الاستقلال يواجه أزمة الثقة بوعود الأسرة والسيادة ومحاربة الريع

في إطار ملف «عين على 23 شتنبر»، الذي تخصصه «المحيط» لتفكيك عروض الأحزاب وخياراتها قبل الانتخابات التشريعية، نخصص هذا التقرير لحزب الاستقلال، أحد مكونات الأغلبية الحكومية، الذي اختار أن يقدم نفسه للناخبين ببرنامج يجمع بين الحماية الاجتماعية ومحاربة الريع وتقوية المرفق العمومي وبناء السيادة الاقتصادية.

قدم الحزب، السبت 29 غشت بالرباط، برنامجه الانتخابي للفترة 2026-2031 تحت شعار «وطني.. مستقبلي»، خلال لقاء تواصلي ترأسه أمينه العام نزار بركة وحضره مرشحات الحزب ومرشحوه. ويتوزع البرنامج على خمسة محاور، يضاف إليها ميثاق للشباب صيغ، بحسب الحزب، بمشاركة شباب من مختلف جهات المملكة.

لكن الوثيقة لا تقدم وعودا انتخابية فقط. إنها تكشف أيضا التموقع الذي يريد حزب الاستقلال دخوله به إلى انتخابات 23 شتنبر: شريك في الحكومة المنتهية ولا يمكنه التنصل من حصيلتها، لكنه يسعى في الوقت نفسه إلى إظهار اختلافه عنها وتقديم مشروع سياسي مستقل للمرحلة المقبلة.

من السجال إلى المنافسة بالبرامج

حاول نزار بركة، خلال تقديم البرنامج، وضع مسافة بين حزبه وبين الصراع السياسي الذي تصاعد أخيرا بين بعض مكونات الأغلبية، مؤكدا أن الاستقلال لن ينساق وراء السجال لأنه لا يخدم مصالح المواطنين ولا يجيب عن الأسئلة الحقيقية المطروحة أمام البلاد.

ودعا إلى جعل الانتخابات مناسبة للتنافس حول البرامج والرؤى، مع الحفاظ على الاحترام المتبادل بين الأحزاب، معتبرا أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى أغلبية قوية ومنسجمة وقادرة على تنفيذ الإصلاحات الكبرى واستعادة ثقة المواطنين.

يحمل هذا الخطاب رسالة مزدوجة. فهو يقدم الاستقلال باعتباره قوة تبحث عن الاستقرار ولا تريد الانجرار إلى معركة الاتهامات، لكنه يهيئ الحزب أيضا لما بعد الانتخابات، حين ستصبح الأحزاب المتنافسة مطالبة بالتفاوض لتشكيل أغلبية حكومية جديدة.

بركة لا يغلق الباب أمام أي طرف، لكنه يضع شرطا سياسيا واضحا: أغلبية تتقاسم الرؤية والبرنامج، لا مجرد تحالف عددي لتوزيع المناصب.

أزمة الثقة وراء الهجرة الجماعية

لم يتوقف تشخيص الأمين العام لحزب الاستقلال عند الأسعار أو التشغيل. فقد ربط موجة الهجرة الجماعية نحو سبتة، التي شهدها المغرب خلال يوليوز، بأزمة أعمق في علاقة الشباب بالمؤسسات وبالمستقبل.

واعتبر بركة أن ما وقع يعكس صعوبة الوضع، وأن المعالجة لا يمكن أن تقتصر على توفير فرص العمل أو الرفع من الأجور، بل تحتاج إلى مقاربة شمولية تجعل الحقوق فعلية وتتجاوز «الحكرة» و«ثقافة الهمزة» وتعيد بناء الثقة والانتماء.

هذا الربط مهم في فهم فلسفة البرنامج. فالحزب لا يقدم أزمة الشباب باعتبارها مشكلة بطالة فقط، بل نتيجة شعور مركب بانسداد الأفق وعدم تكافؤ الفرص وضعف الثقة في قدرة المؤسسات على تغيير الواقع.

ولهذا خصص البرنامج ركنا سادسا للشباب، إلى جانب برنامج «آفاق»، الذي يعد بألا يبقى أي شاب خارج الدراسة أو التكوين أو العمل أو المواكبة لأكثر من ستة أشهر، وبرنامج لتكوين 100 ألف شاب وشابة في المهن الرقمية والعمل عن بعد وتصدير الخدمات من داخل المغرب.

