حين تختطف الأجندات المبادرات الإنسانية.. ماذا كشفت أزمة”أسطول الصمود”؟


لم يكن الجدل الذي أثاره إعلان “أسطول الصمود العالمي” عن بث وثائقي يتبنى أطروحة البوليساريو بشأن الصحراء المغربية مجرد أزمة إعلامية انتهت بسحب الإعلان الترويجي، بل كشف عن أسئلة أعمق تتعلق بطبيعة المبادرات الدولية العابرة للحدود، وبالجهات التي تحدد أولوياتها، وبالخط الفاصل بين العمل الإنساني والانخراط في الصراعات السياسية.

فقد تأسست مبادرات “أسطول الحرية” و”أسطول الصمود” على هدف واضح يتمثل في كسر الحصار عن قطاع غزة وإيصال المساعدات الإنسانية إلى سكانه، وهو ما منحها تعاطفا واسعا داخل المغرب، حيث شارك ناشطون وصحافيون وحقوقيون في دعمها والتعريف بها باعتبارها مبادرة إنسانية قبل كل شيء.

غير أن إعلان وثائقي يتناول قضية الصحراء من زاوية تتبنى الرواية الانفصالية نقل النقاش إلى مستوى مختلف، لأن السؤال لم يعد يتعلق بمضمون الفيلم وحده، بل بكيفية وصول قضية لا ترتبط بأهداف المبادرة إلى منصاتها الرسمية.

اللافت في هذه الواقعة أن الاعتراض لم يصدر فقط من خارج المبادرة، بل من داخلها أيضا. فقد أكد أيوب حبراوي، عضو الفريق الإعلامي لأسطول الصمود العالمي، أن الأعضاء المغاربة لم يتم إبلاغهم بالوثائقي قبل نشر الإعلان عنه، وأنهم لم يستشاروا في مضمونه، موضحا أن الخلاف كان قائما أساسا مع أعضاء إسبان تمسكوا ببثه، قبل أن يؤدي النقاش الداخلي إلى سحب الإعلان وتأجيل نشر الوثائقي.

هذه المعطيات تنقل النقاش من مضمون الوثائقي إلى آليات اتخاذ القرار داخل المبادرة. فإذا كانت منصة تقدم نفسها باعتبارها فضاء دوليا يجمع متطوعين من جنسيات مختلفة، فإن تجاوز ممثلي بلد معني مباشرة بمحتوى الوثائقي يثير تساؤلات مشروعة حول كيفية صناعة القرار، ومن يملك سلطة تحديد الرسائل التي تنشر باسم المبادرة.

ومن هنا تبدو الأزمة أكبر من مجرد فيديو. فإنتاج مادة وثائقية لا يتم بقرار لحظي، بل يمر بمراحل متعددة تبدأ باختيار الموضوع، ثم إعداد المحتوى، فالإنتاج والمراجعة، وصولا إلى برمجته للنشر. ولذلك فإن الوصول إلى هذه المرحلة دون علم أعضاء الوفد المغربي يكشف، على الأقل، وجود خلل في آليات التشاور الداخلي أو تفاوت في مراكز التأثير داخل المبادرة.

وتطرح هذه الواقعة سؤالا أوسع يتعلق بالمنظمات والمبادرات المدنية العابرة للحدود. فهذه الكيانات تنشأ عادة حول هدف إنساني أو حقوقي محدد، لكنها قد تجد نفسها مع مرور الوقت أمام محاولات لتوسيع أجندتها أو توظيف رصيدها الأخلاقي في ملفات سياسية أخرى. وهذا لا يعني بالضرورة وجود مخطط موحد أو قيادة خفية، لكنه يعكس أن المنظمات المدنية ليست بمنأى عن التجاذبات الإيديولوجية والسياسية التي تشهدها الساحة الدولية.

وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى ما حدث داخل “أسطول الصمود” باعتباره نموذجا لصراع حول هوية المبادرة نفسها. هل تظل منصة هدفها الوحيد الدفاع عن غزة وكسر الحصار عنها، أم تتحول تدريجيا إلى فضاء يتبنى مواقف من نزاعات إقليمية أخرى، بما يحمله ذلك من مخاطر على وحدتها ومصداقيتها؟

كما تكشف الواقعة أن معركة السرديات لم تعد تدار فقط داخل الأمم المتحدة أو عبر القنوات الدبلوماسية التقليدية، بل أصبحت تخاض أيضا داخل الفضاء المدني الدولي، من خلال المنظمات غير الحكومية، والمنصات الحقوقية، والأفلام الوثائقية، والحملات الرقمية. وأصبحت القدرة على التأثير في الرأي العام العالمي جزءا أساسيا من الصراع السياسي، وهو ما يفسر الحساسية المتزايدة تجاه أي محتوى يصدر عن مبادرات تحظى بمتابعة دولية.

ومن هذه الزاوية، فإن اختيار أعضاء الوفد المغربي الاستمرار داخل المبادرة وعدم الانسحاب يحمل دلالة مهمة. فالمعركة اليوم لا تقتصر على إصدار البيانات أو تسجيل المواقف، بل تمتد إلى الدفاع عن السردية من داخل المؤسسات والمنصات الدولية، والمشاركة في صياغة قراراتها، بدل ترك المجال لفاعلين آخرين لاحتكار التأثير.

وبغض النظر عن مآلات الوثائقي، فإن ما حدث يضع “أسطول الصمود” أمام اختبار حقيقي يتعلق بمصداقيته. فالمطلوب لا يقتصر على سحب إعلان أو تأجيل بث مادة إعلامية، بل يقتضي توضيح كيفية اتخاذ القرار، والجهة التي دفعت نحو إنتاج هذا المحتوى، والضمانات الكفيلة بعدم تكرار مثل هذه الأزمات مستقبلا.

لقد انتهت الأزمة، مؤقتا، بسحب الإعلان، لكن الأسئلة التي كشفتها لا تزال قائمة. فمن يحدد أجندة المبادرات الدولية؟ وكيف تحافظ على رسالتها الإنسانية دون أن تتحول إلى ساحة لتصفية نزاعات سياسية؟ وكيف يمكن للدول والمجتمعات أن تدافع عن ثوابتها داخل الفضاء المدني العالمي الذي أصبح، هو الآخر، إحدى ساحات التنافس على النفوذ والسرديات؟

لعل هذه هي القضية الحقيقية التي كشفتها أزمة “أسطول الصمود”، وهي قضية تتجاوز بكثير حدود وثائقي لم ير النور، لتفتح نقاشا أوسع حول مستقبل المبادرات الدولية في عالم تتداخل فيه الاعتبارات الإنسانية مع الحسابات السياسية بصورة غير مسبوقة.

مساحة إعلانية متاحةspot_imgspot_img