الاتحاد الاشتراكي في انتخابات 2026.. هل تتحول المعارضة إلى مكاسب انتخابية؟

بعد التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال، يصل ملف «عين على 23 شتنبر» إلى الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الحزب الذي أنهى انتخابات 2021 في المركز الرابع بـ34 مقعدا، واختار قضاء الولاية المنتهية في المعارضة.

يدخل حزب «الوردة» انتخابات 2026 من موقع مختلف عن الأحزاب الثلاثة التي قادت الحكومة. فهو لا يدافع عن حصيلة وزارية، ولا يتحمل مباشرة كلفة القرارات التي اتخذتها الأغلبية، لكنه مطالب بإثبات أن خمس سنوات من الانتقاد والمساءلة وتقديم البدائل صنعت له رصيدا يتجاوز الحضور داخل البرلمان.

وتكشف خريطة الترشيحات أن الحزب لم يختر التجديد الشامل، كما لم يكتف بإعادة تقديم الأسماء نفسها. فقد حافظ على جزء أساسي من كتلته البرلمانية، ودفع بوجوه جديدة في دوائر أخرى، وفتح الباب أمام أسماء قادمة من تجارب سياسية مختلفة.

وبين رصيد المعارضة وقوة المرشحين المحليين، وبين اسم تاريخي ما زال يحتفظ بحضوره وخريطة انتخابية شديدة التنافس، يتحدد سؤال الاتحاد الاشتراكي في هذه الانتخابات: هل يحافظ على المركز الرابع ويحسن تمثيليته، أم تنتهي الولاية بخطاب معارض حاضر من دون مكاسب موازية في صناديق الاقتراع؟

من 20 إلى 34 مقعدا.. مكسب يحتاج إلى حماية

عاد الاتحاد الاشتراكي إلى المركز الرابع سنة 2021 بعدما حصل على 34 مقعدا، مقابل 20 مقعدا في انتخابات 2016. وكانت النتائج المؤقتة قد منحته 35 مقعدا، قبل أن يستقر العدد النهائي عند 34.

مثلت تلك النتيجة استعادة جزئية لموقع الحزب، بعد سنوات من التراجع الذي أضعف حضوره في عدد من المدن والقطاعات التي ارتبطت تاريخيا باليسار المغربي.

غير أن العدد الإجمالي لا يكفي وحده لفهم طبيعة هذا التقدم. فقد حقق الحزب جزءا من مكاسبه في دوائر كان فيها للحضور الشخصي للمرشح وشبكته المحلية دور حاسم في استقطاب الأصوات، أكثر من وجود موجة سياسية وطنية أعادت الناخبين بصورة جماعية إلى الاتحاد الاشتراكي.

ولهذا يبقى الحفاظ على بعض المقاعد مرتبطا بقدرة الحزب على تثبيت تلك الشبكات، خصوصا عندما يغير مرشحه أو يفقد نائبا لصالح حزب منافس. فاللون السياسي لا يضمن، بمفرده، انتقال أصوات المرشح السابق إلى خلفه.

ويدخل الاتحاد الاشتراكي الاستحقاق بتغطية شبه وطنية، بعدما قدم 90 لائحة محلية تضم 301 مترشح ومترشحة، إلى جانب 11 لائحة جهوية تضم 87 مرشحة. وبذلك يحضر في معظم الدوائر، من دون أن يبلغ التغطية الكاملة للمجال الانتخابي المكون من 92 دائرة محلية و12 دائرة جهوية.

يمنح هذا الانتشار الحزب فرصة المنافسة في جهات مختلفة، لكنه لا يعني أن لوائحه تمتلك الحظوظ نفسها. فهناك دوائر يدافع فيها عن مقاعد قائمة، وأخرى يراهن فيها على استعادة مواقع فقدها، بينما يخوض في مناطق ثالثة معركة تثبيت الحضور وتجميع الأصوات أكثر من المنافسة المباشرة على الفوز.

خمس سنوات في المعارضة.. رصيد ينتظر يوم الاقتراع

منح موقع المعارضة الاتحاد الاشتراكي مساحة للتحرك خارج قيود التضامن الحكومي. وقد ركز خطابه خلال الولاية على الأسعار والقدرة الشرائية والتشغيل والحوار الاجتماعي والخدمات العمومية، إلى جانب انتقاد هيمنة الأغلبية وضعف التوازن السياسي داخل المؤسسات.

