يدشن دخول ميناء الناظور غرب المتوسط مرحلة التشغيل تحولا جديدا في الاستراتيجية المينائية المغربية، يتجاوز توسيع الطاقة الاستيعابية لاستقبال السفن والحاويات إلى بناء قطب اقتصادي يجمع بين التجارة البحرية والصناعة والخدمات اللوجستية والطاقة. فالمشروع، الذي استقطب استثمارات عمومية وخاصة بلغت 54 مليار درهم، يعكس توجها نحو تحويل الموقع الجغرافي للمغرب إلى مصدر للقيمة المضافة، وتعزيز اندماجه في شبكات التجارة الدولية.
وتكشف الشراكات مع مجموعتين من أكبر الفاعلين في النقل البحري العالمي، MSC وCMA CGM، عن بعد استراتيجي لهذا التحول، يقوم على الجمع بين البنية التحتية المغربية وشبكات الملاحة الدولية، بما يتيح للميناء الجديد فرصة استقطاب حركة بحرية منتظمة وتطوير أنشطة اقتصادية مرتبطة بها.
وجاء انطلاق عمليات المحطة الأولى للحاويات، يوم 31 أكتوبر 2026، بإشراف ولي العهد الأمير مولاي الحسن، بعد جلسة عمل ترأسها الملك محمد السادس في 28 أكتوبر، خصصت لتقدم مشروع الناظور غرب المتوسط وتوسعة طنجة المتوسط، من خلال إطلاق مشروع ميناء طنجة المتوسط 3.
ويعكس الجمع بين المشروعين توجها نحو توسيع المنظومة المينائية الوطنية، وتعزيز قدرتها على استيعاب النمو المتوقع للتجارة البحرية، مع تنويع مواقع الأنشطة الصناعية واللوجستية على طول الواجهة المتوسطية.
وتكتسب هذه الاستراتيجية أهمية خاصة في سياق المنافسة المتزايدة بين الموانئ الدولية على استقطاب حركة الحاويات والاستثمارات المرتبطة بسلاسل الإمداد العالمية.
ولا تقتصر القيمة الاقتصادية لميناء الناظور غرب المتوسط على موقعه البحري، بل تمتد إلى طبيعة النموذج الاستثماري الذي يقوم عليه. فمجموعة مارسا ماروك ترتبط بشراكات مع Terminal Investment Limited، التابعة لمجموعة MSC، وCMA Terminals، التابعة لمجموعة CMA CGM الفرنسية.
وتتيح هذه الشراكات الجمع بين خبرة التشغيل المينائي المحلية وشبكات النقل البحري التي تديرها شركات عالمية، بما قد يسهم في تسهيل إدماج المحطات الجديدة في المسارات التجارية الدولية.
فالمجموعات البحرية الكبرى لا تستثمر في الموانئ باعتبارها منشآت معزولة، وإنما باعتبارها حلقات داخل شبكات واسعة تربط مناطق الإنتاج والاستهلاك. ولذلك، فإن وجودها في الناظور غرب المتوسط يمثل عاملا مهما في بناء الجاذبية التجارية للميناء، دون أن يعني ضمان حجم معين من النشاط قبل تحقق عمليات الشحن الفعلية.
وتتجسد أهمية هذه الشراكات أيضا في هيكلة رأسمال المحطات، حيث تحتفظ مارسا ماروك بحصة الأغلبية في الشركتين المكلفتين بتشغيل محطتي الحاويات، بما يسمح للجمع بين الرأسمال المغربي والخبرة الدولية في إدارة هذه المنشآت.
غير أن الأثر الاقتصادي لهذه الصيغة سيقاس مستقبلا بما تحققه من حركة تجارية ومردودية تشغيلية، وبقدرتها على استقطاب استثمارات وأنشطة جديدة إلى المناطق المحيطة بالميناء.
وتبلغ الطاقة الاستيعابية المستهدفة للمحطة الشرقية 3.5 ملايين حاوية سنويا عند اكتمال إنجازها، فيما يرتقب أن تدخل المحطة الغربية الخدمة في أبريل 2027، بطاقة إضافية تبلغ 1.8 مليون حاوية.
