تدخل الأسواق العالمية أسبوعا لا يشبه الأسابيع الصيفية الهادئة.
فالمستثمرون لا يراقبون فقط شاشة أسعار النفط أو موعد صدور بيانات التضخم الأمريكية، بل يقرأون ما يحدث بين الخليج وواشنطن كجزء من معادلة واحدة: هل تنجح التهدئة في خفض علاوة الخطر، أم تعيد الطاقة التضخم إلى مقدمة المشهد؟
لم تعد المسألة في سعر برميل يرتفع أو يتراجع. ما يجري أعمق من ذلك. الاقتصاد العالمي يتحرك اليوم تحت تأثير مثلث ضاغط: الممرات البحرية، وأسعار الطاقة، وقرارات البنوك المركزية. وحين يضطرب أحد أضلاع هذا المثلث، تتحرك معه توقعات الفائدة، وكلفة التمويل، ومزاج الأسواق.
وبحسب رويترز، أنهت أغلب بورصات الخليج تعاملات الأحد على أداء حذر، في انتظار اتضاح مآل مقترح عماني يتعلق بممرات شحن جديدة عبر مضيق هرمز.
ويكشف هذا الحذر أن الأسواق لا تنظر إلى المضيق باعتباره ممرا إقليميا فقط، بل كاختبار مباشر لسعر النفط وكلفة المخاطر في واحدة من أكثر مناطق الطاقة حساسية في العالم.
وتفيد فاينانشال تايمز بأن المستثمرين يترقبون بيانات التضخم الأمريكية هذا الأسبوع بقدر كبير من الحساسية، لأنها قد تعيد تشكيل الرهانات حول قرار الاحتياطي الفيدرالي في شتنبر.
فالأسواق، التي خففت توقعاتها بشأن رفع جديد للفائدة بعد أرقام ضعيفة للوظائف، تعرف أن أي مفاجأة في التضخم قد تعيد التشدد النقدي إلى الطاولة.
هنا يلتقي هرمز بواشنطن. فالمضيق لا يحدد الفائدة، لكنه يستطيع أن يغير البيئة التي يشتغل داخلها الاحتياطي الفيدرالي. ارتفاع النفط لا يبقى في سوق الطاقة، بل يمر إلى تكاليف النقل، والسلع، والتوقعات التضخمية. وحين ترتفع هذه التوقعات، يصبح خفض الفائدة قرارا أكثر صعوبة.
وتؤكد تقارير الاحتياطي الفيدرالي أن التضخم في الولايات المتحدة ظل فوق الهدف البالغ 2 في المائة، وأن صدمات العرض، بما فيها ارتفاع أسعار الطاقة المرتبط بالتوترات في الشرق الأوسط، كانت من بين العوامل التي أبقت الأسعار تحت الضغط.
وهذا ما يجعل أي اضطراب جديد في الطاقة عاملا يتجاوز الأسواق الآنية إلى صلب السياسة النقدية.
الأكثر أهمية أن الأسواق أصبحت تتعامل مع الطاقة بوصفها قناة انتقال للمخاطر، لا مجرد سلعة.
فإذا ارتفع النفط بفعل توتر جيوسياسي، فإن التأثير لا ينتهي عند شركات الطاقة. يصل إلى السندات، والعملات، وأسعار التأمين، وكلفة الشحن، ثم إلى توقعات البنوك المركزية والمستهلكين.
بهذا المعنى، لم يعد هرمز ممرا للنفط فقط. لقد تحول إلى مؤشر مالي. كل إشارة تهدئة تخفض جزءا من علاوة الخطر، وكل غموض يرفع كلفة الانتظار.
المستثمرون لا يشترون النفط وحده، بل يشترون أو يبيعون احتمالات الحرب، والتسوية، والتضخم، والفائدة.
في لحظات كهذه، تبدو البنوك المركزية أقل سيطرة مما توحي به بياناتها.
فهي تملك أدوات الفائدة والسيولة، لكنها لا تملك الممرات البحرية ولا قرار الحرب والسلم. لذلك، يمكن لأزمة بعيدة عن قاعات الاجتماعات أن تفرض على الأسواق إعادة تسعير كل شيء: من برميل النفط إلى عائد السندات.
وتزداد حساسية المشهد لأن العالم لم يخرج تماما من ذاكرة موجة التضخم السابقة.
الحكومات تريد نموا أقل كلفة، والمستثمرون يريدون فائدة أدنى، والبنوك المركزية تريد دليلا مقنعا على هدوء الأسعار. لكن الطاقة تظل قادرة على إرباك الجميع في اللحظة نفسها.
بالنسبة للمغرب، تبدو المسافة الجغرافية خادعة.
فالتوتر في مضيق هرمز لا يصل إلى المملكة كخبر خارجي فقط، بل كاحتمال ارتفاع في فاتورة الطاقة، وكضغط جديد على النقل والأسعار وهوامش المقاولات.
لذلك تتابع الدول المستوردة للطاقة مثل هذه الأزمات بعين مختلفة. عين من يعرف أن اضطراب الممرات البحرية قد يظهر لاحقا في أرقام الميزان التجاري وكلفة المعيشة.
ولا يتعلق الأمر بالطاقة وحدها. فإذا أبقت مخاوف التضخم الفائدة العالمية مرتفعة مدة أطول، فإن كلفة التمويل تصبح أكثر ثقلا على الاقتصادات الصاعدة.
وهذا يهم المغرب في لحظة يراهن فيها على الاستثمار العمومي، والبنيات التحتية، والتمويل الخارجي، وجذب الرساميل إلى مشاريع استراتيجية.
لذلك، فإن القراءة المغربية للخبر لا ينبغي أن تتوقف عند سعر برنت في نهاية جلسة التداول.
السؤال الأهم هو: ماذا يقول هرمز عن اتجاه التضخم؟ وماذا يقول التضخم عن الفائدة؟ وماذا تعني الفائدة المرتفعة لبلد يحتاج إلى تمويل النمو دون توسيع الهشاشة الاجتماعية؟
في زمن الترابط الحاد، لا تبدأ الأزمات وتنتهي في المكان نفسه. قد تبدأ من مضيق بحري، ثم تظهر في مضخة الوقود، ثم في فاتورة النقل، ثم في قرار بنك مركزي، ثم في جيب المستهلك.
هذه هي السلسلة التي تجعل الجيوسياسة جزءا من الاقتصاد اليومي.
لهذا، لا تراقب الأسواق هرمز اليوم بوصفه خبرا نفطيا فقط. إنها تراقبه كاختبار مبكر لقدرة الاقتصاد العالمي على امتصاص صدمة جديدة من دون العودة إلى دوامة التضخم والفائدة المرتفعة.
وبين الخليج وواشنطن، تعيد الجيوسياسة تسعير الاقتصاد العالمي مرة أخرى.