وتظهر حصيلة السنة التشريعية الرابعة نشاطا رقابيا ملحوظا للفريق الاشتراكي. فقد أجابت الحكومة عن 764 سؤالا كتابيا تقدم بها الفريق، كما وضع الاتحاد خلال السنة نفسها 30 مقترح قانون جديدا، إلى جانب طلبات لعقد اجتماعات للجان البرلمانية.

لكن كثافة المبادرة لا تعني بالضرورة قوة الأثر. فقد ظل جزء كبير من مقترحات القوانين وطلبات اجتماعات اللجان في طور الدراسة أو من دون برمجة، ولم يتحول منها إلى نصوص وقرارات إلا عدد محدود.

ولا يتحمل فريق المعارضة وحده مسؤولية ضعف التجاوب مع المبادرات التشريعية، لكنه سيكون مطالبا خلال الحملة بشرح ما أحدثه عمله من تغيير ملموس، وليس فقط عرض عدد الأسئلة والمقترحات التي قدمها.

ويخوض الحزب الانتخابات ببرنامج يقوم على عشرين التزاما تحت شعار «إنصاف، شغل، كرامة»، موزعة بين بناء دولة ديمقراطية فعالة، وإقامة اقتصاد منتج للثروة وفرص العمل، وتعزيز الكرامة وتكافؤ الفرص.

ينسجم هذا العرض مع هوية الاتحاد الاشتراكي ورصيده التاريخي في الدفاع عن الدولة الاجتماعية والخدمات العمومية والعدالة المجالية. غير أن الحزب يتحرك اليوم داخل ساحة تتنافس فيها معظم الأحزاب على المفردات الاجتماعية نفسها.

فالكرامة والإنصاف والتشغيل وتقوية المدرسة والمستشفى العموميين لم تعد عناوين خاصة باليسار. ولذلك لن يكون الاختبار في قوة العبارات، بل في قدرة الاتحاد على توضيح ما يميز برنامجه عن منافسيه، وكيف سيمول التزاماته، وما الذي سيغيره فعليا إذا شارك في الحكومة المقبلة.

أما الرهان السياسي الأكبر، فيتمثل في تحويل الغضب من الأغلبية إلى تصويت لفائدة الاتحاد. وهو أمر غير مضمون، لأن الحزب ليس القوة المعارضة الوحيدة، ولأن الاحتجاج على الحكومة قد يتوزع بين أحزاب مختلفة أو يتحول إلى عزوف عن المشاركة.

بهذا المعنى، لا تكفي الدعوة إلى التصويت العقابي. فالناخب الذي يريد محاسبة الأغلبية يحتاج أيضا إلى سبب إيجابي لاختيار الاتحاد الاشتراكي دون بقية أحزاب المعارضة.

نواة برلمانية ثابتة وتجديد محسوب للمرشحين

كشفت المرحلة الأولى من توزيع التزكيات عن أولوية حماية المقاعد القائمة، بعدما جدد الحزب الثقة في 19 نائبا برلمانيا. ويعكس هذا الاختيار تقدير القيادة بأن الاحتفاظ بمرشح راكم شبكة انتخابية أقل مخاطرة من الدفع باسم جديد في دائرة سبق للحزب الفوز بها.

وفي المراحل اللاحقة، ظهرت أسماء جديدة ومرشحات على رأس بعض اللوائح المحلية، ما منح الخريطة قدرا من التجديد، من دون أن يغير طبيعتها الأساسية القائمة على الجمع بين البرلمانيين الحاليين والمنتخبين المحليين ووجوه وافدة من تجارب أخرى.

لا يعني ذلك أن الحزب تخلى عن خطابه المتعلق بتجديد النخب، لكنه اختار تجديدا محسوبا لا يغامر دفعة واحدة بالمقاعد التي يتوفر فيها على مرشحين مجربين.

هذه الاستراتيجية مفهومة انتخابيا، خصوصا في الدوائر القروية وشبه الحضرية التي يحتفظ فيها المرشح بدور حاسم في التعبئة. لكنها تضع الاتحاد أمام مفارقة سياسية: كيف يحافظ على صورته باعتباره حزبا للأفكار والمؤسسات، بينما تعتمد نتيجة جزء من مرشحيه على النفوذ الشخصي والشبكات المحلية؟

وتظهر حساسية المسألة في الدوائر التي غادر فيها النائب السابق الحزب، أو قررت القيادة تغيير مرشحها. ففي هذه الحالات، سيكون على التنظيم إثبات أن الأصوات كانت مرتبطة بالوردة، وليست رصيدا شخصيا للاسم الذي حملها سنة 2021.

