تدخل المبادرة الإفريقية الأطلسية مرحلة جديدة مع إعلان المغرب استضافة الاجتماع الوزاري التاسع لمسلسل الدول الإفريقية الأطلسية، بالتوازي مع توزيع ملفات قطاعية بين عدد من الدول الأعضاء، في خطوة تضع المشروع أمام اختبار الانتقال من بناء الإطار السياسي إلى تعاون قابل للقياس على الأرض.
وأعلن وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج ناصر بوريطة، السبت، أن المغرب سيحتضن الاجتماع الوزاري التاسع للمسلسل، بعد يوم واحد من انعقاد الاجتماع الثامن في نيويورك على هامش الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة.
وكشف بوريطة أيضا عن التزام الغابون باستضافة اجتماع مخصص للصيد البحري في الفضاء الأطلسي الإفريقي، فيما ستحتضن الرأس الأخضر ورشة تجمع خبراء وفاعلين في مجال الأمن البحري.
وتمنح هذه الخطوات للمسلسل بعدا مختلفا عن الاجتماعات الدبلوماسية الدورية، إذ تبدأ ملفات التعاون في التوزع بين الدول وفق مجالات ترتبط مباشرة بالمصالح الاقتصادية والأمنية للمحيط الأطلسي.
وكان الاجتماع الوزاري الثامن، المنعقد الجمعة 25 شتنبر في نيويورك برئاسة المغرب، قد دعا إلى تسريع تنفيذ أنشطة الشراكة، وتعزيز التنسيق والتكامل بين المبادرات الوطنية للدول المشاركة.
ويبدو اختيار الصيد والأمن البحري ذا دلالة خاصة، بالنظر إلى طبيعة المصالح التي تجمع الدول الإفريقية المطلة على الأطلسي.
فهذا الفضاء لا يمثل مجرد واجهة جغرافية مشتركة، بل تمر عبره حركة التجارة والطاقة، ويحتضن موارد سمكية مهمة وموانئ استراتيجية، ويواجه في الوقت نفسه تحديات مرتبطة بالصيد غير القانوني والجريمة المنظمة والأمن البحري.
من السياسة إلى المصالح الاقتصادية
منذ إطلاق مسلسل الدول الإفريقية الأطلسية في الرباط سنة 2022، سعى المغرب إلى الدفع بفكرة بناء فضاء للتعاون على الواجهة الغربية للقارة يجمع بين الحوار السياسي والاقتصاد والأمن والطاقة والبنية التحتية.
لكن السنوات الأربع الأولى خصصت بدرجة كبيرة لبناء الإطار السياسي للمبادرة، وعقد الاجتماعات وتحديد مجالات التعاون.
أما توزيع ملفات مثل الصيد والأمن البحري بين دول أعضاء، فيفتح مرحلة مختلفة يصبح فيها السؤال مرتبطا بما يمكن إنجازه عمليا.
ويرى خالد الشيات، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة محمد الأول بوجدة، أن هذا الرهان يتحرك أصلا داخل بيئة إقليمية معقدة، بالنظر إلى الإشكالات الحدودية والسياسية التي تواجه عددا من الدول الإفريقية.
ويشير الشيات، في تصريح لـ«المحيط»، إلى أن بعض هذه التوترات يرتبط بإرث التقسيم الترابي الذي خلفه الاستعمار، إلى جانب عوامل اجتماعية وإثنية، فيما تصبح الصورة أكثر تعقيدا عند توسيع المجال نحو منطقة الساحل.
لكن هذه التحديات لا تلغي، بحسب الشيات، الفرص التي يوفرها الفضاء نفسه.
ويضع في مقدمتها إمكانية تعزيز التكامل الاقتصادي والاعتماد المتبادل بين الدول، بما يسمح ببناء مصالح مشتركة يمكن أن تسهم بدورها في تقليص بعض مصادر التوتر الاجتماعي والسياسي.
الساحل يبحث عن البحر
تكتسب هذه الرؤية بعدا أكبر عند ربطها بدول الساحل غير المطلة على البحر.
فالمقاربة التي تدفع بها الرباط لا تتوقف عند الدول الواقعة مباشرة على المحيط، بل تتقاطع مع المبادرة المغربية الرامية إلى تسهيل وصول دول الساحل إلى الأطلسي والاستفادة من البنية التحتية المغربية.
