روسيا وإفريقيا ترسمان شراكة جديدة والمغرب يراهن على الاستثمار

دعا المغرب، الخميس، من العاصمة الروسية موسكو، إلى تحويل الشراكة الروسية الإفريقية إلى مشاريع ملموسة في مجالات الأمن الغذائي والطاقي والتصنيع ونقل التكنولوجيا.

وتختتم القمة الروسية الإفريقية الثالثة الخميس باعتماد إعلان وخطة عمل للفترة 2027-2029، إلى جانب وثيقة للتعاون في الاستخدامات المدنية للذكاء الاصطناعي.

وجاء الموقف المغربي خلال الجلسة العامة للقمة التي احتضنتها موسكو يومي 28 و29 أكتوبر، حيث مثلت رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري الملك محمد السادس، في لقاء جمع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بقادة ومسؤولين أفارقة لمناقشة مستقبل العلاقات السياسية والاقتصادية بين موسكو والقارة.

وشددت المنصوري على ضرورة تجاوز مرحلة التخطيط وإعلان النوايا نحو تنفيذ مشاريع تستجيب للاحتياجات الفعلية للدول الإفريقية، معتبرة أن تطور الإطار المؤسساتي للشراكة يجب أن يواكبه تقدم ملموس في مجالات التنمية والسيادة الاقتصادية.

ويأتي هذا التوجه بعد سبع سنوات من القمة الأولى التي احتضنتها سوتشي سنة 2019، وثلاث سنوات من قمة سان بطرسبرغ سنة 2023، في وقت تسعى فيه روسيا إلى توسيع حضورها الاقتصادي والدبلوماسي في إفريقيا، وسط منافسة متزايدة مع الصين والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

وفي الجانب الاقتصادي، كشفت رئيسة الحكومة أن المبادلات التجارية بين المغرب وروسيا بلغت 630 مليون دولار خلال سنة 2025، مع ارتفاع الصادرات المغربية نحو السوق الروسية بنسبة 18 في المائة.

وأبرزت أن المملكة توجد ضمن الشركاء الاقتصاديين الثلاثة الأوائل لروسيا في إفريقيا، مشيرة إلى تطور العلاقات الثنائية منذ توقيع اتفاق الشراكة الاستراتيجية سنة 2002، وتعميقها خلال الزيارة التي قام بها الملك محمد السادس إلى موسكو سنة 2016.

ورغم استمرار العلاقات التجارية، تظل هذه الأرقام مؤشرا على وجود هامش لتطوير التعاون الاقتصادي، خاصة في مجالات الصناعة والطاقة والتكنولوجيا والاستثمار المنتج، بما يتجاوز المبادلات التجارية التقليدية.

كما أشارت المنصوري إلى متابعة أكثر من سبعة آلاف طالب مغربي دراستهم في روسيا خلال السنة الجامعية 2024-2025، وإحداث لجنة عمل مشتركة بين وزارتي خارجية البلدين، عقدت اجتماعها الأول في شتنبر الماضي.

وعلى المستوى الإفريقي، عرض المغرب المبادرات التي يقودها لتعزيز الاندماج الاقتصادي والربط بين بلدان القارة، وفي مقدمتها المبادرة الأطلسية الموجهة لدول الساحل، ومبادرة الدول الإفريقية الأطلسية، ومشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي بين نيجيريا والمغرب.

وتكتسب هذه المشاريع أهمية في سياق النقاش الدائر حول الأمن الطاقي والبنيات التحتية والربط التجاري، وهي مجالات تتقاطع مع أولويات التعاون التي طرحتها روسيا خلال القمة.

من جانبه، أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين رغبة بلاده في توسيع الشراكات مع الدول الإفريقية، مشيرا إلى أن المبادلات التجارية بين روسيا والقارة تجاوزت 27 مليار دولار خلال سنة 2025.

وتحدث بوتين عن فرص التعاون في قطاعات الطاقة والتعدين والصناعة والنقل والفلاحة، إلى جانب التعليم والصحة، في إطار توجه روسي لتعزيز العلاقات الاقتصادية مع الدول الإفريقية وتنويع الأسواق والشراكات الدولية.

غير أن حجم التجارة، رغم نموه، يظل محدودا قياسا بالإمكانات الاقتصادية للقارة، وهو ما يطرح تساؤلات بشأن قدرة موسكو على تحويل التزاماتها إلى استثمارات طويلة الأمد، خصوصا في ظل العقوبات الغربية والتحديات المرتبطة بالتمويل والتكنولوجيا.

وشهد ختام القمة اعتماد الإعلان الختامي وخطة عمل منتدى الشراكة الروسية الإفريقية للفترة 2027-2029، إضافة إلى إعلان خاص بالتعاون في الاستخدامات المدنية لتكنولوجيات الذكاء الاصطناعي.

ويمثل إدراج الذكاء الاصطناعي ضمن الوثائق المعتمدة توسيعا لمجالات التعاون المطروحة بين الجانبين، بعدما تركز جانب مهم من العلاقات السابقة على الطاقة والمواد الأولية والتجارة والتعاون الأمني.

كما وقع الاتحاد الإفريقي وروسيا خطة تعاون للفترة نفسها، تشمل التكنولوجيا والتعليم والفلاحة والسلام والأمن، بما يوفر إطارا مؤسساتيا إضافيا لتنسيق البرامج المشتركة.

لكن اعتماد هذه الوثائق لا يعني بالضرورة إطلاق استثمارات أو إبرام صفقات تنفيذية، إذ تبقى النتائج مرتبطة بتحديد المشاريع ومصادر تمويلها وآجال إنجازها والجهات المكلفة بتنفيذها.

وبالنسبة إلى المغرب، تعكس المشاركة في القمة استمرار سياسة تنويع الشراكات الدولية، مع الحفاظ على علاقات اقتصادية ودبلوماسية مع موسكو، بالتوازي مع الشراكات التي تجمع المملكة بالاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والصين وعدد من القوى الاقتصادية الأخرى.

وتبرز أهمية هذا التوجه في قدرة المغرب على توظيف علاقاته الخارجية لخدمة مشاريعه الاقتصادية والإفريقية، دون أن تتحول المنافسة الدولية على القارة إلى عائق أمام أولوياته التنموية.

وفي غياب إعلان رسمي عن اتفاق ثنائي مغربي روسي جديد خلال القمة، يبقى أبرز ما حملته المشاركة المغربية هو الدعوة إلى الانتقال من الالتزامات العامة إلى مشاريع قابلة للقياس، فيما ستشكل خطة العمل المعتمدة للفترة 2027-2029 الإطار الذي يمكن من خلاله تقييم نتائج الشراكة خلال السنوات المقبلة.