في إطار ملف «عين على 23 شتنبر»، تستهل «المحيط» سلسلة تقاريرها التحليلية حول استعدادات الأحزاب للانتخابات التشريعية بالتجمع الوطني للأحرار، باعتباره الحزب الذي تصدر اقتراع 2021 ويقود الحكومة المنتهية ولايتها.
وتستند هذه القراءة، المحينة إلى حدود 5 شتنبر 2026، إلى اللائحة الأولى التي أعلنها الحزب، والتغييرات التي لحقتها، والتصريحات الأخيرة لرئيسه محمد شوكي، إلى جانب مواقف الحزب وخصومه بشأن انتقال عدد من المنتخبين بين مكونات الأغلبية.
يدخل التجمع الوطني للأحرار انتخابات 23 شتنبر حاملا حصيلة خمس سنوات من قيادة الحكومة، ومستندا إلى 102 مقعد حصل عليها في انتخابات 2021، فضلا عن شبكة ترابية واسعة بناها بعد تصدره الانتخابات الجماعية بـ9995 مقعدا.
غير أن هذه القوة تجعل الحزب أكثر تعرضا للمحاسبة من بقية منافسيه. فالأحرار لا يطلب هذه المرة فرصة أولى للحكم، وإنما يدعو الناخبين إلى تجديد الثقة فيه بعد ولاية تحمل خلالها المسؤولية الأولى عن إدارة الملفات الاقتصادية والاجتماعية.
وإذا كان الحزب يقدم الحماية الاجتماعية وإصلاح الصحة والتعليم ودعم الاستثمار باعتبارها ركائز حصيلته، فإن خصومه سيواجهونه بالأسعار والبطالة وجودة الخدمات والفوارق بين المدن والقرى. لذلك لا تدور معركته حول ما يقترحه للمستقبل فقط، بل حول تفسير ما وقع خلال السنوات الخمس الماضية.
شوكي يقود الحزب وأخنوش يحضر عبر الحصيلة
يخوض الأحرار الاستحقاقات بقيادة محمد شوكي، الذي انتخب في 7 فبراير 2026 رئيسا للحزب خلفا لعزيز أخنوش، بعدما حصل على 1910 أصوات من أصل 1933 صوتا معبرا عنه، في مؤتمر استثنائي ترشح فيه منفردا.
ويمثل هذا الانتقال أحد أبرز التحولات التي شهدها الحزب قبل الانتخابات. فمنذ 2016، ارتبط الصعود الانتخابي والتنظيمي للأحرار بقيادة أخنوش، الذي قاده إلى المرتبة الأولى سنة 2021 وتولى باسم الحزب رئاسة الحكومة.
لكن تغيير الرئيس لا يعني أن الحزب دخل مرحلة قطيعة. فمحمد شوكي يقدم ترشيحات الأحرار وبرنامجه الجديد باعتبارهما امتدادين للمسار الحكومي السابق، بينما تواصل قيادات الحزب الدفاع عن حصيلة حكومة أخنوش.
وفي آخر تصريحاته، قال شوكي من الخميسات إن حزبه سيدخل الانتخابات بخطاب يوضح للمغاربة «ما أنجزه وما لم يكمله»، معبرا عن ثقته في قدرة الأحرار على احتلال المرتبة الأولى. ويكشف هذا الخطاب محاولة استباق هجوم المعارضة، من خلال الاعتراف بأن بعض الأوراش لم تستكمل بدل تقديم الحصيلة باعتبارها مكتملة.
ومع ذلك، ستظل الحملة أمام ازدواجية سياسية واضحة: قيادة حزبية جديدة تريد إثبات استقلاليتها، وحصيلة حكومية مرتبطة أساسا باسم الرئيس السابق. وسيكون على شوكي أن يحول إرث أخنوش إلى رصيد انتخابي، من دون أن يظهر مجرد مدافع عن مرحلة لم يكن هو من قادها حزبيا وحكوميا.
خريطة بدأت بـ89 اسما ولم تبق ثابتة
في 5 يونيو، أعلن الأحرار لائحته الأولى للمرشحين في مختلف الجهات. وضمت 89 اسما، وقال الحزب إن نسبة التجديد فيها تجاوزت 36 في المائة، إلى جانب 12 شابا وأربع نساء في صدارة اللوائح المحلية.
