تضع إعادة انتخاب لولا دا سيلفا رئيسا للبرازيل، في اقتراع الأحد 25 أكتوبر 2026، العلاقات مع المغرب أمام سؤال المرحلة المقبلة: كيف تتحول المصالح التجارية التي تجمع البلدين إلى استثمارات ومشاريع إنتاجية مشتركة؟ فبين الأسمدة المغربية، والزراعة البرازيلية، والموانئ التي تصل إفريقيا بأوروبا، تتوافر مقومات تقارب اقتصادي أوسع، يحتاج إلى قرارات تتجاوز إعلان النوايا.
بالنسبة إلى الرباط، يمكن قراءة فوز لولا بولاية رابعة باعتباره فرصة للبناء على مسار قائم. فالزيارة التي قام بها الملك محمد السادس إلى البرازيل في نونبر 2004 تشكل إحدى المحطات التي يستعيدها كتاب العلاقات المغربية البرازيلية: شراكة أطلسية متعددة الأبعاد، لتفسير تطور العلاقة. واليوم، يفتح السياق الانتخابي الجديد نقاشا حول قدرة الطرفين على إعطاء هذا المسار مضمونا اقتصاديا أعمق.
ويقدم الكتاب الجماعي، الصادر عن مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد بإشراف فابيو ألبيرغاريا دي كيروز، مدخلا لفهم هذه الإمكانات. وتطرح مقدماته وملخصات فصوله فكرة مركزية: يستطيع المغرب والبرازيل بناء شراكة تربط بين الغذاء والطاقة والصناعة والنقل البحري، مستفيدين من موقعين مختلفين ومتكاملين على الأطلسي.
الأسمدة تمنح العلاقة وزنا ملموسا
قبل الانتخابات بشهر، كشف التعاون في الأسمدة وزن المصالح المشتركة. فقد حدد تفاهم بين وزارة الزراعة البرازيلية وOCP Nutricrops حجما مرجعيا قدره 3.8 ملايين طن من الأسمدة الفوسفاتية لموسم 2026/2027، بحسب جمعية منتجي الصويا والذرة بولاية ماتو غروسو. وأكد الوزير البرازيلي أندري دي باولا هذا الحجم في تصريح نقلته وزارته.
توضح هذه الخطوة موقع المغرب في حسابات الإنتاج الزراعي البرازيلي. فالحصول على الأسمدة بشروط مستقرة يرتبط بقدرة المزارع على التخطيط للموسم، والتحكم في الكلفة، والمحافظة على خصوبة التربة. وفي المقابل، تمنح السوق البرازيلية الصناعة المغربية مجالا لتطوير علاقة طويلة الأمد مع منتجين ذوي حاجات كبيرة ومتنوعة.
لكن القيمة الاستراتيجية لهذا التقارب تتحدد أيضا بما يرافق الإمدادات من خدمات ومعرفة. فبلاغ الجمعية البرازيلية يذكر البحث في التربة، وتغذية النبات، والتكوين، والابتكار، والتخزين ضمن إمكانات التعاون التي يفتحها التفاهم. بذلك، يمكن للأسمدة أن تصبح مدخلا إلى شراكات تقنية وإنتاجية أوسع، شريطة تحويل هذه المجالات إلى برامج فعلية.
ويظل الرقم المعلن حجما مرجعيا للتوريد، لا حصيلة لشحنات جرى تسليمها. أما أثر التفاهم على المزارع، فيرتبط كذلك بالسعر والائتمان؛ وهما قيدان تبرزهما الجمعية نفسها عند الحديث عن الضغوط التي تواجه المنتجين.
السؤال الأصعب هو الاستثمار
في تشخيص العلاقة الاقتصادية، يلفت أوتافيانو كانوتو وعدنان لحزاوي إلى فجوة بين تطور التجارة ومحدودية الاستثمار المباشر بين البلدين في الفترة التي تناولتها دراستهما. وتوضح هذه الفجوة حدود التقارب: شراء السلع يمكن أن يتوسع بسرعة، بينما يتطلب إنشاء مصنع أو تطوير مشروع مشترك ثقة أطول أجلا ومعرفة أدق بالسوق.
من هذا المنظور، يصبح تعميق العلاقة رهينا بقدرة الشركات على تحديد مشاريع مجدية، وتأمين تمويلها، وتسوية شروط دخولها إلى الأسواق. فالروابط الدبلوماسية تساعد على فتح الأبواب، لكن قرار الاستثمار يحتاج إلى طلب واضح وكلفة قابلة للتحمل وعائد يمكن توقعه.
