في الوقت الذي يثير فيه تراجع الزيارات القادمة من محركات البحث مخاوف متزايدة داخل المؤسسات الإعلامية، تقدم تجربة مجلة «ذا أتلانتيك» الأميركية مفارقة تستحق التوقف عندها: جوجل يرسل إليها عددا أقل من القراء، لكن عدد المشتركين المدفوعين القادمين من هذه الزيارات ارتفع.
وكشف نيكولاس تومسون، الرئيس التنفيذي للمجلة، أن الإحالات القادمة من جوجل تراجعت، على غرار ما يحدث في جزء واسع من صناعة الأخبار، لكن عدد الأشخاص الذين يصلون عبر جوجل ثم يتحولون إلى مشتركين ارتفع.
واختصر تومسون التحول بالقول إن جوجل أصبح يرسل إلى «ذا أتلانتيك» عددا أقل من الأشخاص الذين لم يكونوا سيشتركون في الأصل.
هذه المفارقة تعيد طرح سؤال قد يصبح مركزيا في اقتصاد الصحافة الرقمية خلال السنوات المقبلة: هل الأهم هو عدد الأشخاص الذين يصلون إلى الموقع، أم قيمة العلاقة التي تستطيع المؤسسة بناءها مع من يصلون إليه؟
1.6 مليون مشترك
تمتلك «ذا أتلانتيك» حاليا نحو 1.6 مليون مشترك مدفوع، بحسب تومسون، بعدما أعلنت المجلة تحقيق الربحية في 2024، واستمرت منذ ذلك الحين في تحقيق نتائج مالية إيجابية.
ويعني ذلك أن انخفاض حجم الزيارات لا يقود بالضرورة إلى النتيجة نفسها بالنسبة إلى جميع المؤسسات، خصوصا عندما يكون نموذجها الاقتصادي قائما بدرجة أكبر على العلاقة المباشرة مع القارئ والاشتراك، وليس فقط على تحويل أكبر عدد ممكن من الزيارات إلى مشاهدات إعلانية.
وتأتي هذه التجربة في لحظة تواجه فيها المؤسسات الإعلامية تغيرا أعمق في طريقة اكتشاف الأخبار والمعلومات، مع تراجع حركة الإحالة من محركات البحث وصعود أدوات الذكاء الاصطناعي التي تستطيع تقديم الإجابة للمستخدم مباشرة.
الذكاء الاصطناعي لا يعوض جوجل لكن «ذا أتلانتيك» اكتشفت في المقابل أن أدوات الذكاء الاصطناعي لم تصبح حتى الآن مصدرا بديلا مهما للزيارات.
وكانت المجلة من المؤسسات الإعلامية المبكرة التي أبرمت اتفاقا مع OpenAI في 2024، إلا أن تومسون يقول إن حجم الزيارات التي تصل إلى موقع «ذا أتلانتيك» من ChatGPT كان أقل بكثير مما كان متوقعا.
ويكشف ذلك اختلافا جوهريا بين البحث التقليدي وروبوتات المحادثة.
ففي محرك البحث يحصل المستخدم على مجموعة من الروابط التي تقوده إلى المواقع الأصلية، بينما يستطيع داخل أدوات الذكاء الاصطناعي الحصول على جزء كبير من الإجابة دون مغادرة المنصة.
بالنسبة إلى الناشرين، لا يتعلق الأمر إذن بتغير مصدر الزيارات فقط، وإنما باحتمال تغير مفهوم الزيارة نفسه.
عندما يصبح القارئ آلة
وتختبر «ذا أتلانتيك» في الوقت نفسه نموذجا آخر يمكن أن تكون له دلالات أكبر على مستقبل اقتصاد المحتوى.
فالمجلة تحصل على مدفوعات صغيرة من شركة Parallel Web Systems، التي أسسها الرئيس التنفيذي السابق لتويتر باراغ أغراوال، وتعمل على تطوير بنية للبحث موجهة إلى وكلاء الذكاء الاصطناعي.
الفكرة هنا مختلفة عن نموذج محركات البحث التقليدي. فبدلا من أن تستخدم الأنظمة المحتوى ثم ترسل المستخدم إلى الموقع، يقوم النموذج على تعويض المؤسسات التي تنتج المحتوى الذي تحتاج إليه أنظمة الذكاء الاصطناعي.
وتمنح المنصة قيمة أكبر للمحتوى الذي يصعب استبداله أو يتم استخدامه في مهام ذات قيمة مرتفعة.