وبعد ذلك، استكمل الحزب الدوائر التي ظلت عالقة في جهة الشرق، باختيار حليم فوطاط في الناظور، وعبد الرحمن المكروض في جرسيف، ومحمد القايدي في وجدة أنكاد.
لكن هذه الأرقام لا تعبر وحدها عن خريطة الترشيحات التي دخل بها الحزب فعليا إلى المرحلة النهائية. فقد شهدت الأسابيع اللاحقة تغييرات واستبدالات وانتقالات حزبية جعلت الإعلان الأول وثيقة لفهم الاختيارات الأصلية، لا لائحة نهائية يمكن اعتمادها من دون تحيين.
ولهذا لا ينبغي قياس تجديد النخب انطلاقا من نسبة 36 في المائة وحدها. فالمطلوب معرفة طبيعة الأسماء الجديدة: هل يتعلق الأمر بكفاءات تدخل العمل السياسي للمرة الأولى، أم بمنتخبين محليين، أم بوجوه انتقلت من أحزاب أخرى، أم بأسماء تستند إلى امتداد عائلي وانتخابي؟
كما أن قيمة التجديد تختلف باختلاف الدائرة. فوضع مرشح جديد في دائرة قابلة للفوز لا يحمل الدلالة نفسها التي يحملها ترشيحه في دائرة ضعيفة الحظوظ.
أربعة وزراء أمام صناديق الاقتراع
وضع الحزب أربعة أعضاء في الحكومة في واجهة المنافسة: كريم زيدان في اليوسفية، وأحمد البواري في وزان، ولحسن السعدي في تارودانت الشمالية، ومصطفى بايتاس في سيدي إفني.
ولا تحمل هذه الترشيحات وظيفة رمزية فقط. فالحزب يريد تحويل أعضاء الحكومة إلى مدافعين ميدانيين عن الحصيلة، وفي الوقت نفسه استعمال الحضور الوزاري لاختراق دوائر جديدة أو حماية مواقع انتخابية مهددة.
ويتضح من ترشيح كريم زيدان في اليوسفية أن الأحرار لا يتحرك بمنطق الدفاع عن مقاعد 2021 وحدها، بل يبحث أيضا عن تعويض الخسائر المحتملة بفتح دوائر لم يفز بها في الانتخابات الماضية.
لكن الدفع بالوزراء يرفع كلفة الخسارة. فهزيمة مرشح وزاري لا تقرأ باعتبارها خسارة مقعد واحد فقط، بل تتحول إلى تصويت سياسي على أداء القطاع الذي يدبره وعلى الحصيلة الحكومية عموما.
وستكون دوائر وزان واليوسفية وتارودانت الشمالية وسيدي إفني من أبرز مختبرات قدرة الحزب على تحويل السلطة الحكومية إلى أصوات، من دون أن تتحول المسؤولية الوزارية إلى عبء انتخابي.
المنتخبون المحليون لحماية الخريطة
إلى جانب الوزراء، حافظ الحزب على حضور قيادات برلمانية ومنتخبين يملكون شبكات محلية، من بينهم راشيد الطالبي العلمي في تطوان، وهشام آيت منا في المحمدية، إلى جانب رؤساء جماعات ومجالس ومنتخبين راكموا نفوذا ترابيا.
ويعكس هذا الاختيار إدراك قيادة الأحرار أن الانتخابات التشريعية لا تحسمها البرامج والخطابات الوطنية وحدها. ففي عدد من الدوائر، تظل قدرة المرشح على التعبئة وبناء التحالفات المحلية وإدارة شبكة المنتخبين عاملا مركزيا.
وتشكل نتائج الانتخابات الجماعية والجهوية لسنة 2021 أحد أهم أصول الحزب، لأنها وفرت له قاعدة من المستشارين ورؤساء الجماعات والمجالس يمكن تحويلها إلى آلة انتخابية.
غير أن الشبكة نفسها قد تصبح مصدر ضعف عندما تقع خلافات حول التزكية. فالمنتخب الذي لا يحصل على الترشيح لا يغادر بمفرده دائما، بل قد يحمل معه مستشارين محليين وجزءا من التنظيم والأصوات.