ويبرز مثال سيدي بنور، حيث غادر النائب عبد الغني مخداد الاتحاد الاشتراكي واتجه إلى حزب الاستقلال، قبل أن تقضي المحكمة الدستورية بتجريده من عضويته بمجلس النواب بسبب التخلي عن انتمائه السياسي.

ولا تتوقف كلفة المغادرة عند فقدان اسم واحد، إذ قد يصحب المرشح معه جزءا من شبكته المحلية ومن المنتخبين الذين اشتغلوا إلى جانبه. وفي المقابل، قد يستفيد الاتحاد بالطريقة نفسها من أسماء التحقت به قادمة من أحزاب أخرى.

لذلك لا يقاس التجديد بعدد الوجوه الجديدة وحده، بل بنوعية الدوائر التي وضعت فيها هذه الأسماء، ومدى قدرتها على المنافسة، وبقاء تنظيم محلي قادر على العمل بعد تغير المرشح.

مطبات التزكيات.. من الاحتواء إلى التعبئة

يدخل الاتحاد الاشتراكي الانتخابات بقيادة مستقرة بعدما مدد المؤتمر الوطني الثاني عشر، المنعقد في أكتوبر 2025، مهمة إدريس لشكر على رأس الحزب. وقد وفر ذلك استمرارية في القرار خلال مرحلة إعداد الترشيحات، لكنه أبقى سؤال تجديد القيادة مطروحا داخل حزب ارتبط تاريخيا بإنتاج النخب والتداول على المسؤولية.

والاستقرار القيادي ليس نقطة قوة أو ضعف في حد ذاته. فهو يسمح بضبط التنظيم وتسريع القرار، لكنه يجعل القيادة المركزية مسؤولة بصورة مباشرة عن اختيارات المرشحين وعن نتائجها يوم الاقتراع.

وفي طريقه إلى محطة 23 شتنبر، عرف الاتحاد الاشتراكي بعض المطبات التنظيمية المرتبطة بمنح التزكيات، خصوصا في اللوائح الجهوية.

وبرزت في هذا السياق واقعتا رجاء البقالي الطاهري، التي أعلن المكتب السياسي قبول استقالتها، ومريم جمال الإدريسي، التي أعلن الحزب تخليها عن الانتماء إليه، وسط خلافات رافقت تدبير الترشيحات.

غير أن القيادة نجحت، إلى حدود هذه المرحلة من الحملة، في احتواء آثار تلك الخلافات ومنع تحولها إلى تصدع تنظيمي واسع. وبذلك انتقل الاختبار من تدبير التزكيات إلى قدرة الحزب على تعبئة قواعده ومنتخبيه خلف المرشحين المعتمدين.

ولا تبدو الحالات المسجلة، من حيث العدد، كافية للحديث عن أزمة تنظيمية شاملة. لكنها تكشف حساسية اللوائح الجهوية التي لا يقتصر التنافس حولها على الحظوظ الانتخابية، بل يمتد إلى موقع المرشحة داخل الحزب وإمكان انتقالها إلى دائرة صناعة القرار.

وتتضاعف حساسية التزكيات عندما يتعلق الأمر بحزب يرفع خطاب الاستحقاق والمساواة والديمقراطية الداخلية. فكل اعتراض على معايير الاختيار يتحول سريعا من خلاف تنظيمي إلى اختبار لمصداقية الخطاب السياسي.

أما بعد انطلاق الحملة، فلم يعد نجاح القيادة يقاس بقدرتها على إنهاء الخلاف فقط، بل بمدى مشاركة الفروع والأسماء التي لم تحصل على التزكية في التعبئة. ففي الانتخابات، قد يكون الفرق بين الفوز والخسارة هو بقاء شبكة محلية بكاملها داخل الحملة أو انسحابها منها بصمت.

دوائر الدفاع والاختراق.. كيف تتحول المعارضة إلى مقاعد؟

تبدأ معركة الاتحاد الاشتراكي بالدفاع عن المقاعد التي حصل عليها سنة 2021، خصوصا في الدوائر التي لا توزع سوى مقعدين أو التي فاز فيها بالمرتبة الأخيرة المؤهلة.