وهذه النقطة ليست تفصيلا تقنيا. فإذا أصبحت نسبة متزايدة من عمليات قراءة صفحات الإنترنت وتنقيبها تتم بواسطة وكلاء ذكاء اصطناعي وليس بواسطة البشر، فإن المؤسسات الإعلامية ستحتاج إلى نموذج اقتصادي يستطيع استخراج قيمة من هذا الاستخدام حتى عندما لا ينتج عنه قارئ يزور الموقع.
من اقتصاد الزيارات إلى اقتصاد القيمة
لهذا قد تكون المفارقة التي تعيشها «ذا أتلانتيك» أهم من مجرد تغير في أرقام جوجل.
فطوال سنوات طويلة، قامت أجزاء واسعة من اقتصاد الصحافة الرقمية على سباق لجلب أكبر حجم ممكن من الزيارات.
وكلما ارتفع عدد الصفحات المقروءة، ارتفعت فرص تحقيق مداخيل أكبر من الإعلانات.
لكن هذه المعادلة تواجه اليوم ضغوطا من جهات متعددة: تغير خوارزميات البحث، صعود شبكات التواصل، الانتقال نحو الفيديو، وتوسع أدوات الذكاء الاصطناعي التي تستطيع استهلاك المحتوى وإعادة تقديم خلاصته دون إرسال المستخدم إلى مصدره.
وتشير تجربة «ذا أتلانتيك» إلى معادلة أخرى ممكنة: جمهور أصغر قد تكون له قيمة اقتصادية أكبر، إذا تمكنت المؤسسة من تحويل جزء منه إلى مشتركين أو بناء منتجات وخدمات يصعب الاستغناء عنها.
وماذا عن الصحافة الرقمية في المغرب؟
يصبح السؤال أكثر إلحاحا عند إسقاطه على واقع الصحافة الرقمية في المغرب، حيث تواجه مؤسسات كثيرة صعوبة في بناء نموذج اقتصادي مستدام، بينما يظل جزء مهم من السوق مرتبطا بالإعلانات وحجم الزيارات.
ومع تغير عادات استهلاك الأخبار وارتفاع حضور الفيديو وشبكات التواصل، لم يعد القارئ يصل إلى الخبر بالطريقة نفسها التي كان يصل بها إليه قبل سنوات.
ويضيف الذكاء الاصطناعي الآن تحولا آخر، إذ يستطيع المستخدم الحصول على إجابات وملخصات دون أن يصل بالضرورة إلى الموقع الذي أنتج المعلومة الأصلية.
وهذا يعني أن الرهان على زيادة عدد الزيارات وحده قد يصبح أكثر هشاشة.
وقد سبق لرئيس تحرير صحيفة «المحيط»، نورالدين البيار، وهو خبير ومتمرس في إدارة غرف الأخبار الرقمية، أن تناول هذه الإشكالية من زاوية البحث عن نماذج اقتصادية جديدة للصحافة الرقمية، وطرح ضمنها مفهوم JaaS – Journalism as a Service، أو «الصحافة كخدمة» ضمن ترشيحه لانتخابات المجلس الوطني للصحافة.
يقوم التصور على ألا تظل المؤسسة الصحفية مجرد منتج لمقالات مجانية تمولها الإعلانات، وإنما تستثمر خبرتها الصحفية والمعلومات التي تجمعها وقدرتها على الرصد والتحليل لإنتاج خدمات ومنتجات يمكن أن تكون لها قيمة اقتصادية مستقلة.
وقد تكون هذه المنتجات نشرات متخصصة، أو تقارير قطاعية، أو قواعد بيانات، أو خدمات للرصد والتحقق، أو منتجات معلوماتية موجهة إلى المهنيين والمقاولات، إلى جانب استمرار المحتوى الإخباري المفتوح.
ولا يمثل هذا النموذج وصفة جاهزة لحل مشكلات الصحافة الرقمية المغربية، لكنه يفتح نقاشا حول ضرورة تنويع مصادر الدخل وتقليل الارتهان إلى معادلة «الزيارات مقابل الإعلانات».
فتجربة «ذا أتلانتيك» تقول شيئا بسيطا لكنه مهم: ليس كل تراجع في الزيارات تراجعا في القيمة.
وفي بيئة تتجه فيها القراءات نحو الانخفاض أو التشتت بين المنصات، ويستحوذ الفيديو على جزء أكبر من انتباه الجمهور، بينما تدخل أنظمة الذكاء الاصطناعي بين الصحيفة والقارئ، قد يصبح السؤال الذي يواجه الصحافة الرقمية المغربية مختلفا عما كان عليه قبل عقد.
ليس فقط: كيف نجلب مزيدا من الزيارات؟بل: ما القيمة التي تستطيع الصحافة إنتاجها، ولا يستطيع الآخرون تعويضها بسهولة، ومن سيكون مستعدا للدفع مقابلها؟