انتقال ثمانية أسماء يشعل مواجهة داخل الأغلبية
ظهر هذا الخطر بوضوح خلال غشت، عندما اتهم التجمع الوطني للأحرار حزب الأصالة والمعاصرة باستمالة منتخبين ومرشحين سبق أن أعلن الأحرار تزكيتهم أو كانوا يتحملون مسؤوليات باسمه.
وسمى الحزب ثمانية أشخاص هم عبد الحي حرطون، ومحمد الجماني، وزينب السيمو، وعثمان بادل، ومنال بادل، وبشرى الوردي، وعبد الحفيظ المكوتي، وعبد القادر الحضوري.
ورد الأصالة والمعاصرة برفض الاتهامات، معتبرا أن تغيير الانتماء الحزبي حق، ومذكرا بأن الأحرار رشح بدوره في انتخابات 2021 أكثر من 17 برلمانيا سبق أن انتموا إلى خمسة أحزاب، بينهم ستة من البام.
وتجاوز الخلاف بذلك حدود التنافس بين حزبين داخل الأغلبية، ليكشف هشاشة التحالفات عندما تبدأ معركة المقاعد. فالأحزاب التي دبرت الحكومة مجتمعة تدخل الانتخابات بمصالح متعارضة، وكل مقعد يكسبه أحدها قد يكون على حساب شريكه.
ورد شوكي على هذه الانتقالات بالقول إن مراجعة القناعات السياسية حق طبيعي، لكن غير الطبيعي، في نظره، أن يكتشف المنتخب خلافه مع مشروع حزبه قبل شهر من الاقتراع. كما أكد في وجدة أن الأحرار لا يتعامل مع المرشحين باعتبارهم أرقاما تستبدل عشية الانتخابات.
غير أن هذه المواجهة تضع الحزب أمام سؤال يتجاوز أخلاقيات الترحال: لماذا لم يتمكن من الاحتفاظ بمنتخبين تحمل بعضهم مسؤوليات باسمه؟ وهل يتعلق الأمر بإغراءات قدمها المنافسون، أم بخلافات داخلية حول التزكيات والتدبير والعلاقة بين المركز والمنتخبين؟
الناظور نموذج لمخاطر تغيير المرشح
تقدم دائرة الناظور مثالا واضحا على حساسية إعادة توزيع التزكيات. ففي انتخابات 2021، تصدر محمادي توحتوح النتائج باسم التجمع الوطني للأحرار، لكن الحزب اختار في انتخابات 2026 حليم فوطاط لقيادة لائحته.
ولا تنتقل أصوات المرشح السابق بصورة آلية إلى خلفه الحزبي. ففي الدوائر التي تقوم فيها المنافسة على حضور الأشخاص والعائلات والشبكات المحلية، قد يحتفظ الحزب بجزء من القاعدة، بينما ينتقل جزء آخر مع المرشح أو يعيد توزيع نفسه بين المنافسين.
ويمكن تعميم السؤال على دوائر أخرى تغير فيها وكلاء اللوائح: هل كان التصويت في 2021 للحزب أم للمرشح؟ والإجابة التي ستقدمها صناديق 23 شتنبر ستكشف طبيعة القوة الحقيقية للأحرار داخل هذه المناطق.
النساء والتجديد خارج الحساب العددي
ضمت اللائحة الأولى أربع نساء في صدارة اللوائح المحلية، هن زينة إدحلي في أكادير إداوتنان، وزينة شهيم في فاس الجنوبية، ونادية بوهدود في تارودانت الجنوبية، ونادية بوعيدة في كلميم.
ولا يختزل هذا الرقم مجموع الحضور النسائي داخل ترشيحات الحزب، خاصة مع اللوائح الجهوية المخصصة لتعزيز تمثيلية النساء. لكنه يظل مؤشرا على محدودية إسناد قيادة اللوائح المحلية إلى النساء، حيث تخاض المنافسة المباشرة ويظهر الوزن الانتخابي للمرشح وشبكته الميدانية.
كما يطرح الأمر سؤالا حول معنى التجديد الذي يعلنه الحزب: هل يقتصر على استبدال أسماء بأخرى، أم يشمل فتح الدوائر القابلة للفوز أمام النساء والشباب والكفاءات التي لا تستند إلى النفوذ المالي أو العائلي؟
البرنامج دخل الحملة لكنه لا يلغي سؤال الحصيلة
قدم الحزب برنامجه للفترة 2026-2031 تحت شعار «كرامة وفرص للجميع»، وبناه على حماية القدرة الشرائية، وتحسين جودة الخدمات العمومية، وتحقيق إدماج اقتصادي أوسع.
