20 دولة تطالب برقابة عالمية على الذكاء الاصطناعي.. من يضع قواعد السباق؟

دخلت الدعوات إلى إخضاع أقوى نماذج الذكاء الاصطناعي لرقابة دولية مرحلة جديدة، بعدما أطلق قادة من 20 دولة مبادرة تطالب بوضع قواعد مشتركة لتطوير الأنظمة الأكثر تقدما، مع بحث إنشاء مؤسسة دولية تستطيع وضع المعايير والتحقق من الالتزام بها.

وأطلقت المبادرة فنلندا والنرويج بالتزامن مع أسبوع الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، وحصلت عند إطلاقها على دعم 22 قائدا من 20 دولة، إضافة إلى رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين.

وتضم قائمة الدول الداعمة ألمانيا وإسبانيا وأيرلندا وهولندا والدنمارك وأستراليا وكندا وسنغافورة والإمارات والبحرين وكازاخستان وتركيا، إلى جانب دول إفريقية بينها جنوب إفريقيا وكينيا.

وتنطلق المبادرة من فكرة أساسية: كلما أصبحت نماذج الذكاء الاصطناعي أكثر قدرة، لم يعد كافيا ترك قواعد السلامة للشركات التي تطورها وحدها.

ويطالب الموقعون بأن تظل الأنظمة المتقدمة تحت “التوجيه والإشراف والسيطرة البشرية”، وأن يخضع تطويرها للقوانين الوطنية والقانون الدولي.

اختبارات قبل إطلاق النماذج

وتتضمن الدعوة إجراءات عملية تتجاوز إعلان المبادئ.

فهي تطالب الشركات بوضع بروتوكولات شفافة للسلامة، وإجراء اختبارات إلزامية قبل نشر النماذج المتقدمة، وإخضاعها لتقييم مستقل يسمح للجهات المختصة بالوصول إلى المعلومات اللازمة لفحص المخاطر.

كما تدعو الحكومات والمنظمات الإقليمية إلى تنسيق معايير مشتركة، وتعزيز الشفافية، وتبادل المعلومات المتعلقة بالحوادث الخطيرة المرتبطة بأنظمة الذكاء الاصطناعي.

لكن المقترح الأكثر طموحا يتعلق بالمستوى الدولي.

إذ يدعو الموقعون الدول الأعضاء في الأمم المتحدة إلى البناء على الآليات الموجودة حاليا، وبحث إنشاء مؤسسة دولية قادرة على وضع المعايير، والمساعدة في التحقق من الالتزام بها، وجمع الدول عندما تتجاوز قدرات نماذج الذكاء الاصطناعي مستويات محددة من الخطورة.

ولا يعني ذلك أن العالم أصبح أمام “وكالة دولية للذكاء الاصطناعي” جاهزة للتأسيس، إذ لا تزال الفكرة في مرحلة الدعوة السياسية، كما لا توجد حتى الآن قواعد ملزمة متفق عليها بين القوى التكنولوجية الكبرى.

أمريكا والصين خارج المبادرة

وتظهر هنا واحدة من أبرز نقاط ضعف المشروع.

فالولايات المتحدة والصين، وهما القوتان الأكثر تأثيرا في السباق العالمي على الذكاء الاصطناعي، ليستا ضمن الدول المعلنة في المبادرة عند إطلاقها.

وتضم الولايات المتحدة الشركات التي تقود تطوير عدد من أقوى النماذج عالميا، بينما استثمرت الصين بكثافة في بناء نماذجها ورقائقها ومراكز بياناتها، ضمن منافسة تكنولوجية أصبحت جزءا من الصراع الاستراتيجي بين القوتين.

ولهذا فإن بناء قواعد دولية فعالة للذكاء الاصطناعي سيكون أكثر صعوبة إذا لم تنخرط فيها الدول التي تستضيف الجزء الأكبر من القدرات التكنولوجية المتقدمة.

وتكشف هذه المفارقة عن المشكلة التي ستواجه أي محاولة لتنظيم الذكاء الاصطناعي عالميا: الدول قد تتفق على وجود مخاطر، لكنها لا تتفق بالضرورة على من يضع القواعد، وكيف يتم التحقق منها، وما القدرات التي ينبغي إخضاعها للرقابة.

الأمم المتحدة تدخل السباق

وتتقاطع المبادرة مع تحرك أوسع داخل الأمم المتحدة لإيجاد إطار عالمي لحوكمة الذكاء الاصطناعي.

ودعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الثلاثاء، إلى بناء إطار متعدد الأطراف لإدارة مخاطر الذكاء الاصطناعي، مدعوما برقابة مستقلة.

وحذر غوتيريش من أن التطور التكنولوجي يتحرك بسرعة أكبر من قدرة العالم على فهم مخاطره، معتبرا أن الإجراءات الوطنية وحدها غير كافية لأن أنظمة الذكاء الاصطناعي وتأثيراتها لا تتوقف عند الحدود.

وتملك الأمم المتحدة بالفعل لبنات أولى لهذا المسار.

فقد أنشأت هيئة علمية دولية مستقلة للذكاء الاصطناعي، كما أطلقت “الحوار العالمي حول حوكمة الذكاء الاصطناعي”، الذي عقد أولى جلساته في جنيف خلال يوليو الماضي.

لكن الانتقال من الحوار إلى الرقابة الفعلية يظل تحديا أكبر بكثير.

فالقواعد المتعلقة بالأسلحة النووية والطيران والتجارة الدولية بنيت على مدى عقود، بينما تتغير قدرات نماذج الذكاء الاصطناعي خلال أشهر، وتملكها في كثير من الحالات شركات خاصة وليست حكومات.

أين إفريقيا؟

يحمل حضور جنوب إفريقيا وكينيا في المبادرة دلالة أخرى.

فالنقاش حول حوكمة الذكاء الاصطناعي ظل لفترة طويلة متمركزا حول الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي، رغم أن القرارات التي تتخذها هذه القوى ستؤثر في كيفية استخدام التكنولوجيا في بقية العالم.

وتطالب المبادرة صراحة بضمان وصول مختلف مناطق العالم إلى الخبرة العلمية والقدرة على تقييم الأنظمة المتقدمة، حتى لا يؤدي تنظيم الذكاء الاصطناعي إلى توسيع الفجوة التكنولوجية بين الدول.

بالنسبة إلى إفريقيا، لا يتعلق الأمر فقط بالحماية من مخاطر الذكاء الاصطناعي، بل أيضا بالمشاركة في صياغة قواعده.

فالدول التي لا تملك شركات تطور النماذج الأساسية ستستخدم مع ذلك هذه الأنظمة في الإدارة والصحة والتعليم والقطاع المالي والإعلام والأمن، وستتأثر بالمعايير التي تضعها الدول المنتجة للتكنولوجيا.

ويطرح ذلك السؤال نفسه بالنسبة إلى المغرب، الذي يعمل على توسيع استخدام الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، لكنه ليس ضمن الدول المعلنة في المبادرة عند إطلاقها.

بالنسبة إلى الرباط، كما بالنسبة إلى كثير من الدول الإفريقية، سيكون الرهان مزدوجا: الاستفادة من التكنولوجيا المتقدمة دون الاكتفاء بدور المستهلك، والمشاركة في النقاش الدولي حول القواعد التي ستحدد طريقة استخدامها.

من يحكم الذكاء الاصطناعي؟

تكشف مبادرة الدول العشرين أن النقاش العالمي حول الذكاء الاصطناعي بدأ ينتقل من سؤال ما تستطيع التكنولوجيا فعله إلى سؤال أكثر سياسية: من يملك سلطة وضع حدود لما ينبغي أن تفعله؟

الشركات تريد الحفاظ على سرعة الابتكار. الحكومات تريد حماية الأمن والاقتصاد والمواطنين. والدول الكبرى تنظر إلى الذكاء الاصطناعي أيضا باعتباره مصدرا للقوة والتفوق الاستراتيجي.

ولهذا فإن إنشاء قواعد عالمية لن يكون مسألة تقنية فقط.

فإذا تطورت الأنظمة المقبلة بالسرعة التي يتوقعها الباحثون والشركات، سيصبح الاتفاق على من يختبرها، ومن يراقبها، ومتى ينبغي التدخل لإبطائها، جزءا من إعادة رسم ميزان القوة التكنولوجية العالمي.

وقد يكون السؤال الذي بدأ يطرح في نيويورك هذا الأسبوع مقدمة لهذا الصراع: ليس من سيبني أقوى ذكاء اصطناعي فقط، بل من سيكتب القواعد التي تحكمه.

مساحة إعلانية متاحةspot_imgspot_img