في المضيق الفنيدق، يدافع عبد النور الحسناوي عن مقعد داخل دائرة من مقعدين. وكان الحزب قد حل ثانيا سنة 2021، متقدما على التجمع الوطني للأحرار بفارق يقل عن 700 صوت. وهذا يجعل المقعد قابلا للحماية، لكنه يظل معرضا لأي ارتفاع في تعبئة المنافسين أو تراجع في الحضور المحلي للحزب.

وفي جرسيف، يحتفظ الاتحاد بسعيد بعزيز داخل دائرة من مقعدين أيضا. ومع تعدد المرشحين القادرين على المنافسة، يصبح الحفاظ على المقعد رهينا بتماسك القاعدة الانتخابية ومنع تسرب الأصوات إلى اللوائح المنافسة.

أما طنجة أصيلة، فتشكل أحد أكثر الاختبارات حساسية. فقد فاز الاتحاد سنة 2021 بالمقعد الخامس والأخير، ما يعني أن أي تراجع في ترتيبه أو صعود لائحة جديدة قد يدفعه إلى خارج التمثيلية.

وفي سيدي قاسم، غير الحزب مرشحه مقارنة بانتخابات 2021، بينما احتفظ عدد من منافسيه بأسماء سبق لها الفوز. وستقيس الدائرة قدرة التنظيم على نقل الرصيد الانتخابي من مرشح إلى آخر، في مواجهة شبكات حافظت على استمراريتها.

وتطرح خريبكة الاختبار نفسه، بعدما انتقلت التزكية إلى عبد الإله العلافي. ورغم أن الدائرة توزع ستة مقاعد، فإن تعدد اللوائح القوية يجعل الاحتفاظ بالموقع مشروطا بقدرة المرشح الجديد على توحيد أصوات التنظيم واستيعاب شبكات المرحلة السابقة.

في المقابل، تمثل أكادير إداوتنان إحدى أقرب فرص الاختراق. فقد خسر الاتحاد المقعد الأخير سنة 2021 بفارق 12 صوتا فقط، ويدفع هذه المرة برجاء ميسو. وإذا حافظ الحزب على رصيده السابق ورفع تعبئته بدرجة محدودة، فقد تمنحه الدائرة مقعدا إضافيا.

وتتحدد حصيلة الاتحاد بين ثلاثة سيناريوهات رئيسية. الأول أن يحافظ على مقاعده الهشة ويستعيد دوائر خسرها بفوارق محدودة، فيتقدم عن نتيجة 2021 ويعزز موقعه في المركز الرابع.

أما السيناريو الثاني، فيقوم على تعويض الخسائر بالمكاسب، بحيث يفقد الحزب مقاعد انتقلت شبكات أصحابها إلى أحزاب أخرى، لكنه يعوضها في دوائر الاقتراب واللوائح الجهوية، لينتهي قريبا من حصيلته الحالية.

ويبدأ السيناريو الثالث بخسارة المقاعد الأخيرة في الدوائر الحضرية والتنافسية، مع عجز الأسماء الجديدة عن تعويض النواب المغادرين. عندها قد يتحول المركز الرابع من منصة للتقدم إلى موقع يحتاج الحزب نفسه إلى الدفاع عنه.

ويبقى دخول الاتحاد الاشتراكي ضمن الأحزاب الثلاثة الأولى سيناريو مفاجأة، يتطلب الحفاظ على معظم مقاعده وتحقيق اختراقات واسعة، بالتزامن مع تراجع أحد الأحزاب المتقدمة. غير أن الاختبار الأقرب يظل تحسين حصيلته الحالية وتحويل خمس سنوات من المعارضة إلى مكاسب انتخابية ملموسة.

لن تقاس حصيلة الاتحاد الاشتراكي بعدد المواقف والأسئلة والمبادرات التي راكمها في البرلمان فقط، بل بقدرته على نقل أثرها من المؤسسة التشريعية إلى الدوائر الانتخابية.

فإذا حافظ على مقاعده الهشة واخترق المناطق التي خسرها بفوارق محدودة، يكون قد أعاد بناء جزء من وزنه الانتخابي. أما إذا بقي الغضب من الأغلبية موزعا بين أحزاب المعارضة والعزوف، فقد تنتهي الولاية بخطاب معارض حاضر، ولكن من دون مكاسب انتخابية موازية.

مساحة إعلانية متاحةspot_imgspot_img