ويغير هذا الربط طبيعة المشروع، لأن الأمر لا يعود مقتصرا على التعاون بين دول ساحلية، بل يتعلق بإمكانية بناء ممر اقتصادي يربط اقتصادات داخلية في الساحل بالأسواق البحرية.
وهنا تدخل الموانئ والطرق والطاقة واللوجستيك في قلب المعادلة.
كما يبرز ميناء الداخلة الأطلسي ضمن البنية التحتية التي يمكن أن تخدم مستقبلا هذا التوجه، إلى جانب شبكات الطرق والموانئ المغربية والمشاريع الطاقية العابرة للحدود.
غير أن الوصول إلى البحر وحده لا يصنع التكامل الاقتصادي.
فنجاح مثل هذا الربط يحتاج إلى طرق آمنة وممرات لوجستية واتفاقات للعبور وتسهيلات جمركية وتمويل واستثمارات، إضافة إلى قدر من الاستقرار يسمح بحركة البضائع والأشخاص عبر مسافات طويلة.
الغاز والفلاحة في قلب الرهان
ويعتبر الشيات أن المغرب يمتلك بالفعل مشاريع عملية يمكن البناء عليها لتحويل التصور السياسي إلى مصالح اقتصادية.
ويشير خصوصا إلى مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي، إلى جانب التعاون في المجال الفلاحي، وخاصة الأسمدة وتطوير القدرات الزراعية للدول الإفريقية.
ويكتسب مشروع أنبوب الغاز أهمية تتجاوز نقل الطاقة، بالنظر إلى عدد الدول التي يرتبط بها المشروع على الساحل الغربي للقارة وإمكانية تطوير البنيات التحتية والطاقة حول مساره.
أما التعاون الزراعي فيطرح بعدا آخر يتعلق بالأمن الغذائي.
ويرى الشيات أن تطوير القدرات الفلاحية يمكن أن يسمح لعدد من الدول باستثمار إمكاناتها الزراعية بصورة أفضل، بالتوازي مع الاستفادة من التعاون في مجال الأسمدة والخبرة الزراعية.
وبهذه القراءة، لا يصبح التكامل هدفا اقتصاديا فقط، بل أداة محتملة لمعالجة بعض أسباب الهشاشة الاجتماعية التي تعاني منها المنطقة.
المغرب وإفريقيا بمنطق الفرص
ويضع الشيات المقاربة المغربية داخل تصور أوسع للعلاقة مع القارة.
ويقول إن المغرب ينظر إلى إفريقيا باعتبارها «مجالا للفرص»، وليس فضاء للنفوذ أو التبعية السياسية، معتبرا أن هذا التصور يختلف عن مقاربات أخرى داخل القارة.
وتفتح هذه القراءة سؤالا أساسيا حول قدرة المبادرة الأطلسية على بناء مصالح متبادلة بين دول تختلف بشكل كبير في أحجام اقتصاداتها وقدراتها ومصالحها الوطنية.
فنجاح أي فضاء اقتصادي مشترك يتوقف في النهاية على قدرة مختلف الأطراف على العثور على منفعة ملموسة من المشاركة فيه.
كما أن المشروع يتحرك داخل منطقة أصبحت محط اهتمام متزايد لقوى دولية مختلفة.
ويشير الشيات إلى الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية ضمن القوى التي تنظر إلى المنطقة باعتبارها مجالا للمصالح والتنافس.
ومن هنا يكتسب بناء إطار إفريقي للتعاون أهمية إضافية، إذ يتعلق الأمر، وفق قراءة الشيات، باستثمار الفضاء «من أجل الأفارقة» ومن أجل الدول المعنية نفسها.
الأمن البحري يدخل المعادلة
ويفسر هذا السياق أهمية اختيار الرأس الأخضر لاستضافة ورشة حول الأمن البحري.
فالسواحل الممتدة من غرب إفريقيا إلى خليج غينيا تواجه تحديات تتراوح بين الجريمة العابرة للحدود والصيد غير القانوني ومراقبة السفن وتأمين الممرات التجارية.
وكان مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي قد حذر خلال اجتماعه الوزاري في نيويورك هذا الأسبوع من امتداد الإرهاب والتطرف والجريمة المنظمة نحو المناطق الساحلية، بما فيها دول خليج غينيا.
كما شهدت ليبرفيل اجتماعا وزاريا حول الأمن البحري خرج بتوصيات لتعزيز مراقبة السفن والقدرات الوطنية وحماية البيئة البحرية ومواجهة الأنشطة البحرية غير المشروعة.
وبذلك يتقاطع الأمن البحري مع الاقتصاد.