وبذلك، ستصل الطاقة الإجمالية المستهدفة للمحطتين إلى 5.3 ملايين حاوية سنويا، باستثمارات خاصة تبلغ ثمانية مليارات درهم، وفق المعطيات التي قدمها الديوان الملكي.
وتمثل هذه القدرة إضافة مهمة إلى البنية المينائية الوطنية، لكنها تظل طاقة استيعابية مستهدفة، يتوقف تحويلها إلى نشاط اقتصادي فعلي على استقطاب الخطوط البحرية وتنافسية خدمات المناولة وانتظام حركة السفن.
ويبرز هذا التمييز عند مقارنة الميناء الجديد بتجربة طنجة المتوسط، التي راكمت على مدى سنوات شبكة من العلاقات التجارية والأنشطة الصناعية والخدمات اللوجستية، وأصبحت إحدى أبرز المنصات المينائية في المنطقة المتوسطية.
وقد عالج طنجة المتوسط أكثر من 11.1 مليون حاوية مكافئة لعشرين قدما خلال سنة 2025، وهو نشاط فعلي يعكس مستوى اندماجه في شبكات الملاحة العالمية.
وتمنح هذه التجربة المغرب قاعدة يمكن البناء عليها في تطوير الناظور غرب المتوسط، سواء من حيث استقطاب المستثمرين أو تنظيم الخدمات اللوجستية أو ربط الموانئ بالمناطق الصناعية.
ومن هذا المنظور، لا تبدو العلاقة بين الميناءين محكومة بالمنافسة الداخلية وحدها، بل بإمكانية بناء منظومة وطنية متكاملة قادرة على استقطاب حصة إضافية من حركة التجارة الدولية.
غير أن توسيع الطاقة المينائية لا يمثل سوى أحد أبعاد هذا التحول. فالفارق الاقتصادي الأساسي يكمن بين ميناء يؤدي وظيفة عبور الحاويات، وميناء يتحول إلى مركز للإنتاج والتوزيع والخدمات.
فإعادة شحن الحاويات بين السفن نشاط يوفر إيرادات من المناولة والخدمات المينائية، ويساهم في تشغيل المعدات واليد العاملة، لكنه لا يعني بالضرورة دخول البضائع إلى الدورة الإنتاجية الوطنية.
أما القيمة المضافة الأوسع فتتحقق عندما تتطور حول الميناء أنشطة صناعية ولوجستية، تشمل تصنيع المنتجات وتخزينها وتجميعها وتوزيعها، إلى جانب خدمات النقل والصيانة والتوريد.
وهنا تبرز الأهمية الاقتصادية للمنطقة الصناعية واللوجستية المرتبطة بالناظور غرب المتوسط، والتي تبلغ مساحتها 700 هكتار، باعتبارها عنصرا رئيسيا في تحويل الاستثمار المينائي إلى مشروع تنموي متكامل.
وتشير المعطيات الرسمية إلى دخول المنطقة الصناعية مرحلة النشاط، بوجود مصنع واحد قيد التشغيل وثلاثة مصانع أخرى في طور البناء. وتمثل هذه البداية مؤشرا على الانتقال التدريجي من تطوير البنيات التحتية إلى استقرار الأنشطة الإنتاجية.
لكن اتساع هذه الدينامية سيعتمد على قدرة المنطقة على استقطاب مقاولات جديدة، وتوفير شروط تنافسية للإنتاج، وربط الاستثمارات الصناعية بشبكات التوريد المحلية والوطنية.
كما يرتبط نجاح المشروع بتطوير البنية التحتية للنقل، خصوصا الربط السككي بين سلوان والناظور غرب المتوسط، والطريق السيار جرسيف–الناظور غرب المتوسط، إلى جانب تأهيل الشبكة الطرقية المحيطة.
ولا تمثل هذه المشاريع مجرد تجهيزات مرافقة للميناء، بل تعد شرطا لتوسيع مجاله الاقتصادي، وخفض تكاليف نقل البضائع، وتحسين وصول المقاولات إلى الأسواق الداخلية والخارجية.
