حذرت الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب من تحويل الترشيحات المخصصة لتعزيز تمثيلية النساء إلى مجال للمساومة المالية والنفوذ والولاءات الشخصية، معتبرة أن نزاهة الانتخابات تبدأ من نزاهة اختيار المرشحات والمرشحين داخل الأحزاب.
وقالت الجمعية، في بلاغ للرأي العام أصدرته اليوم الأحد 30 غشت، إنها تتابع بقلق المؤشرات والممارسات التي ترافق الإعداد للانتخابات التشريعية، وما قد يترتب عنها من مساس بحق النساء في مشاركة سياسية حرة ومستقلة ومتكافئة.
وربطت الجمعية هذه المخاوف بما برز من معطيات وتصريحات حول تدبير الترشيحات، داعية إلى التحقق منها وترتيب المسؤوليات القانونية والإدارية في حق كل من يثبت تورطه في المس بنزاهة التزكيات أو بتكافؤ الفرص بين المترشحات.
واعتبرت أن الانتخابات يفترض أن تكون مناسبة لتوسيع المشاركة السياسية للنساء وترسيخ المساواة والمناصفة، لا محطة لإعادة إنتاج الإقصاء داخل الأحزاب أو استبدال منطق الأعيان التقليدي بما وصفته بـ«منطق الأعيان بلغة المؤنث».
المال بدل الكفاءة
ترى الجمعية أن جعل القدرة المالية أو النفوذ أو الولاء الشخصي معيارا للحصول على التزكية، على حساب الكفاءة والنزاهة والمسار السياسي والنضالي، يمثل انحرافا عن الوظيفة الديمقراطية للأحزاب.
وتزداد خطورة هذه الممارسات بالنسبة إلى النساء، بحسب البلاغ، لأنهن يدخلن المنافسة السياسية في ظل تفاوتات تاريخية في توزيع الموارد والسلطة والنفوذ.
وعندما تصبح المرأة مطالبة بإثبات قدرتها على تعبئة المال بدل كفاءتها السياسية، أو بإظهار الولاء بدل استقلالية قرارها، فإن الأمر يتجاوز الاختلال التنظيمي ليتحول إلى شكل من أشكال العنف السياسي والتمييز ضد النساء.
وحذرت الجمعية من تهميش القيادات النسائية المستقلة والحاملة لمشروع المساواة، مقابل الدفع بأسماء تستند إلى النفوذ المالي أو شبكات المصالح، لأن ذلك قد يرفع عدد النساء داخل المؤسسات من دون تحقيق تمكين سياسي حقيقي.
90 مقعدا تحت المجهر
توقف البلاغ عند المقاعد التسعين المرتبطة بآليات تعزيز التمثيلية النسائية، محذرا من انتقالها من مدخل للتمكين السياسي إلى مورد يخضع للمساومة والقدرة المالية والعلاقات الزبونية.
وأكدت الجمعية أن آليات التمييز الإيجابي لم تحدث لتوزيع الامتيازات داخل التنظيمات السياسية، بل لتصحيح اختلال تاريخي في تمثيل النساء وفتح الطريق أمام وصول القيادات النسائية إلى المؤسسات المنتخبة ومواقع القرار.
واعتبرت أن فرض مساهمات أو أعباء مالية، مباشرة أو غير مباشرة، مرتبطة بالحصول على التزكية يثير سؤالا حول ما إذا كان الحق في المشاركة السياسية أصبح مشروطا بالقدرة على الدفع، وما إذا كانت التزكية تحولت من مسؤولية سياسية إلى امتياز يخضع لمنطق العرض والطلب.
وشددت الجمعية على أن التمكين السياسي لا يقاس بعدد النساء اللواتي يصلن إلى البرلمان أو الجماعات، بل بالشروط التي وصلن بها ومدى استقلاليتهن وقدرتهن على ممارسة مهامهن دون وصاية أو ابتزاز أو تبعية.
المطالبة بتحقيق ومساءلة
طالبت الجمعية بفتح تحقيق جدي في كل تصريح موثق يتعلق بطلب مقابل مالي مباشر أو غير مباشر مقابل الحصول على التزكية، مع ترتيب الآثار القانونية المناسبة لحماية نزاهة الانتخابات والمكتسبات الدستورية المتعلقة بالمساواة.
ودعت الجهات المكلفة بالإشراف على العمليات الانتخابية، كل في نطاق اختصاصها، إلى تتبع الممارسات التي قد تمس بنزاهة الترشيحات وتكافؤ المنافسة واتخاذ الإجراءات التي يسمح بها القانون.
كما طالبت الأحزاب بإقرار مساطر واضحة ومعلنة وقابلة للمساءلة لاختيار المرشحات والمرشحين، تقوم على الكفاءة والنزاهة والمسار السياسي والارتباط بقضايا المجتمع.
وشددت على ضرورة ضمان تكافؤ الولوج إلى الموارد الحزبية والمالية والتنظيمية والإعلامية، حتى لا تتحول الفوارق الاقتصادية إلى حاجز يمنع النساء من المشاركة أو وسيلة للتحكم في فرص ترشيحهن.
تجريم العنف السياسي
جددت الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب دعوتها إلى وضع إطار قانوني يعترف بالعنف السياسي ضد النساء ويجرمه، مع إحداث آليات مستقلة وفعالة للتبليغ والحماية والانتصاف خلال الترشيح والحملة الانتخابية وممارسة المهام الانتدابية.
وكانت الجمعية قد طالبت، خلال النقاش المتعلق بمراجعة القوانين الانتخابية، بإدماج تجريم العنف السياسي ووضع ضمانات تمنع استعمال سلطة التزكية لإقصاء النساء أو الضغط عليهن.
كما دعت إلى دعم القيادات والكفاءات النسائية داخل مواقع القرار الحزبي، وعدم حصر حضور النساء في المقاعد الناتجة عن التمييز الإيجابي، من خلال منحهن فرصا فعلية لقيادة اللوائح المحلية وخوض المنافسة المباشرة.
ويضع البلاغ الأحزاب أمام اختبار يتجاوز عدد النساء داخل لوائحها، ليشمل طريقة اختيارهن ومواقع ترشيحهن والموارد التي توضع رهن إشارتهن واستقلاليتهن بعد الفوز.
فزيادة التمثيلية العددية لا تحقق المناصفة إذا ظلت التزكيات خاضعة للمال والنفوذ، كما أن الآلية التي أحدثت لمواجهة التمييز قد تتحول إلى وسيلة لإعادة إنتاجه إذا غابت الشفافية والمساءلة.
وخلصت الجمعية إلى أن تحويل المشاركة السياسية للنساء إلى مجال للمساومة أو تبادل المصالح لا يسيء إلى النساء وحدهن، بل يضعف الثقة في الأحزاب والمؤسسات ويفرغ مبدأ المناصفة من مضمونه الدستوري والديمقراطي.


