5 مرشحين لزعامة اليسار الاجتماعي الديمقراطي في فرنسا.. من يقود معركة 2027؟


تدخل فرنسا محطة سياسية مبكرة على طريق الانتخابات الرئاسية لعام 2027، مع بدء المنافسة داخل ما يعرف بـ”الفضاء الاجتماعي الديمقراطي”، في تمهيدية تبدو في ظاهرها سباقا لاختيار مرشح، لكنها تحمل في عمقها سؤالا أكبر حول مستقبل اليسار الفرنسي بعد نهاية عهد إيمانويل ماكرون.


خمسة مرشحين يدخلون المنافسة: أوليفييه فور، وجيروم غيدج، وسيغولين رويال عن الحزب الاشتراكي، ورافاييل غلوكسمان عن “Place publique”، وإيمانويل موريل عن “اليسار الجمهوري والاشتراكي”.


ويجرى الدور الأول يومي 9 و10 أكتوبر، على أن يقام الدور الثاني يومي 16 و17 أكتوبر، لحسم اسم مرشح هذا الفضاء للانتخابات الرئاسية.


وكان يفترض أن تضم المنافسة ستة مرشحين، قبل تعليق عضوية النائب فيليب برون في الحزب الاشتراكي احترازيا، بعد إحالة تتعلق بوقائع خطيرة قد يكون لها طابع جنائي.


كما بقي فرانسوا روفان خارج العملية، فيما لم يتمكن فابيان فردييه من جمع التزكيات المطلوبة، وفشل المصرفي ماتيو بيغاس في استكمال ترشحه.


لكن أهمية المستبعدين تكشف أيضا طبيعة هذه التمهيدية. فهي ليست محاولة لتوحيد اليسار الفرنسي كله، بقدر ما تسعى إلى بناء فضاء اجتماعي ديمقراطي وأوروبي قادر على تقديم مرشح واحد للرئاسة.


وتؤكد قواعد المنافسة هذا التوجه. فالمرشحون مطالبون بالانتماء إلى مرجعية تقوم على الاشتراكية والاجتماعية الديمقراطية والاتحاد الأوروبي، كما يتعهد الخاسرون بدعم الفائز.


هذه القاعدة الأخيرة ليست مجرد إجراء تنظيمي. إنها محاولة لمنع إعادة إنتاج أحد أمراض اليسار الفرنسي خلال السنوات الماضية: الاتفاق على مرشح ثم إعادة فتح الصراع حول شرعيته بمجرد انتهاء الاقتراع.


معركة على من يمثل الاجتماعية الديمقراطية


تكمن إحدى مفاتيح المنافسة في تركيبة الهيئة التي ستختار المرشح.


يضم الحزب الاشتراكي نحو 27 ألف ناخب، فيما يتراوح عدد ناخبي “Place publique” بين 8 آلاف و10 آلاف، بينما يعلن “اليسار الجمهوري والاشتراكي” توفره على نحو ألفي عضو.


ويأمل منظمو العملية أن تقترب المشاركة من 80 إلى 90 ألف ناخب، إذا نجحت المناظرات والحملة في جذب مشاركين من خارج القواعد الحزبية.


وسيكون على غير المنتمين إلى الأحزاب المشاركة دفع 15 يورو والتسجيل قبل الخامس من أكتوبر حتى يتمكنوا من التصويت.


وهنا يتحول حجم المشاركة إلى عنصر سياسي حاسم. فبقاء الاقتراع محصورا أساسا في المناضلين والأعضاء يمنح شبكات الأحزاب وزنا أكبر، بينما يمكن لاتساع المشاركة خارج التنظيمات أن يغير طبيعة المنافسة.


وتبدو تركيبة الهيئة الناخبة مهمة بالنسبة إلى رافاييل غلوكسمان، الذي يستطيع الاعتماد على أعضاء حزبه وعلى مؤيدين داخل الحزب الاشتراكي.


لكن ذلك لا يجعل النتيجة محسومة، خصوصا أن ثلاثة أسابيع من المناظرات والحملة قد تعيد ترتيب التوازنات.