وكشف الحزب تدريجيا عن إجراءات تشمل مراجعة الأجور والمعاشات، وربط الدعم الاجتماعي بتطور أسعار الطاقة، وتعميم النقل المدرسي القروي، وتوفير الوجبات لتلاميذ التعليم الأولي والابتدائي العمومي، ورفع عدد الجامعات من 12 إلى 27 جامعة.
فالأحرار يقدم عرضه الجديد باعتباره استمرارا للإصلاحات، وليس قطيعة معها. وتقول زكية الدريوش إن البرنامج لا يفتح صفحة جديدة بقدر ما يواصل مسارا بدأ منذ تولي الحزب تدبير الحكومة سنة 2021.
وهنا تكمن صعوبة الخطاب: إذا كان البرنامج استمرارا، فسيطالب الحزب بتفسير ما لم يتحقق خلال الولاية الأولى. وإذا قدمه باعتباره تحولا جديدا، فسيواجه بسؤال سبب تأخر هذه التدابير رغم قيادته للحكومة.
القدرة الشرائية نقطة المواجهة الأولى
أقر محمد شوكي، في آخر محطة تنظيمية بالخميسات، بأن القدرة الشرائية حضرت بقوة في انشغالات المواطنين خلال جولات الإنصات التي نظمها الحزب.
وهذا الاعتراف يحدد على الأرجح مركز المعركة الانتخابية. فالحماية الاجتماعية وتوسيع التغطية الصحية والدعم المباشر أوراش يمكن للحزب الدفاع عنها، لكن الناخب يقيس الحصيلة أيضا من خلال أسعار الغذاء والسكن والنقل والطاقة، وما تبقى من الدخل بعد تغطية النفقات الأساسية.
لذلك سيحاول الأحرار نقل النقاش من غلاء الأسعار إلى أدوات الحماية التي أقامتها الحكومة، بينما ستسعى المعارضة إلى إثبات أن هذه الأدوات لم تعوض بالكامل تراجع القدرة الشرائية.
والطرف الذي ينجح في جعل المواطن يتبنى تفسيره للأرقام سيكون قد حسم جزءا مهما من المنافسة قبل الوصول إلى صناديق الاقتراع.
هل تنتصر الحصيلة أم كلفة الحكم؟
يدخل التجمع الوطني للأحرار الانتخابات بأربع نقاط قوة رئيسية: تصدر اقتراع 2021، وقيادة الحكومة، وشبكة واسعة من المنتخبين المحليين، وبرنامج انتخابي قدمه مبكرا ورافقه بجولات تواصلية في الجهات.
في المقابل، يواجه أربع نقاط ضعف: كلفة الدفاع عن الحصيلة، وانتقال منتخبين إلى منافسين، والخلافات الناتجة عن التزكيات، واحتمال تحول ترشيح الوزراء إلى استفتاء محلي على أداء الحكومة.
ويضاف إلى ذلك اختبار القيادة الجديدة. فمحمد شوكي أعلن أن حزبه سيكون القوة السياسية الأولى في 23 شتنبر، داعيا خصومه إلى تقديم برامجهم وترك الحكم للناخبين.
لكن الوصول إلى الصدارة مجددا لن يتوقف على الخطاب الوطني وحده. سيحسم داخل الدوائر التي غير فيها الحزب مرشحيه، وفي المناطق التي غادره فيها منتخبون، وفي قدرة الوزراء على الفوز، وفي مدى حفاظ الشبكة الجماعية على تماسكها.
لا يخوض الأحرار انتخابات 2026 بمنطق التجديد الشامل ولا بمنطق المحافظة الكاملة. إنه يحاول الجمع بين وزراء يدافعون عن الحصيلة، ومنتخبين محليين يحمون المقاعد، ووجوه جديدة تقدم صورة التغيير، وبرنامج يعد بمرحلة ثانية من الإصلاح.
غير أن المعركة النهائية ستدور حول سؤال أكثر بساطة: هل يرى المغاربة أن ما تحقق خلال خمس سنوات يمنح الحزب فرصة جديدة، أم أن كلفة الأسعار والتشغيل والخدمات ستكون أقوى من الحصيلة والشبكات والمرشحين؟


