لم تعد المنافسة بين الموانئ المتوسطية مرتبطة بالموقع والسرعة والكلفة فقط، إذ تتجه قواعد المناخ الأوروبية إلى فرض معادلة جديدة على الشحن البحري، قد تمس موانئ شمال إفريقيا، وفي مقدمتها طنجة المتوسط.
وبحسب صحيفة الفايننشال تايمز البريطانية، تستعد المفوضية الأوروبية لمراجعة نظام تجارة الانبعاثات الخاص بالشحن البحري، في اتجاه إغلاق ثغرة تسمح لبعض السفن بتقليص رسوم الكربون عبر التوقف في موانئ قريبة من الاتحاد الأوروبي، قبل إكمال الرحلة نحو الموانئ الأوروبية.
في هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي إدريس الفينة أن التوجه الأوروبي المرتقب لا يمكن اعتباره إجراء بيئيا محضا، رغم أن مبرره الرسمي هو حماية نزاهة نظام تداول الانبعاثات ومنع السفن من تقليص التزاماتها الكربونية عبر التوقف الشكلي في موانئ غير أوروبية.
وقال الفينة، في تصريح للمحيط، إن القرار يجمع بين هدفين؛ خفض الانبعاثات من جهة، وحماية تنافسية الموانئ الأوروبية من جهة ثانية، مشيرا إلى أن إدماج النقل البحري في نظام تداول الانبعاثات الأوروبي منذ سنة 2024 جعل السفن الكبيرة مطالبة بشراء حصص كربونية عن الانبعاثات المرتبطة برحلاتها من وإلى الموانئ الأوروبية.
وأوضح أن بعض شركات الملاحة أعادت تنظيم مساراتها عبر التوقف في موانئ قريبة من الاتحاد الأوروبي، حتى لا تحتسب الرسوم إلا على الجزء القصير المتبقي من الرحلة. ولهذا، يضيف الفينة، تتحدث بروكسيل عن إغلاق ثغرة، بينما تتحدث موانئ أوروبية، خصوصا في إسبانيا وإيطاليا، عن تسرب حركة إعادة الشحن والوظائف نحو موانئ شمال إفريقيا.
واعتبر الخبير الاقتصادي أن القرار بيئي في صياغته، لكنه تنافسي في آثاره وفي جزء من دوافعه، موضحا أن مطالبة الموانئ الأوروبية بتعديل القواعد لاستعادة ما تسميه تكافؤ شروط المنافسة تعني أن تسعير الكربون لم يعد مجرد أداة مناخية، بل أصبح أداة لإعادة توزيع التدفقات البحرية وحماية الحصص السوقية داخل المجال الأوروبي.
وأضاف أن الإشكال يكمن في احتمال توسيع الاتحاد الأوروبي نطاق تأثير نظامه الكربوني خارج حدوده، بحيث تتحمل موانئ ودول غير أعضاء جزءا من تكلفة السياسة المناخية الأوروبية، رغم أنها لم تشارك في تحديد قواعدها أو في الاستفادة المباشرة من عائداتها. وتشير تقديرات أوردتها الفايننشال تايمز إلى أن النظام البحري قد يدر سنويا ما بين 7 و9 مليارات يورو، بحسب سعر طن الكربون.
وبخصوص أثر هذه المراجعة على طنجة المتوسط، أوضح الفينة أن الميناء مدرج أصلا ضمن قائمة الموانئ المجاورة لإعادة شحن الحاويات التي تتعامل معها القواعد الأوروبية بشكل خاص، مضيفا أن ما يجري بحثه حاليا هو توسيع المعايير وتشديدها لمنع أشكال إضافية من التحايل أو إعادة تنظيم الرحلات حول الموانئ الأوروبية.
وشدد على أن المراجعة لم تصبح بعد قرارا نهائيا، وأن تفاصيلها ستتضح ضمن مراجعة أوسع لنظام الانبعاثات الأوروبي. لكنه أشار إلى أن المدى القصير قد يعرف ارتفاع تكلفة بعض الخطوط التي تستخدم طنجة المتوسط محطة وسيطة قبل دخول أوروبا، كما قد تفقد بعض عمليات التوقف التي كان دافعها الأساسي تقليص فاتورة الكربون.