غير أن نجاح هذا العرض لن يقاس بعدد المستفيدين المعلن، بل بقدرته على الوصول إلى الشباب الموجودين خارج منظومات الدراسة والتكوين والعمل، وعلى تحويل التكوين الرقمي إلى دخل فعلي ومستقر، لا إلى شهادات جديدة تضاف إلى رصيد البطالة.

الأسرة مدخل البرنامج

يضع الاستقلال الأسرة في بداية برنامجه، باعتبارها الوحدة التي تلتقي داخلها أزمات السكن والدخل والتعليم والصحة والتحولات القيمية.

ويقترح الحزب دعما يصل إلى خمسة آلاف درهم للشباب المقبلين على الزواج، وإحداث «منحة الانطلاقة الأسرية» للمساهمة في السكن الأول أو اقتناء التجهيزات الأساسية، إلى جانب عطلة مرنة ومدفوعة الأجر لرعاية الأطفال يمكن تقاسمها بين الوالدين.

كما يقترح إدراج الاستشارة النفسية ضمن خدمات التأمين الإجباري عن المرض، وتعميم الدعم النفسي في المؤسسات التعليمية، وتنظيم مهنة المساعد الأسري لتخفيف أعباء رعاية كبار السن والأشخاص في وضعية إعاقة.

هذه الإجراءات تمنح البرنامج ملامح اجتماعية واضحة، لكنها تطرح سؤال الكلفة والاستهداف. فدعم الزواج قد يوفر مساعدة ظرفية، لكنه لن يعالج وحده صعوبة السكن أو هشاشة الدخل أو البطالة، وهي العوامل التي تؤخر تكوين الأسر وتضغط على استقرارها.

ويقترح الحزب أيضا حظر ولوج الأطفال دون 15 سنة إلى منصات التواصل الاجتماعي والألعاب الإلكترونية التي يصنفها خطيرة، ومنع الهواتف الذكية في المدارس الابتدائية.

غير أن تنفيذ الحظر الرقمي سيكون أكثر تعقيدا من إقراره قانونيا، لأنه يتطلب آليات للتحقق من العمر وحماية المعطيات وتحميل المنصات والأسر والمؤسسات التعليمية مسؤوليات واضحة.

محاربة الريع في قلب العرض

يقدم الاستقلال الفساد والاحتكار باعتبارهما كلفة يومية يؤديها المواطن عبر الأسعار المرتفعة والخدمات الرديئة، وليس مجرد انحراف أخلاقي أو إداري.

ويقترح إخراج قانون لتضارب المصالح، وتشديد مراقبة التصريح بالممتلكات والتحري في حالات الإثراء غير المشروع، وتحويل الرخص والامتيازات إلى دفاتر تحملات واضحة.

ويذهب البرنامج أبعد من ذلك باقتراح ضريبة قد تصل إلى 40 في المائة على الأنشطة المستفيدة من وضعيات احتكارية أو من ريع اقتصادي استثنائي.

هذه واحدة من أكثر نقاط البرنامج جرأة، لكنها أيضا من أكثرها حاجة إلى الضبط. فالمشكل لن يكون في إعلان الضريبة، بل في تعريف الريع والربح الاستثنائي، وتحديد الجهة التي ستثبت الوضعية الاحتكارية، ومنع تحول الإجراء إلى مصدر جديد للنزاع أو الانتقائية.

أما قاعدة «سكوت الإدارة بمثابة موافقة»، فتستهدف إنهاء انتظار المواطنين والمقاولات للقرارات الإدارية. ويمكن أن تكون أداة فعالة لتقليص البيروقراطية، شريطة تحديد المساطر المستفيدة منها واستثناء الملفات التي تتعلق بالسلامة أو البيئة أو المال العام.

القدرة الشرائية والطبقة الوسطى

يراهن الحزب على آلية وطنية لمراقبة هوامش الربح في المواد الغذائية والعلاج والنقل ولوازم الدراسة، مع تقوية دور مجلس المنافسة.

كما يعد بالرفع التدريجي من الحد الأدنى للأجور والمعاشات، وإطلاق خطة ضريبية واجتماعية لتقوية الطبقة الوسطى، وضمان قروض السكن الأول لتقليص قيمة التسبيق وتمديد آجال الأداء.

وتظهر هنا محاولة للانتقال من دعم الاستهلاك إلى حماية الدخل والمسار الاجتماعي للأسرة. غير أن البرنامج، في نسخته المبسطة، لا يقدم تقديرا لكلفة هذه الالتزامات أو جدولة دقيقة لتمويلها.

