كشف تقرير استراتيجي حديث أن البرنامج الحكومي المغربي للفترة 2026-2031 يتضمن 74 هدفا كميا، لكنه لا يقدم تصورا ماليا شاملا لتمويل الالتزامات الاقتصادية والاجتماعية المعلنة، في وقت تراهن فيه الحكومة على تحقيق متوسط نمو اقتصادي يبلغ 5 في المائة، مقابل توقعات أكثر تحفظا لبنك المغرب.
ووفق التقرير الاستراتيجي الذي توصلت به «المحيط»، والصادر عن المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة بتاريخ 20 أكتوبر 2026، تحت عنوان «البرنامج الحكومي 2026-2031: من تعاقد الأولويات إلى اختبار التنفيذ»، فإن التحدي الرئيسي لا يكمن في عدد التعهدات المعلنة، وإنما في قدرة الحكومة على تحويلها إلى نتائج اقتصادية واجتماعية قابلة للقياس، ضمن موارد مالية محددة وآجال واضحة.
ويكشف التقرير، الذي يقدم قراءة تحليلية للوثيقة الحكومية الكاملة المكونة من 127 صفحة، أن عدد الأهداف الكمية يرتفع من 25 هدفا وردت في العرض المقدم أمام البرلمان إلى 74 هدفا في الوثيقة التفصيلية، غير أن 20 هدفا فقط تتوفر على خطوط أساس معلنة تسمح بقياس تقدمها، بينما تفتقر 40 هدفا إلى أجل صريح أو دورية سنوية للإنجاز.
ويعتبر المركز أن هذه الفجوة لا تلغي أهمية التعهدات الحكومية، لكنها تجعل الانتقال من الإعلان السياسي إلى التنفيذ الفعلي رهينا بنشر مؤشرات مرجعية وجداول زمنية وتقديرات مالية دقيقة.
نمو بـ5 في المائة أمام توقعات أكثر تحفظا
يضع التقرير هدف تحقيق متوسط نمو اقتصادي يبلغ 5 في المائة خلال الفترة 2027-2031 أمام اختبار صعب، بالنظر إلى التوقعات الاقتصادية التي يستند إليها، وفي مقدمتها توقع بنك المغرب تسجيل نمو في حدود 2.9 في المائة سنة 2027.
وبحسب حسابات المركز، فإن تحقق هذا التوقع يعني أن الاقتصاد المغربي سيكون مطالبا بتحقيق متوسط نمو يقارب 5.5 في المائة خلال السنوات الأربع الممتدة من 2028 إلى 2031، حتى يتمكن من بلوغ المتوسط المستهدف على امتداد الولاية الحكومية.
ولا تتوقف التحديات عند تسريع النمو، إذ يتضمن البرنامج أيضا التزاما بحصر عجز الميزانية في حدود 3 في المائة، وخفض المديونية إلى نحو 62 في المائة بحلول سنة 2031، بالتوازي مع توسيع الإنفاق الاجتماعي وتعزيز الاستثمار.
ويشير التقرير إلى أن الحكومة لم تقدم بعد الكلفة الإجمالية لبرنامجها، رغم احتفاظها بمعظم الأهداف الواردة في البرنامج الانتخابي للحزب القائد للأغلبية، مقابل عدم إعادة إدراج الغلاف المالي البالغ 350 مليار درهم الذي كان مطروحا لتمويل التعهدات الانتخابية.
ويعتبر المركز أن مشروع قانون المالية لسنة 2027 سيشكل اختبارا أوليا لقدرة الحكومة على ترتيب أولوياتها، فيما ستكون ميزانية 2028 أكثر دلالة على مدى إدماج الالتزامات في برمجة مالية متكاملة.
مليون منصب شغل.. تحدي الأرقام والنتائج
وفي ملف التشغيل، يتوقف التقرير عند تعهد الحكومة بإحداث ما يقارب مليون منصب شغل خلال الولاية، وخفض معدل البطالة إلى 7 في المائة بحلول سنة 2031، إلى جانب رفع معدل نشاط النساء إلى 21.2 في المائة وتقليص عدد الشباب خارج التعليم والتكوين والشغل بنسبة لا تقل عن 50 في المائة.
غير أن المركز يثير إشكالا يتعلق بطبيعة فرص العمل الموعودة، موضحا أن هدف المليون منصب يتوزع على خمسة مكونات، لا يوصف منها بالصافي سوى 250 ألف منصب في القطاع الصناعي، بينما يرتبط 360 ألف منصب بتنظيم كأس العالم 2030.
ووفق الحسابات التي يقدمها التقرير، فإن تحقيق هذا الهدف يقتضي إحداث نحو 200 ألف منصب سنويا، مقارنة بمتوسط صاف قدره 23.5 ألف منصب خلال الفترة 2022-2025.
ويشدد المركز على ضرورة التمييز بين فرص الشغل الصافية وأعداد المستفيدين من برامج التكوين والتجارب المهنية، مع اعتماد مؤشرات تقيس استمرارية المناصب وجودتها، وليس الاكتفاء بالأعداد المعلنة.
الدعم الاجتماعي يطرح سؤال الكلفة
وعلى مستوى القدرة الشرائية، يرصد التقرير تعهدات برفع الحد الأدنى للدعم الاجتماعي المباشر من 500 إلى 1000 درهم، وزيادة الحد الأدنى للمعاشات الرئيسية إلى 3000 درهم، فضلا عن إصلاح الضريبة على الدخل عبر إعفاء الدخل الصافي إلى حدود 60 ألف درهم سنويا وخفض المعدل الهامشي إلى 30 في المائة.