وتابع أن شركات الملاحة قد تعيد حساب مواقع إعادة الشحن وحجم السفن وسرعتها ونوع الوقود المستعمل، غير أنه نبه إلى أن تنافسية طنجة المتوسط لا تقوم فقط على ثغرة كربونية. فالميناء، بحسبه، راكم مزايا هيكلية مرتبطة بالموقع عند مدخل المتوسط، وسرعة المعالجة، والربط بعدد كبير من الموانئ، وتكامل المنظومة المينائية مع المناطق الصناعية واللوجستية.
ويرى الفينة أن التأثير المرجح سيكون انتقائيا على بعض المسارات، وليس تراجعا آليا أو شاملا لدور طنجة المتوسط. لكنه حذر من أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في دفع رسوم إضافية، بل في أن تصمم أوروبا قواعد تمنح موانئها إعفاءات أو حماية خاصة، بينما تفرض تكاليف موسعة على الموانئ المنافسة خارج الاتحاد.
وقال إن المغرب لا ينبغي أن يتعامل مع هذا الضغط بمنطق دفاعي، بل بمنطق استراتيجي، عبر الانتقال من تنافسية الموقع والكلفة إلى تنافسية الكربون المنخفض.
ودعا الفينة إلى تسريع تحويل طنجة المتوسط إلى مركز متوسطي للوقود البحري الأخضر، خصوصا الميثانول الأخضر والأمونيا الخضراء، مع الاستفادة من الإمكانات المغربية في الطاقة الشمسية والريحية والهيدروجين الأخضر، معتبرا أن شركات الملاحة ستختار مستقبلا الموانئ التي تضمن لها الوقود الأقل انبعاثا، وليس فقط الموانئ الأسرع في مناولة الحاويات.
كما شدد على ضرورة تطوير نظام مغربي موثوق لقياس البصمة الكربونية للميناء والخدمات اللوجستية والسفن، مع شهادات قابلة للاعتراف الأوروبي والدولي، موضحا أن البيانات الموثقة ستصبح في الاقتصاد الكربوني الجديد جزءا من البنية التحتية للميناء، مثلها مثل الأرصفة والرافعات.
ودعا أيضا إلى حوار تفاوضي منظم بين المغرب والاتحاد الأوروبي، لا يقوم على الاعتراض على خفض الانبعاثات، بل على المطالبة بقواعد شفافة وغير تمييزية، وبألا تتحول عائدات الكربون الأوروبية إلى دعم للموانئ الأوروبية على حساب منافسيها.
وأكد أن المغرب يمكنه المطالبة بآليات تعاون وتمويل مشتركة لإزالة الكربون من الممرات البحرية الرابطة بين المغرب وأوروبا، مع إمكانية إطلاق ممرات بحرية خضراء بين طنجة المتوسط وموانئ مثل الجزيرة الخضراء وفالنسيا ومرسيليا وروتردام، تستخدم فيها سفن ووقود وبنيات مينائية منخفضة الانبعاثات.
ويضع هذا التطور طنجة المتوسط أمام مرحلة جديدة من المنافسة، لم تعد فيها السرعة والكلفة والموقع وحدها عناصر حاسمة. فمع تشدد أوروبا في ربط التجارة بقواعد المناخ، ستصبح البصمة الكربونية للموانئ والخدمات اللوجستية جزءا مركزيا من حسابات شركات الشحن.
وبالنسبة للمغرب، قد يتحول الضغط الأوروبي إلى فرصة إذا نجح في تسويق طنجة المتوسط ليس فقط كميناء فعال وقريب من أوروبا، بل كمنصة بحرية خضراء قادرة على أن تكون جزءا من الحل المناخي الأوروبي، لا مجرد ميناء خارجي تسعى بروكسيل إلى تقليص ميزته التنافسية.


