تستعد سندات الخزينة المغربية لدخول دائرة أوسع من اهتمام المستثمرين الدوليين، مع إدراج المغرب ضمن أبرز مكونات مؤشر جديد تطلقه مجموعة J.P. Morgan في نهاية شتنبر لتتبع الديون الحكومية المقومة بالعملات المحلية في الأسواق الحدودية.
والمقصود بالأسواق الحدودية اقتصادات تمتلك أسواقا مالية مفتوحة للاستثمار، لكنها تظل أصغر حجما وأقل سيولة واندماجا في الأسواق العالمية مقارنة بالأسواق الناشئة الكبرى.
ويحمل المؤشر الجديد اسم GBI-EM Edge، وسيغطي نحو 330 مليار دولار من الديون الحكومية موزعة على 26 اقتصادا و24 عملة، في خطوة تبدو تقنية للوهلة الأولى، لكنها قد توسع حضور سوق الدين المغربية أمام المستثمرين الدوليين.
وسيحصل المغرب على الوزن الأقصى المسموح به داخل المؤشر، والبالغ 8 في المائة، ليصبح بذلك واحدا من أبرز مكوناته.
لكن ماذا يعني ذلك فعليا للاقتصاد المغربي؟
دخول رادار المستثمرين
الأثر الأول لا يتعلق بتدفق أموال جديدة مباشرة إلى المغرب، بل بدخول سندات الخزينة المغربية إلى مرجع دولي يمكن أن يستخدمه مديرو الصناديق والمستثمرون لمتابعة أسواق الدين ومقارنة أداء محافظهم.
فعندما تدخل سندات دولة ما في مؤشر مالي دولي، تصبح جزءا من الخريطة التي يتابعها المستثمرون الذين يستخدمون ذلك المؤشر مرجعا لاتخاذ قراراتهم.
بعض الصناديق قد يسعى إلى محاكاة تركيبته، فيما يستخدمه مستثمرون آخرون لمقارنة أداء محافظهم.
وفي الحالتين، تصبح السندات المغربية أكثر حضورا أمام شريحة من المستثمرين الدوليين.
وهنا تكمن القيمة الأولى للإدراج: زيادة الظهور.
فسوق سندات الخزينة المغربية تعتمد بصورة كبيرة على المستثمرين المحليين، وفي مقدمتهم البنوك وشركات التأمين وصناديق التقاعد.
وإذا أدى دخول المؤشر إلى اهتمام أكبر من المستثمرين الأجانب، فقد يوسع ذلك تدريجيا قاعدة المشترين ويضيف مصدرا آخر للطلب على سندات الخزينة.
ومن الناحية النظرية، يمكن لارتفاع الطلب على السندات أن يساهم في تحسين شروط التمويل، لكن ذلك ليس نتيجة مضمونة أو آلية.
فحجم الأموال التي يمكن أن تدخل السوق المغربية سيعتمد على عدد الصناديق التي ستستخدم المؤشر، وحجم الأصول التي تديرها، والسندات المغربية المؤهلة داخله، ثم قرارات المستثمرين أنفسهم.
ولهذا فإن إدراج المغرب لا يعني أن مليارات الدولارات ستتدفق تلقائيا إلى المملكة بمجرد إطلاق المؤشر.ميزة الدرهمهناك عنصر آخر يجعل الخطوة مهمة بالنسبة إلى إدارة الدين المغربي.
فالمؤشر يتتبع السندات الحكومية الصادرة بالعملات المحلية، ما يعني أن الجزء المغربي منه يتعلق بسندات الخزينة المقومة بالدرهم، وليس بالسندات التي يصدرها المغرب بالدولار أو اليورو في الأسواق الدولية.
وهذا يختلف عن الاقتراض الخارجي التقليدي.
فإصدار الدين بالعملة المحلية يحد من تعرض الخزينة مباشرة لمخاطر سعر الصرف المرتبطة بالدولار أو اليورو، لأن أصل الدين وفوائده يظلان مقومين بالدرهم.