فكلما تحسنت فعالية الربط بين الميناء والمراكز الصناعية، اتسعت قدرته على استقطاب أنشطة إنتاجية خارج محيطه المباشر، وتحولت الاستثمارات المينائية إلى عنصر داعم للتنمية في مجالات ترابية أوسع.
ويكتسب المشروع بعدا إضافيا من خلال مكونه الطاقي، الذي يشمل محطة للمحروقات تضم منطقة تخزين بسعة محتملة تبلغ أربعة ملايين متر مكعب، ومحطة للغاز الطبيعي المسال بطاقة معالجة مستهدفة تصل إلى خمسة مليارات متر مكعب سنويا.
وتفتح هذه المنشآت آفاقا لتعزيز قدرات المغرب في استقبال وتخزين المواد الطاقية، وتنويع البنيات التحتية المرتبطة بالإمدادات، في سياق أصبحت فيه مرونة سلاسل التوريد عنصرا مؤثرا في تنافسية الاقتصادات.
غير أن هذه الإمكانات ستظل مرتبطة باستكمال المنشآت وتشغيلها وربطها بشبكات النقل والتوزيع الوطنية، بما يسمح بتحويل القدرات التقنية المعلنة إلى خدمات فعلية لفائدة الاقتصاد.
وتتجاوز الرهانات الاقتصادية للمشروع مستوى التجارة والطاقة لتشمل سوق الشغل والنسيج المقاولاتي بالجهة الشرقية.
فبحسب بلاغ الديوان الملكي، ينتظر أن يتيح المركب على المدى القريب إحداث 1400 منصب شغل مباشر و20 ألف منصب غير مباشر، وهي توقعات تعكس حجم الأنشطة المرتبطة بتشغيل الميناء وتطوير المنطقة الصناعية والخدمات التابعة لها.
وتظل أهمية هذه الأرقام مرتبطة بطبيعة فرص الشغل التي ستحدث فعليا، ومدى استدامتها، وقدرة المقاولات المحلية على الاندماج في الأنشطة الجديدة.
فالمشاريع الكبرى تحقق أثرا تنمويا أوسع عندما لا تنحصر عوائدها في المشغلين والمستثمرين الرئيسيين، بل تمتد إلى المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ومقاولات النقل والصيانة والخدمات والتوريد.
ويتطلب ذلك مواكبة استباقية في مجالات التكوين المهني وتأهيل الكفاءات وربط حاجات المستثمرين بإمكانات سوق الشغل المحلية.
كما تبرز أهمية قياس النتائج الاقتصادية للمشروع بانتظام، من خلال متابعة حجم حركة البضائع والحاويات، وعدد المقاولات الصناعية المستقرة، والاستثمارات المنجزة، وفرص الشغل الفعلية، ونسبة استفادة الموردين المحليين.
وتسمح هذه المؤشرات بالتمييز بين نجاح المشروع على مستوى بناء التجهيزات واستقطاب الرساميل، ونجاحه في إحداث تحول اقتصادي مستدام.
ومع انطلاق تشغيل أول محطة للحاويات، يدخل الناظور غرب المتوسط مرحلة جديدة تنتقل فيها الأولوية تدريجيا من تعبئة الاستثمارات وتشييد البنيات التحتية إلى استقطاب النشاط التجاري والصناعي وتحقيق المردودية الاقتصادية.
وتوفر الشراكات مع كبار الفاعلين البحريين، إلى جانب موقع المشروع وبنياته المينائية والطاقية واللوجستية، مقومات مهمة لإنجاح هذا التحول.
لكن الأثر الأعمق للمشروع سيتحدد خارج الأرصفة ومحطات الحاويات، عبر قدرته على جذب المصانع والمقاولات والخدمات وتوسيع فرص التشغيل وتعزيز ارتباط الجهة الشرقية بالاقتصاد الوطني والتجارة الدولية.
وبهذا المعنى، يمثل الناظور غرب المتوسط أكثر من مشروع لتوسيع الطاقة المينائية المغربية، إذ يشكل استثمارا استراتيجيا في إعادة توزيع النشاط الاقتصادي وتطوير قطب صناعي ولوجستي جديد، بما يعزز موقع المغرب داخل شبكات الإنتاج والتجارة في المنطقة المتوسطية.