فلا يمكن بناء ممرات تجارية واستثمارات وموانئ مترابطة دون ضمان قدر كاف من أمن السفن والطرق البحرية والمناطق الساحلية.
الصيد من الثروة الوطنية إلى التعاون الإقليمي
أما اختيار الغابون لاستضافة اجتماع خاص بالصيد فيضع أحد أهم الموارد الطبيعية للأطلسي الإفريقي داخل المشروع.
فالأسماك لا تعرف الحدود البحرية السياسية، بينما تواجه دول المنطقة تحديات مشتركة تتعلق باستدامة المخزون ومراقبة السفن والصيد غير القانوني واستفادة الاقتصادات المحلية من مواردها.
وتعمل الغابون نفسها على إعادة ترتيب سياستها في هذا المجال، بعدما وافقت حكومتها خلال شتنبر على فتح مفاوضات جديدة مع الاتحاد الأوروبي بشأن اتفاق للصيد المستدام، مع التشديد على حماية الموارد السمكية والاستغلال المستدام لها.
ومن شأن انتقال ملف الصيد إلى مستوى التعاون الأطلسي أن يمنح المبادرة مجالا يمكن قياس نتائجه بصورة أوضح من البيانات السياسية العامة.
التنمية كجزء من معادلة الاستقرار
ولا يفصل الشيات بين هذه المشاريع والتحديات الأمنية والاجتماعية التي تواجه الساحل وغرب إفريقيا.
ويرى أن توفير فرص اقتصادية وتنموية يمكن أن يساهم في الحد من الهجرة غير النظامية وعدم الاستقرار السياسي والانقلابات العسكرية وغيرها من مظاهر الهشاشة التي عرفتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة.
وهذا الربط بين الاقتصاد والاستقرار يمثل أحد المفاتيح لفهم الرؤية المغربية تجاه الساحل.
فبدلا من اختزال المنطقة في الإرهاب والانقلابات والصراعات، تحاول الرباط تقديم الولوج إلى التجارة والطاقة والبنية التحتية والاستثمار باعتباره جزءا من معالجة أسباب عدم الاستقرار.
لكن العلاقة بين التنمية والاستقرار ليست آلية، كما أن المشاريع الاقتصادية الكبرى تحتاج بدورها إلى بيئة سياسية وأمنية تسمح بتنفيذها.
وهنا يظهر التحدي الأكبر أمام المبادرة.
الاجتماع التاسع.. اختبار النتائج
بعد أربع سنوات من إطلاق المسلسل، لم يعد التحدي الأساسي هو إنتاج تصور جديد للأطلسي الإفريقي.
التحدي أصبح تحويل هذا التصور إلى مشاريع وآليات تعاون يمكن قياسها.
ويشدد الشيات على أهمية استمرار اللقاءات وتشكيل اللجان المتخصصة، لكنه يربط قيمتها بالقدرة على «تنزيل هذه التصورات على المستوى العملي».
وبالنسبة إليه، فإن قيام فضاء اقتصادي صاعد في هذه المنطقة سيكون في مصلحة المغرب ودول الساحل والدول الإفريقية المعنية، كما يمكن أن يوفر فرصا لشركائها الدوليين.
ولهذا ستكون استضافة المغرب للاجتماع الوزاري التاسع محطة مختلفة عن الاجتماعات السابقة.
فبين الاجتماع الثامن والتاسع، سيكون بالإمكان النظر إلى ما أنجز في ملف الصيد بالغابون، وما خرجت به ورشة الأمن البحري في الرأس الأخضر، وما إذا ظهرت مشاريع أخرى تتجاوز مستوى التنسيق السياسي.
ويمكن عندها قياس ما إذا كانت المبادرة الإفريقية الأطلسية قد بدأت فعلا في التحول من خريطة دبلوماسية إلى فضاء للمصالح الاقتصادية والأمنية المشتركة.
فالاختبار النهائي لن يكون في عدد الاجتماعات والبيانات، بل في الطرق والموانئ وتدفقات التجارة والطاقة والاستثمارات التي يمكن أن تنتج عنها.
وهنا تحديدا يقع الرهان المغربي: تحويل الأطلسي من حدود بحرية مشتركة إلى مساحة للتكامل، وربط الساحل بهذا الفضاء بطريقة تمنح دوله منافذ وفرصا اقتصادية جديدة، في واحدة من أكثر مناطق القارة تعقيدا من الناحية الجيوسياسية.