ويتقاطع ذلك مع استراتيجية إدارة الدين العمومي التي تسعى إلى ضمان تمويل مستقر للخزينة، وخفض التكلفة على المدى المتوسط، والحد من المخاطر، بالتوازي مع تطوير سوق سندات الخزينة المحلية.
لكن مخاطر العملة لا تختفي تماما.
فالمستثمر الأجنبي الذي يشتري سندات بالدرهم يصبح هو نفسه معرضا لتقلب سعر الصرف، وبالتالي سيدخل أداء العملة المغربية ضمن حساباته عند مقارنة العائد المتاح في المغرب بما يمكن أن يحصل عليه في أسواق أخرى.
عائد منخفض ومفارقة لافتة
ويظهر المغرب داخل المؤشر الجديد بخصوصية أخرى.
فبينما يبلغ متوسط العائد الاسمي للمؤشر نحو 10.4 في المائة، تشير البيانات المستخدمة في بنائه إلى عائد في حدود 2.7 في المائة بالنسبة إلى السندات المغربية المشمولة.ويعني هذا الفارق أن جاذبية المغرب للمستثمر الدولي لن تقوم أساسا على تقديم أعلى عائد.
بل ستدخل في الحساب عوامل أخرى، بينها مستوى المخاطر، واستقرار السوق، وحركة الدرهم، والسيولة، وإمكانية تنويع المحافظ بعيدا عن الأسواق التي تقدم عوائد مرتفعة مقابل مخاطر أكبر.
ويضع ذلك المغرب في موقع مختلف عن عدد من الاقتصادات الحدودية التي تقدم سنداتها عوائد تتجاوز 10 أو حتى 15 في المائة.
إفريقيا في قلب المؤشر
اللافت أيضا أن إفريقيا ستستحوذ على نحو 45 في المائة من المؤشر الجديد، متقدمة على الاقتصادات الحدودية الآسيوية التي ستشكل قرابة الثلث.
وإلى جانب المغرب، سيضم المؤشر أسواقا إفريقية من بينها مصر ونيجيريا وكينيا وتونس وأوغندا وأنغولا وزامبيا وغانا.
ويعكس هذا الحضور اتساع أسواق الدين المحلية في القارة، بالتزامن مع بحث الحكومات عن تمويل بالعملات الوطنية يقلل الاعتماد المفرط على الاقتراض بالدولار والعملات الأجنبية.
لكن زيادة انفتاح أسواق الدين المحلية على المستثمرين الدوليين تحمل وجها آخر.
فرأس المال الأجنبي يستطيع الدخول عندما تبدو العوائد والمخاطر جذابة، لكنه يستطيع الخروج أيضا عندما ترتفع أسعار الفائدة العالمية، أو تتزايد المخاطر الجيوسياسية، أو يتحول المستثمرون نحو الأصول الأكثر أمانا.
وكلما ارتفعت حصة المستثمرين الدوليين في السوق المحلية، زادت أيضا درجة ارتباطها بتحولات المزاج المالي العالمي.فرصة وليست شيكا على بياضلذلك لا ينبغي قراءة دخول المغرب إلى مؤشر J.P. Morgan باعتباره تصنيفا سياديا جديدا أو ضمانة لانخفاض تكلفة الدين.
إنه، قبل كل شيء، تغيير في موقع سندات الخزينة المغربية على خريطة المستثمرين.فمع إطلاق المؤشر، ستصبح السندات المغربية جزءا من معيار دولي يغطي مئات المليارات من الدولارات، وستقارن عوائدها ومخاطرها وسيولتها بصورة أكثر انتظاما مع أسواق حدودية أخرى.
وإذا نجح ذلك في جذب مستثمرين جدد، فقد تستفيد الخزينة من توسيع قاعدة المشترين، كما يمكن أن تستفيد السوق الثانوية من سيولة إضافية.
لكن الاختبار الحقيقي لن يكون وزن المغرب البالغ 8 في المائة على شاشة المؤشر.سيكون في حجم الأموال التي ستتبع هذا الوزن فعليا، ومدى قدرة السوق المغربية على جذب مستثمرين جدد، مع الحفاظ في الوقت نفسه على استقرار سوق الدين وتقليص تعرضها لتقلبات رأس المال الدولي.