غلوكسمان أمام اختبار مختلف


يدخل غلوكسمان المنافسة وهو يحمل أفضلية مختلفة عن منافسيه: حضورا أكبر في استطلاعات الرأي الخاصة بالانتخابات الرئاسية.


ففي استطلاع نشر في 13 شتنبر، تراوحت نوايا التصويت له في الدور الأول من الرئاسيات بين 11.5 و13.5 في المائة، بحسب السيناريوهات، مقابل ما بين 4.5 و5.5 في المائة لأوليفييه فور.


لكن هذه الأرقام تقيس الانتخابات الرئاسية ولا تقيس التمهيدية، وبالتالي لا يمكن نقلها آليا إلى اقتراع تشارك فيه هيئة ناخبة مختلفة.


ومع ذلك، تجعل الأرقام غلوكسمان هدفا طبيعيا لمنافسيه. وتخشى حملته من تشكل ما يوصف بـ”جبهة مضادة لغلوكسمان” خلال الأسابيع المقبلة.


المفارقة هنا أن الرجل مطالب بإثبات أمرين مختلفين: قدرته على مخاطبة الناخب الفرنسي خارج اليسار التقليدي، وقدرته أولا على إقناع العائلة السياسية التي يريد تمثيلها.


الضرائب تجمعهم.. لكن الإنفاق يفرقهم


اقتصاديا، توجد أرضية مشتركة بين المرشحين، تتمثل أساسا في زيادة الضغط على أكبر الثروات والمواريث الضخمة.


ومن الأفكار المطروحة استعادة منطق الضريبة على الثروة واستهداف أكبر المواريث، خصوصا تلك التي تتجاوز مليوني يورو.
ويقدر أصحاب هذا التوجه أن الإجراء يمكن أن يوفر نحو 15 مليار يورو سنويا.


لكن الاتفاق ينتهي تقريبا عند تحصيل الأموال، ويبدأ الخلاف عندما يطرح السؤال: كيف ستنفق؟


غلوكسمان يريد استخدام الموارد لتخفيف الاقتطاعات الاجتماعية، بما يسمح بتقريب الأجر الصافي من الأجر الإجمالي وتعزيز القدرة الشرائية.


أوليفييه فور يعارض هذا التصور، لأن المساهمات الاجتماعية تمول الحماية الاجتماعية، ويفضل توجيه الموارد نحو الانتقال البيئي.


أما إيمانويل موريل، فيتقاطع مع فور في رفض تقليص المساهمات الاجتماعية، معتبرا أن الإعفاءات القائمة تكلف الدولة بالفعل مليارات اليوروهات.


وهنا يظهر خلاف أعمق من مجرد أرقام ضريبية: هل تستعيد الاجتماعية الديمقراطية الطبقات الوسطى والشعبية بزيادة الدخل المتاح مباشرة، أم بتقوية دولة الرفاه والاستثمار العمومي والبيئي؟


5 مرشحين وخمس مساحات سياسية


يحاول كل مرشح بناء مساحة خاصة داخل رقعة سياسية متقاربة.
جيروم غيدج يجعل الصحة والهشاشة الاجتماعية في قلب عرضه، ويطرح فكرة “الضمان الاجتماعي الشامل”، التي يمكن أن تنهي الدور الحالي لشركات التأمين الصحي التكميلي.


إيمانويل موريل يقدم خطابا اقتصاديا أكثر جذرية، يقوم على ثلاث “قطائع”: الحد من العولمة، والخروج من هيمنة السوق، وتعزيز الديمقراطية والمشاركة المباشرة ومنح العاملين سلطة أكبر.


سيغولين رويال، المرأة الوحيدة في المنافسة والمرشحة الاشتراكية السابقة للرئاسة عام 2007، تعود تحت شعار “النظام العادل”، وتعد بـ”فرنسا هادئة”، بينما لا يزال عرضها البرنامجي في طور التبلور.


غلوكسمان يريد بدوره جعل البيئة إحدى ركائز مشروعه، وكلف يانيك جادو بإعداد خطة للمائة يوم الأولى من “الثورة البيئية”.


أما فور فيربط بين الاجتماعي والبيئي، ويريد استخدام موارد إضافية لتمويل الانتقال البيئي، إلى جانب تشديد الضغوط على الشركات غير المنخرطة في التحول المناخي.


