تغطي المحيطات نحو 71 في المائة من سطح الأرض، وتحتضن عالما واسعا من الكائنات الحية والثروات الطبيعية، فيما لا تزال أجزاء كبيرة من أعماقها بعيدة عن الاستكشاف المباشر. وبين دورها في تنظيم المناخ وتوفير الغذاء ودعم الاقتصاد العالمي، تتزايد التحديات التي تواجه هذه الأنظمة البيئية بسبب التلوث والصيد المفرط والاحترار العالمي.
وبحسب الإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA)، تحتوي المحيطات على نحو 97 في المائة من مياه كوكب الأرض، وتشكل عنصرا رئيسيا في تنظيم درجات الحرارة وحركة الغلاف الجوي، بما ينعكس على الظروف المناخية وحياة الإنسان.
ورغم تقسيمها جغرافيا إلى خمسة محيطات رئيسية، فإن هذه المساحات المائية تشكل نظاما عالميا مترابطا، تنتقل عبره الحرارة والتيارات البحرية والمواد المغذية، وتعيش داخله أنواع لا تزال موضوع أبحاث علمية متواصلة.
المحيط الأطلسي.. ثروات طبيعية وتنوع بيولوجي
يعد المحيط الأطلسي ثاني أكبر محيطات العالم بعد المحيط الهادئ، ويمتد بين القارتين الأمريكيتين غربا وأوروبا وإفريقيا شرقا، ويرتبط بالمحيط المتجمد الشمالي والمحيط الجنوبي.
وتقدر الإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي مساحته بنحو 106.46 ملايين كيلومتر مربع، وفق تحديد جغرافي يشمل البحار المتصلة به، بينما تختلف بعض التقديرات الأخرى بحسب الحدود المعتمدة لقياس مساحته.
ويتميز الأطلسي بموقع جغرافي جعله ممرا أساسيا لحركة التجارة البحرية، كما يحتضن مناطق غنية بالموارد السمكية وتنوعا بيولوجيا يشمل الحيتان والدلافين وأسماك القرش والسلاحف البحرية وأنواعا متعددة من الأسماك والقشريات.
وتؤدي التيارات البحرية دورا مهما في تشكيل خصائصه البيئية، ومن بينها تيار الخليج الدافئ وتيار الكناري البارد، الذي يؤثر في أجزاء من السواحل الشمالية الغربية لإفريقيا، ويسهم في الظروف البحرية المرتبطة بإنتاجية بعض مناطق الصيد.
وبالنسبة إلى المغرب، يمثل المحيط الأطلسي موردا اقتصاديا مهما بفضل أنشطة الصيد البحري والموانئ والنقل والتجارة والسياحة الساحلية، إلى جانب الفرص المرتبطة بتطوير الاقتصاد الأزرق.
ويعتمد التوازن البيئي في المحيط على العلاقات المعقدة بين الكائنات البحرية، بدءا من العوالق النباتية الدقيقة، التي تشكل قاعدة أساسية للشبكات الغذائية، ووصولا إلى الأسماك الكبيرة والثدييات البحرية.
الصيد البحري.. ملايين الأطنان لتغذية العالم
يشكل الصيد البحري أحد الأنشطة الاقتصادية والغذائية الرئيسية المرتبطة بالمحيطات، وقد تطورت تقنياته من استعمال القوارب التقليدية والشباك البسيطة إلى سفن مجهزة بأنظمة متقدمة للملاحة وتحديد تجمعات الأسماك.
وتستخدم في هذا القطاع تقنيات متعددة، من بينها الصيد بالخيوط والصنارات وشباك الإحاطة والشباك الثابتة والصيد بالجر، مع اختلاف تأثير كل وسيلة على البيئة البحرية بحسب طبيعة استخدامها ومناطق نشاطها.
وكشف تقرير «حالة مصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية في العالم 2026»، الصادر عن منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) في يونيو الماضي، أن الإنتاج العالمي من المصايد وتربية الأحياء المائية بلغ نحو 235 مليون طن سنة 2024، بما يشمل الحيوانات المائية والطحالب.
وأوضح التقرير أن إنتاج الصيد الطبيعي بلغ نحو 92 مليون طن، منها 80 مليون طن من المصايد البحرية، بينما تجاوز إنتاج الحيوانات المائية المستزرعة عتبة 100 مليون طن للمرة الأولى.
وتعكس هذه الأرقام أهمية الموارد المائية للأمن الغذائي، إذ تشير المنظمة إلى أن الأغذية المائية توفر ما لا يقل عن خمس البروتينات الحيوانية المستهلكة لدى نحو 3.1 مليارات شخص، فيما ترتبط سبل عيش أكثر من 600 مليون شخص بقطاع المصايد وتربية الأحياء المائية.
غير أن هذه الأهمية الاقتصادية والغذائية تقابلها ضغوط متزايدة على المخزونات السمكية، نتيجة الاستغلال المفرط لبعض الأنواع والصيد غير القانوني والآثار البيئية لبعض معدات الصيد.