لكن المركز ينبه إلى أن توسيع هذه المنافع يطرح سؤال الاستدامة المالية، خصوصا في غياب تحديد دقيق لعدد المستفيدين وشروط الاستحقاق والجدولة الزمنية ومصادر التمويل.
ويقدم التقرير محاكاة حسابية تفيد بأن زيادة الدعم بمقدار 500 درهم شهريا لمليون أسرة تتطلب 6 مليارات درهم إضافية سنويا.
وفي سيناريو افتراضي يشمل 3.9 ملايين أسرة تستفيد جميعها من الزيادة الكاملة طوال سنة، قد تبلغ الكلفة الإضافية 23.4 مليار درهم سنويا، مع تأكيد المركز أن هذا الرقم يمثل فرضية حسابية توضيحية، وليس تقديرا رسميا أو مرجحا للكلفة الفعلية.
ويخلص التقرير إلى أن نجاح الالتزامات الاجتماعية لا ينبغي قياسه بحجم التحويلات المالية وحده، بل بمدى انعكاسها على القدرة الشرائية وجودة الخدمات العمومية.
130 مليار درهم للتنمية الترابية
وفي مجال الاستثمار والتنمية المجالية، يبرز التقرير تخصيص غلاف مالي قدره 130 مليار درهم على خمس سنوات للجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، تتحمل الدولة نحو ثلاثة أرباعه، إلى جانب رفع الحد الأدنى للتحويلات المالية إلى الجهات إلى 12 مليار درهم سنويا ابتداء من 2027.
ويرى المركز أن هذه الموارد يمكن أن تشكل رافعة لتقليص الفوارق المجالية، لكنه يؤكد أن فعاليتها ستتوقف على قدرة الجهات على اتخاذ القرارات وتنفيذ المشاريع وتحقيق نتائج ملموسة في التشغيل والخدمات والبنيات الأساسية.
وفي سياق دعم النسيج المقاولاتي، يتوقف التقرير عند التعهد بتخصيص 30 في المائة من قيمة الصفقات العمومية للمقاولات الصغرى والمتوسطة المغربية، مع تخصيص حصة فرعية تبلغ 2 في المائة للشركات الناشئة.
ويعتبر المركز أن هذا التوجه يمكن أن يعزز استفادة المقاولات الوطنية من الطلبية العمومية، شريطة إصدار القواعد القانونية الملزمة وتحديد كيفية احتساب الحصص وآليات المراقبة والعقوبات المرتبطة بعدم احترامها.
الاقتصاد الرقمي.. أهداف للتكوين دون قياس القيمة المضافة
ويمتد التحليل إلى الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، حيث يسجل التقرير أن البرنامج الحكومي يتضمن تدابير تتعلق بتكوين 5000 مؤطر في الذكاء الاصطناعي، وإدماج المادة في التعليم الإعدادي، ودعم البحث العلمي وتطوير منظومة وطنية في هذا المجال.
غير أن المركز يلاحظ غياب أهداف حكومية محددة للتشغيل والقيمة المضافة في قطاع الذكاء الاصطناعي، رغم وجود خارطة طريق وطنية تستهدف إحداث 50 ألف منصب شغل وتوليد 100 مليار درهم من القيمة المضافة في أفق 2030.
كما يثير التقرير مسألة التنافس على الموارد بين القطاعات الاقتصادية، خصوصا في ظل تنامي الطلب على الماء والكهرباء لتلبية احتياجات تحلية المياه والصناعة ومراكز البيانات والمشاريع الطاقية الجديدة.
ويعتبر أن تحقيق الالتقائية بين الاستراتيجيات القطاعية يتطلب آليات واضحة للتحكيم وتوزيع الموارد، حتى لا تتحول الأهداف المعلنة إلى التزامات متنافسة يصعب تنفيذها في الوقت نفسه.
ميزانيتا 2027 و2028 أمام اختبار التنفيذ
ويخلص التقرير إلى أن البرنامج الحكومي يتميز باتساق أولوياته الاقتصادية والاجتماعية وتعدد أهدافه الكمية، لكنه لم يستكمل بعد الشروط المالية والمؤسساتية الضرورية للحكم على قابلية تحقيق مجموع التزاماته.
ويدعو المركز إلى نشر المؤشرات المرجعية لسنة 2026، وتحديد المسارات السنوية والكلفة المالية والجهة المسؤولة عن كل التزام، إلى جانب إعداد جدول تمويل متعدد السنوات.
وبين طموح تحقيق نمو اقتصادي مرتفع، وإحداث مليون منصب شغل، وتوسيع الحماية الاجتماعية، وضبط عجز الميزانية، تبدو الولاية الحكومية الجديدة أمام معادلة اقتصادية تتجاوز الإعلان عن الأهداف إلى اختبار القدرة على تمويلها وتنفيذها.
وسيكون المعيار الحاسم، وفق خلاصات التقرير، هو ما ستكشف عنه السنوات الأولى من الولاية من نتائج فعلية، ومدى قدرة الحكومة على تحويل التعهدات المرقمة إلى تحسن ملموس في أوضاع الاقتصاد والمقاولات والأسر المغربية.