ويطرح الكتاب مجالات تشمل الصناعات الغذائية والدوائية والنسيج والسيارات والطيران والطاقة. الأجدى اقتصاديا هو اختيار مشاريع محددة داخل هذه القطاعات، ترتبط بقدرات قائمة وحاجات فعلية. أما توزيع الجهد على قائمة واسعة من الفرص، فقد يؤخر الوصول إلى نتائج ملموسة.
وفي مقدمة الكتاب، يدعو ألكسندر بارولا إلى تطوير العلاقة مع مجموعة OCP. فهو يقترح توسيع حضور المجموعة في البرازيل والعمل على مشاريع مشتركة، بما يتيح الانتقال إلى مستوى أعمق من الترابط الصناعي.
طنجة المتوسط بوابة تحتاج إلى مشروع
ويمنح الربط البحري الرؤية امتدادا عمليا. فالمغرب يستطيع، في التصور الذي يعرضه بارولا، توظيف بنيته المينائية ومناطقه الاقتصادية لخدمة الشركات البرازيلية المهتمة بالأسواق الإفريقية والأوروبية.
وتبرز طنجة المتوسط في هذا الحساب باعتبارها قاعدة محتملة للتخزين والتوزيع والتصنيع. اقتصاديا، مرور البضاعة يحقق نشاطا لوجستيا، بينما يتيح تحويلها أو تجميعها أو تطوير خدمات حولها فرصا أوسع لإنتاج القيمة محليا.
هذا التحول يحتاج إلى مشروع تجاري. فالشركة البرازيلية التي تفكر في استخدام المغرب منصة إقليمية ستنظر إلى انتظام الخطوط البحرية، وكلفة الشحن، والإجراءات الجمركية، وشروط ولوج الأسواق، قبل أن تحسم قرارها. وهنا تقع مسؤولية ترجمة الموقع الجغرافي إلى عرض اقتصادي تنافسي.
وبالنسبة إلى المغرب، تكمن المصلحة في استقطاب أنشطة تستقر داخل اقتصاده وتوظف مهاراته، وتطور صلات مع مقاولاته. بذلك يصبح التعاون الأطلسي جزءا من سياسة صناعية قابلة للقياس.
من الأمن الغذائي إلى تنافسية المصانع
تتسع فرص التعاون حين توضع الزراعة والطاقة والصناعة داخل رؤية واحدة. ففي المجال الزراعي، تناقش مقدمة بارولا إمكانات الاستفادة من الخبرة البرازيلية في الأراضي شبه الجافة، إلى جانب التعاون في تقنيات المياه. ويبرز البحث والتكوين وبناء القدرات كذلك في مساهمة أحمد وحنيني حول الأمن الغذائي.
أما في الصناعة، فتتناول سلوى اليماني وصابرين عمران اتفاقيات شراء الكهرباء بوصفها أداة تساعد قطاع السيارات على اعتماد الطاقة المتجددة، عبر تحسين القدرة على توقع الكلفة وتقليص بعض مخاطر الاستثمار.
تفتح هذه المقاربة مجالا لتبادل الخبرة في تمويل الانتقال الطاقي وتنظيمه. وبالنسبة إلى مصنع يخطط لسنوات مقبلة، تصبح شروط الحصول على الكهرباء عنصرا في قرار التوسع والإنتاج. وهنا تبرز أهمية ربط الحوار الطاقي بمشاريع الشركات وحاجاتها.
ماذا يغير فوز لولا؟
سيكون من المبكر اعتبار النتيجة الانتخابية ضمانة لتسارع هذه المشاريع. الأقرب، في قراءة آفاق العلاقة، أنها تمنح الطرفين فرصة لمواصلة الحوار على قاعدة مصالح معروفة، فيما يبقى التنفيذ مرتبطا بالتمويل والمؤسسات وقرارات المستثمرين.
ويحمل الكتاب نفسه ما يدعو إلى هذا التقدير المتزن؛ إذ يصف ملخص الفصل المتعلق بالاقتصاد الأزرق والبحث البحري بناء الشراكة بأنه مسار بطيء وشاق. فالتكامل الذي يبدو واضحا على الورق قد يستغرق سنوات قبل أن يجد شكله التجاري والمؤسسي المناسب.
بعد فوز لولا، يستطيع المغرب أن يقيس فرصه في البرازيل بسؤال عملي: ما المشاريع التي يمكن إطلاقها أو تسريعها، ومن يمولها، وما القيمة التي تضيفها للاقتصادين؟ فتفاهمات الأسمدة تمنح العلاقة ثقلا قائما، بينما يتحدد أفقها الأطلسي الأوسع بما ستنتجه من مصانع وخدمات وبحث مشترك خلال المرحلة المقبلة.