وتدعو منظمة الأغذية والزراعة إلى تعزيز إدارة المصايد بالاعتماد على البيانات العلمية وتحسين أنظمة المراقبة ومكافحة الصيد غير القانوني، بما يسمح باستمرار الاستفادة من الموارد البحرية دون استنزافها.
أعماق المحيطات.. حياة في عالم مظلم
رغم التقدم الذي أحرزته الأبحاث البحرية، لا يزال استكشاف أعماق المحيطات يواجه صعوبات تقنية كبيرة، بسبب الضغط المرتفع وانخفاض درجات الحرارة وغياب الضوء في المناطق العميقة.
ووفق بيانات برنامج استكشاف المحيطات التابع للإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي، يبلغ متوسط عمق المحيطات نحو 3682 مترا، بينما تصل أعمق نقطة معروفة في خندق ماريانا بالمحيط الهادئ، والمسماة «تشالنجر ديب»، إلى نحو 10935 مترا.
وتشير المؤسسة الأمريكية إلى أن مساحات واسعة من قاع المحيطات لم تخضع بعد لعمليات رسم خرائط عالية الدقة، ما يعكس استمرار الفجوات في المعرفة العلمية بهذه البيئات.
ورغم الظروف القاسية في الأعماق، كشفت الأبحاث عن وجود كائنات تمتلك قدرات استثنائية على التكيف، من بينها أسماك تستخدم الضوء الحيوي لجذب الفرائس، وكائنات تعيش بالقرب من الفوهات الحرارية المائية.
ومن أبرز هذه الكائنات سمكة الصياد، التي تستخدم بعض أنواعها زائدة مضيئة لاستدراج فرائسها، والحبار المعروف باسم «مصاص الدماء»، إلى جانب قشريات عملاقة تعيش في قاع البحر.
وتوفر دراسة هذه الأنواع للعلماء فرصة لفهم التنوع البيولوجي وآليات التكيف مع الظروف البيئية الشديدة، كما تساعد على توسيع المعرفة بالأنظمة البيئية التي لا تعتمد بصورة مباشرة على ضوء الشمس.
تغير المناخ.. المحيطات تمتص معظم الحرارة الزائدة
لا تقتصر أهمية المحيطات على الموارد الغذائية والتنوع البيولوجي، بل تؤدي دورا حاسما في تنظيم مناخ الأرض، من خلال امتصاص الحرارة وتخزينها والتأثير في حركة التيارات البحرية والظواهر الجوية.
وبحسب تقرير نشرته الإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي في يونيو 2025، امتصت المحيطات أكثر من 90 في المائة من الحرارة الزائدة المحتبسة في نظام الأرض نتيجة الاحترار العالمي الناجم عن النشاط البشري.
ورغم أن هذه القدرة تخفف من سرعة ارتفاع حرارة الغلاف الجوي، فإن تراكم الحرارة داخل المياه يؤدي إلى تغيرات واسعة، تشمل ارتفاع درجات حرارة المحيطات وتزايد موجات الحر البحرية وتهديد بعض الأنظمة البيئية الحساسة.
كما يساهم ارتفاع حرارة المياه في زيادة مستوى سطح البحر بفعل التمدد الحراري، إلى جانب تأثير ذوبان الجليد الموجود على اليابسة.
وتشير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ إلى أن المحيطات تمتص أيضا جزءا من ثاني أكسيد الكربون الناتج عن الأنشطة البشرية، غير أن هذه العملية تؤدي إلى زيادة حموضة المياه، مما يؤثر في بعض الكائنات البحرية التي تعتمد على كربونات الكالسيوم لبناء أصدافها وهياكلها.
وتبرز هذه المعطيات العلاقة المباشرة بين صحة المحيطات والتغير المناخي، إذ تؤثر التحولات التي تشهدها البيئة البحرية في التنوع البيولوجي والموارد الغذائية والمجتمعات الساحلية.
حماية المحيطات.. مسؤولية تتجاوز الحدود
تواجه المحيطات تحديات بيئية متشابكة، تشمل التلوث البلاستيكي وتدهور بعض الموائل الطبيعية والاستغلال غير المستدام للموارد البحرية، فضلا عن التداعيات المتزايدة لارتفاع درجات الحرارة.
وتتطلب مواجهة هذه التحديات اعتماد سياسات قائمة على البحث العلمي وتنظيم أنشطة الصيد ومراقبة مصادر التلوث وحماية المناطق البحرية ذات الأهمية البيئية.
كما تبرز أهمية تطوير الاقتصاد الأزرق المستدام، بما يسمح بالاستفادة من الموارد البحرية مع المحافظة على قدرتها الطبيعية على التجدد.
ولا تقتصر هذه المسؤولية على الحكومات والمنظمات الدولية، بل تمتد إلى الأفراد والمجتمعات المحلية، من خلال الحد من النفايات البلاستيكية وحماية الشواطئ وتشجيع الاستهلاك المسؤول للمنتجات البحرية.
وبينما يواصل العلماء اكتشاف المزيد من أسرار الأعماق، تظل حماية المحيطات ضرورة مرتبطة بالأمن الغذائي والتوازن المناخي ومستقبل التنوع البيولوجي، باعتبارها واحدة من أهم المنظومات الطبيعية التي تقوم عليها الحياة على الأرض.
