تقرير حقوقي يرصد العزوف والمال والخروقات الرقمية في انتخابات 2026

حذر المركز المغربي لحقوق الإنسان من استمرار أزمة الثقة في العمل السياسي واتساع العزوف الانتخابي، معتبرا أن انتخابات 23 شتنبر 2026 كشفت، إلى جانب بعض المكتسبات القانونية، عن اختلالات مرتبطة باستعمال المال وضعف تمثيلية النساء والشباب والأشخاص في وضعية إعاقة، فضلا عن تنامي الخروقات داخل الفضاء الرقمي.

وأوضح المركز، في تقرير أصدره مكتبه التنفيذي ولجنته الوطنية لرصد ومواكبة المناخ الحقوقي للاستحقاقات الانتخابية، وتوصلت «المحيط» بنسخة منه، أن عملية الرصد جرت بصورة مستقلة واقتصرت على الفضاءات العامة ومحيط مراكز الاقتراع والحملات الميدانية والوسائط الرقمية.

وجاء التقرير، الصادر تحت شعار «من أجل تحصين الإرادة الشعبية وضمان النزاهة وتكافؤ الفرص في الفضاءين العام والرقمي»، لتقييم المناخ الحقوقي الذي رافق الانتخابات، من دون أن يشمل الرصد المباشر داخل مكاتب التصويت.

مكاسب قانونية لم تغير واقع الترشيحات

سجل المركز إيجابيا عددا من المقتضيات التي جاء بها القانون التنظيمي رقم 53.25 المعدل للقانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب، خصوصا توسيع حالات عدم الأهلية للترشح في مواجهة المتورطين في جرائم التدبير العمومي أو الصادرة في حقهم أحكام بالعزل أو عقوبات سالبة للحرية.

واعتبر أن هذه المقتضيات تمثل خطوة نحو تخليق الحياة السياسية والحد من تأثير المال غير المشروع، لكنها لا تكفي وحدها لضمان تجديد النخب أو تحقيق تكافؤ فعلي في الوصول إلى المؤسسات المنتخبة.

وفي ما يتعلق بتمثيلية النساء، توقف التقرير عند تخصيص الدوائر الجهوية، التي تضم 90 مقعدا، للوائح النسائية، لكنه سجل في المقابل محدودية حضور النساء على رأس اللوائح المحلية.

وبحسب معطيات المركز، قادت النساء 121 لائحة محلية فقط من أصل 1615 لائحة، أي بنسبة لم تتجاوز 7.5 في المائة، وهو ما يعكس استمرار اعتماد الأحزاب على الدوائر الجهوية لرفع التمثيلية النسائية، بدلا من الدفع بالنساء إلى صدارة المنافسة المباشرة محليا.

كما اعتبر المركز أن التحفيزات المخصصة للوائح الشبابية المستقلة، ومنها تحمل 75 في المائة من مصاريف الحملة عند بلوغ عتبة 2 في المائة من الأصوات، لم تحقق الأثر المنتظر، بعدما اقتصر عدد اللوائح المستقلة للشباب دون 35 سنة على لائحتين فقط على الصعيد الوطني.

وسجل التقرير أيضا استمرار ضعف حضور الأشخاص في وضعية إعاقة داخل الترشيحات والمضامين التواصلية للأحزاب، إلى جانب الصعوبات المرتبطة بالولوج إلى محيط بعض مراكز الاقتراع.

مشاركة ضعيفة وهرم انتخابي مختل

توقف المركز عند تراجع نسبة المشاركة إلى 38.02 في المائة، بما يعادل نحو ستة ملايين مصوت من أصل 15.8 مليون مسجل، بانخفاض قدره 12.33 نقطة مقارنة بانتخابات 2021.

وقرأ التقرير هذا التراجع باعتباره مؤشرا على اتساع المسافة بين المواطنين والوساطة الحزبية، خصوصا داخل المدن الكبرى، حيث كان فتور المشاركة أكثر وضوحا.

ويتجاوز الاختلال، بحسب المركز، نسبة المشاركة العامة إلى التركيبة العمرية للهيئة الناخبة. فلم تمثل الفئة المتراوحة أعمارها بين 18 و24 سنة سوى 4 في المائة من مجموع المسجلين، مقابل 29 في المائة لمن تتجاوز أعمارهم 60 سنة.

واعتبر المركز أن هذه الأرقام تعكس ضعف قدرة الأحزاب والمؤسسات على استقطاب الأجيال الجديدة، وتطرح أسئلة حول مستقبل التمثيلية السياسية في ظل تقدم الفئات الأكبر سنا داخل الجسم الناخب.

كما سجل التقرير نسبا مرتفعة نسبيا من الأوراق الملغاة والبيضاء في بعض الدوائر، بلغت، وفق معطياته، 12.4 في المائة في اللائحة الجهوية بالعيون.

وربط المركز هذه الظاهرة بعوامل متعددة، تشمل صعوبات استعمال ورقة التصويت والأمية وتعدد الاختيارات، إلى جانب التصويت الاحتجاجي المتعمد تعبيرا عن عدم الرضا عن العروض الحزبية.