العقدة اسمها فرنسا الأبية


لكن الخلاف الذي قد يكون الأكثر تأثيرا في مستقبل هذا المعسكر لا يتعلق بالضرائب ولا بالبيئة.


إنه العلاقة مع فرنسا الأبية.


غلوكسمان وجيروم غيدج يرفضان التحالف مستقبلا مع حزب جان لوك ميلانشون، بينما لا يغلق أوليفييه فور الباب بالطريقة نفسها.


فور يتمسك بإرث التحالفات التي جمعت أجزاء واسعة من اليسار خلال السنوات الماضية، من الاتحاد الشعبي البيئي والاجتماعي الجديد سنة 2022 إلى الجبهة الشعبية الجديدة سنة 2024.
وعندما سئل عن إمكانية وجود وزراء من فرنسا الأبية في حكومة يقودها، لم يستبعد مسبقا إجراء مناقشات معها.


وهنا تتواجه رؤيتان لمستقبل اليسار.


الأولى تريد بناء قطب اجتماعي ديمقراطي وأوروبي مستقل سياسيا عن فرنسا الأبية، وقادرا على مخاطبة الوسط والناخبين المعتدلين.


والثانية تعتبر أن إغلاق الباب نهائيا أمام فرنسا الأبية قد يتحول إلى مشكلة بعد الرئاسيات، عندما يطرح سؤال الأغلبية داخل الجمعية الوطنية.


لذلك لا يختار ناخبو التمهيدية مرشحا للرئاسة فقط. إنهم يساهمون أيضا في تحديد شكل العلاقة المستقبلية بين جناحين كبيرين من اليسار الفرنسي.


المناظرات أول اختبار


ستبدأ المواجهة المباشرة بين المرشحين في 23 شتنبر خلال برنامج على LCI، قبل مناظرة ثانية في الأول من أكتوبر على France 2 وFrance Inter، ثم مواجهة ثالثة على BFM-TV قبل الدور الأول.


وستكون قدرة هذه المناظرات على جذب الفرنسيين خارج الدوائر الحزبية مؤشرا مهما على نجاح العملية نفسها.
فالرهان لا يتعلق فقط بمن سيجمع أكبر عدد من أصوات الاشتراكيين وحلفائهم، بل بمن يستطيع تحويل منافسة داخلية إلى حدث سياسي وطني.


هولاند ينتظر خارج الحلبة


حتى نجاح التمهيدية في إنتاج مرشح واحد لن يعني بالضرورة نهاية تعدد المرشحين داخل اليسار.
فرانسوا هولاند يراقب المشهد من الخارج، وينتظر نهاية السنة قبل الكشف عن نواياه.


الرئيس الفرنسي السابق يراهن على احتمال ظهور فراغ سياسي إذا فشلت التمهيدية في إنتاج دينامية قوية أو تراجع المرشح الفائز لاحقا.


ويعمل في الوقت نفسه على عرض يتحرك أكثر نحو الوسط اقتصاديا، مع تركيز أكبر على العمل والتنافسية، والابتعاد عن استراتيجية التحالف الشامل لليسار.


وهنا تظهر المفارقة الأساسية.


التمهيدية صممت لتقليل عدد المرشحين، لكنها تجري داخل مشهد سياسي ما زال قادرا على إنتاج مرشحين آخرين.
لذلك لن يكون السؤال يوم 17 أكتوبر فقط عن اسم الفائز.
الاختبار الحقيقي سيبدأ في اليوم التالي: هل يستطيع الفائز تحويل اتفاق بين قوى اجتماعية ديمقراطية إلى قطب سياسي قادر على تجاوز قواعد الأحزاب؟


وهل يستطيع بناء هوية مستقلة بين فرنسا الأبية من جهة، والوسط الخارج من تجربة ماكرون من جهة أخرى؟


فالرهان في نهاية المطاف أكبر من تمهيدية حزبية. إنه اختبار لقدرة الاجتماعية الديمقراطية الفرنسية على استعادة مساحة سياسية خاصة بها في فرنسا ما بعد ماكرون.

مساحة إعلانية متاحةspot_imgspot_img