سيكون على الحزب خلال الحملة أن يوضح من سيمول الزيادات والدعم والضمانات، وكيف ستتوزع الكلفة بين الدولة والمقاولات وصناديق الحماية الاجتماعية، حتى لا تبقى الأهداف الاجتماعية أكبر من الموارد المتاحة.

دولة الرعاية لا انسحاب الدولة

في الصحة، يقترح الحزب إنشاء وكالة وطنية للمستعجلات، ورقما موحدا للاتصال، وتكوين ألفي طبيب متخصص في طب المستعجلات بحلول 2031، إلى جانب اعتماد الطبيب المرجعي بوابة للدخول إلى المنظومة الصحية.

وفي التعليم، يعد بتعميم مجاني وفعلي للتعليم الأولي للأطفال بين أربع وست سنوات، مع توحيد معايير الجودة بين المدن والقرى.

هذه الإجراءات تعكس موقفا سياسيا واضحا من دور الدولة. فالاستقلال يرفض أن تتحول المدرسة والمستشفى إلى خدمات تترك لمنطق السوق، ويجعل تقوية المرفق العمومي أحد شروط دولة الرعاية.

لكن الرهان لا يرتبط بإحداث مؤسسات جديدة فقط. فوكالة المستعجلات، مثلا، لن تغير الواقع من دون موارد بشرية وسيارات إسعاف وتجهيزات وتنسيق بين المستشفيات والمراكز الجهوية، كما أن التعليم الأولي المجاني يحتاج إلى مربين وتكوين ومراقبة للجودة.

السيادة تتحول إلى أرقام

يقدم المحور الخامس أكثر أجزاء البرنامج ارتباطا بالتحولات الدولية. فهو يقترح قانونا للتخزين الاستراتيجي يضمن احتياطيا يعادل 90 يوما من المحروقات، وأربعة أشهر من الحبوب الأساسية، وستة أشهر من الأدوية واللقاحات الحيوية.

ويضع الحزب قاعدة «الماء أولا» في السياسة الفلاحية، من خلال ربط الدعم العمومي بالبصمة المائية للمحاصيل وإعداد ميزانية مائية لكل حوض.

كما يقترح رفع المحتوى المحلي في المشاريع الطاقية العمومية إلى 50 في المائة بحلول 2031، ومنح معيار «القيمة المنتجة بالمغرب» وزنا لا يقل عن 30 في المائة داخل الصفقات العمومية.

ويكتمل هذا التوجه باقتراح إنشاء شركة وطنية للملاحة التجارية تنقل ما لا يقل عن 30 في المائة من واردات المغرب الاستراتيجية من الحبوب والمحروقات والأسمدة.

هنا ينتقل مفهوم السيادة من خطاب عام إلى نسب قابلة للقياس. لكن التنفيذ يحتاج إلى استثمارات ضخمة وتنسيق بين الدولة والقطاع الخاص، وإلى التأكد من قدرة الصناعة الوطنية على توفير المحتوى المحلي المطلوب بالجودة والكلفة المناسبتين.

معركة المشاركة قبل معركة المقاعد

دعا نزار بركة مرشحي الحزب إلى تعبئة الناخبين لرفع نسبة المشاركة إلى 40 في المائة على الأقل، معتبرا أن ضعف تسجيل الشباب يهدد تجديد النخب والتمثيلية الحقيقية للمؤسسات.

بهذا المعنى، لا يخوض الاستقلال معركة ضد منافسيه فقط، بل يواجه أيضا عزوف جزء من الناخبين وعدم ثقته في جدوى التصويت.

ويحاول الحزب الإجابة عن هذه الأزمة بعرض يجمع بين الأسرة والقدرة الشرائية ومحاربة الفساد والسيادة، لكنه سيحتاج خلال الأسابيع المقبلة إلى تقديم جواب أكثر دقة عن ثلاثة أسئلة: ما كلفة وعوده؟ ما الجدول الزمني لتنفيذها؟ وكيف سيدافع عن مشروع التغيير وهو شريك في الحكومة التي سيحاسبها الناخبون على حصيلة السنوات الخمس الماضية؟

فالبرنامج يمنح الاستقلال لغة سياسية مستقلة وأرقاما قابلة للتداول، لكن الانتخابات لن تحسمها جاذبية الوعود وحدها. ستحددها أيضا قدرة الحزب على إقناع المواطنين بأنه يملك الأدوات والموارد والتحالفات الضرورية لتحويل «وطني.. مستقبلي» من شعار انتخابي إلى تعاقد حكومي قابل للتنفيذ.

مساحة إعلانية متاحةspot_imgspot_img