب الحضري بامتداد انتخابي بنته أحزاب الأغلبية داخل الجماعات والغرف المهنية ومجالس الجهات. لذلك لن تكفي استعادة جزء من التصويت السياسي العام إذا لم ينجح الحزب في رفع المشاركة داخل الأحياء التي كانت تمنحه تفوقه، وتحويل عمله الميداني خلال الحملة إلى تصويت فعلي يوم الاقتراع.
ويتمثل التحدي الأكبر في المسافة الفاصلة بين الحضور الرقمي والجماهيري والتصويت الفعلي. فقد تحقق مقاطع بنكيران انتشارا واسعا، لكن الحزب يحتاج إلى ناخبين اقتنعوا خلال الحملة ويتوجهون إلى الصناديق، وإلى تنظيم قادر يوم الاقتراع على تغطية مكاتب التصويت بممثليه، وتتبع عمليات الفرز والمحاضر وفق ما يسمح به القانون.
برنامج واسع وثلاثة سيناريوهات للنتائج
يخوض العدالة والتنمية الانتخابات بشعار «من أجل تحقيق كرامة المواطن»، ويقدم برنامجا من 101 صفحة يتضمن 467 تدبيرا موزعة على خمسة محاور: الهوية والأسرة والقيم، والإصلاح السياسي والحقوق، والخدمات العمومية والحماية الاجتماعية، والاقتصاد والتشغيل، والسياسة الخارجية.
يركز الحزب على التعليم والصحة والشغل ومحاربة الفساد والريع والاحتكار، ودعم المقاولات الصغيرة، وتقوية الصناعة المحلية، وتحقيق السيادة المائية والغذائية والطاقية.
كما يقترح إلغاء شرط 35 سنة في مباريات التعليم، ومراجعة تدبير الدعم والمقاصة مع حماية الأسر الفقيرة، ويجدد رفضه للتطبيع ودعمه للقضية الفلسطينية.
تكمن قوة البرنامج في اتساعه وربطه الاقتصاد بالإصلاح السياسي. فالعدالة والتنمية لا يقدم البطالة وغلاء الأسعار باعتبارهما مشكلتين تقنيتين فقط، بل يربطهما بالحكامة والمنافسة وتضارب المصالح وتوزيع الموارد.
غير أن العدد الكبير من التدابير يطرح سؤال الأولويات. فالحزب مطالب بتحديد ما سينجزه أولا، وكيف سيموله، وما الذي يميزه عمليا عن برامج منافسيه. كما سيكون عليه تفسير كيفية التوفيق بين توسيع الحماية الاجتماعية ودعم القدرة الشرائية والحفاظ على التوازنات المالية.
أمام الحزب ثلاثة سيناريوهات.
الأول هو عودة قوية تسمح له بالفوز في عدد من الدوائر الحضرية الكبرى، واستعادة فريق نيابي قائم بذاته، والعودة إلى دائرة الأحزاب المؤثرة. ويتطلب ذلك ارتفاع المشاركة، وتصويتا عقابيا واسعا ضد الأغلبية، ونجاح بنكيران في تحويل حضوره الوطني إلى مكاسب محلية.
الثاني، وهو الأكثر ترجيحا، يتمثل في تعاف غير متساو. يرفع الحزب حصيلته بوضوح ويتجاوز المركز الثامن، ويستعيد بعض معاقله، لكنه يعجز عن مجاراة الأحزاب التي تملك شبكات واسعة من المنتخبين المحليين. ستكون النتيجة عودة سياسية وبرلمانية مهمة، من دون استعادة موقع 2011 أو 2016.
أما السيناريو الثالث، فهو أن تبقى العودة محصورة في الخطاب والتجمعات، بينما تحد قوة المنافسين وضعف الشبكات المحلية من عدد المقاعد. عندها قد يحسن الحزب نتيجته، لكن من دون بلوغ العتبة السياسية التي تسمح له بالقول إنه تجاوز هزيمة 2021.
يدخل العدالة والتنمية اقتراع 23 شتنبر وهو يملك ما افتقده قبل خمس سنوات: موقع المعارضة، وقيادة قادرة على التعبئة، وخصوما يتحملون كلفة الحكم. لكنه يفتقد ما كان يملكه خلال صعوده: شبكة محلية قوية وصورة البديل الذي لم يختبر السلطة.
لهذا لن يكون السؤال ليلة النتائج ما إذا كان الحزب قد تقدم عن مقاعده الثلاثة عشر فقط، بل ما إذا كان قد استعاد القدرة على الفوز المباشر داخل الدوائر.
هناك تحديدا سيتبين إن كانت حشود الحملة ستتحول إلى مقاعد، أم أن الحضور الجماهيري لعبد الإله بنكيران سيظل أكبر من حصيلة الحزب في الصندوق.