وفي المقابل، سجلت الأقاليم الجنوبية أعلى نسب المشاركة، إذ بلغت 77 في المائة بجهة العيون الساقية الحمراء و61 في المائة بجهة الداخلة وادي الذهب. وأرجع التقرير ذلك إلى تداخل البعد الوطني مع فعالية شبكات التعبئة المحلية والقبلية.

المال والنفوذ في محيط مراكز الاقتراع

على مستوى الحملات والفضاء العام، وضع التقرير استعمال المال والمنافع العينية في مقدمة الممارسات التي تهدد نزاهة المنافسة وتكافؤ الفرص.

وقال المركز إن ملاحظيه رصدوا، في محيط بعض مراكز الاقتراع، تحركات لأشخاص يشتبه في قيامهم بتوجيه الناخبين وحشد الأصوات بوسائل غير قانونية، داعيا إلى الكشف عن نتائج الأبحاث القضائية والإدارية المتعلقة بهذه الوقائع.

كما تحدث التقرير عن محاولات لاستعمال بعض الوسائل والخدمات العامة في الدعاية الانتخابية، والاستفادة من هشاشة نساء وأطفال في مناطق قروية وهامشية ضمن أنشطة ومسيرات انتخابية.

وسجل المركز وقوع توترات واحتكاكات لفظية وإتلاف ملصقات انتخابية في بعض دوائر الدار البيضاء ومكناس، إلى جانب أحداث وصفها بالمعزولة، من بينها المشاهد المتداولة بشأن إطلاق أعيرة نارية استعراضية في أخفنير واستعمال مقذوفات ترفيهية بالعيون المرسى.

وأشار أيضا إلى تداول شكاوى بشأن التشطيب التلقائي على أسماء ناخبين من اللوائح الانتخابية من دون إشعارهم، رغم عدم تغيير مقرات إقامتهم، مطالبا بتدقيق مساطر المراجعة وضمان عدم حرمان المواطنين من حق التصويت.

الهواتف والذكاء الاصطناعي يدخلان دائرة الخروقات

خصص التقرير حيزا واسعا للممارسات الرقمية التي رافقت الانتخابات، معتبرا أن اقتراع 2026 كشف عن انتقال جزء من الخروقات من الفضاء الميداني إلى شبكات التواصل الاجتماعي.

وسجل المركز تداول محتويات مفبركة ومواد مولدة أو معدلة بواسطة تقنيات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب توظيف حسابات مجهولة أو وهمية لنشر معلومات زائفة وتشويه المرشحين والمنافسين.

كما توقف عند انتشار صور ومقاطع مصورة من داخل المعازل الانتخابية تظهر أوراق التصويت بعد وضع العلامة عليها، معتبرا أن هذه الممارسات لا تنتهك سرية الاقتراع فقط، بل تثير شبهات بشأن استعمال الصور لإثبات تنفيذ توجيهات مرتبطة بشراء الأصوات.

وانتقد التقرير تفاوت الإنفاق على الإعلانات الممولة في منصات مثل فيسبوك وتيك توك، في ظل غياب إطار تفصيلي يضمن الشفافية ويكشف مصادر التمويل وحجم الإنفاق الحقيقي خلال الحملات الرقمية.

ودعا المركز إلى وضع قواعد خاصة بالدعاية الانتخابية الرقمية والمحتويات المضللة واستخدام الذكاء الاصطناعي، مع الحرص على عدم تحويل التنظيم إلى مدخل للمساس بحرية الرأي والتعبير.

ملف طنجة والمطالبة بكشف نتائج التحقيقات

توقف التقرير عند قضية أوراق التصويت في مدرسة القدس بطنجة، معتبرا أنها من أخطر الوقائع التي رافقت الاقتراع بسبب اتصالها المباشر بسلامة عملية التصويت.

ونوه المركز بفتح الأبحاث وإحالة الملف على القضاء، لكنه طالب بإعلان النتائج الكاملة للتحقيقات وترتيب المسؤوليات في حق جميع المتورطين، حماية لصدقية العملية الانتخابية.

وأشار أيضا إلى تقارير تحدثت عن امتناع بعض رؤساء مكاتب التصويت عن تسليم ممثلي المرشحين نسخا من المحاضر، ومن بينها حالات بالفحص أنجرة، إضافة إلى تسجيل عراقيل واجهت بعض الملاحظين المعتمدين أثناء محاولتهم ولوج مكاتب التصويت أو متابعة عمليات الفرز.

وفي توصياته، طالب المركز بتشديد الرقابة على مصادر تمويل الحملات وأوجه صرفها، ومنع إدخال الهواتف وأجهزة التصوير إلى المعازل، وتطوير قانون الملاحظة الانتخابية المستقلة، مع ضمان حق الملاحظين في متابعة مختلف مراحل الاقتراع.

كما دعا إلى فتح حوار عمومي حول استعادة ثقة الشباب والطبقة الوسطى، وإقرار تدابير تدفع الأحزاب إلى ترشيح النساء والشباب في مواقع محلية قابلة للفوز، عوض حصر مشاركتهم في آليات التمييز الإيجابي أو التحفيزات التي لا تغير موازين الترشيح داخل الأحزاب.

مساحة إعلانية متاحةspot_imgspot_img