لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية إضافية داخل غرف الأخبار أو أداة لتسريع بعض المهام التقنية، بل تحول خلال السنوات الأخيرة إلى قوة تعيد رسم ملامح الإعلام العالمي بشكل متسارع. فمع ظهور أنظمة قادرة على كتابة النصوص وتحليل البيانات وترجمة المحتوى وإنشاء الصور والفيديوهات خلال ثوان، دخلت المؤسسات الإعلامية مرحلة جديدة أصبحت فيها الخوارزميات جزءا أساسيا من دورة إنتاج الخبر.
هذا التحول لم يعد نظريا أو مرتبطا بتوقعات المستقبل، بل أصبح واقعا يوميا داخل كبريات المؤسسات الإعلامية الدولية، التي بدأت تعتمد على أدوات الذكاء الاصطناعي في كتابة الأخبار العاجلة، وتلخيص التقارير، وتحليل كميات ضخمة من البيانات، وتتبع المواضيع الرائجة، واقتراح العناوين، وحتى فهم اهتمامات الجمهور وتخصيص المحتوى وفقا لسلوك المستخدمين.
وفي دراسة أكاديمية حديثة أنجزها الباحثان محمد المصوم ملا ومحمد منجور الأحسان، ونشرت سنة 2025 تحت عنوان “الذكاء الاصطناعي والصحافة: تحليل ببليومتري وموضوعاتي للأبحاث العالمية”، حاول الباحثان تتبع مسار 15 سنة من الدراسات والأبحاث العالمية التي تناولت العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والإعلام، ما بين 2010 و2025، لرصد التحولات العميقة التي تعرفها المهنة في العصر الرقمي.
واعتمدت الدراسة على تحليل عشرات الأبحاث الأكاديمية المنشورة في قواعد بيانات علمية دولية، وخلصت إلى أن الاهتمام العالمي بالذكاء الاصطناعي داخل الإعلام شهد قفزة كبيرة خصوصا بعد سنة 2020، بالتزامن مع الانتشار الواسع للنماذج التوليدية وأنظمة المحادثة الذكية. وأظهرت النتائج أن الصحافة أصبحت واحدة من أكثر القطاعات تأثرا بهذه التكنولوجيا، سواء من حيث طبيعة الإنتاج الإعلامي أو من حيث طريقة استهلاك الأخبار نفسها.
وترى الدراسة أن التحول الحالي لا يتعلق فقط بتطوير أدوات العمل الصحفي، بل بإعادة تعريف مفهوم الصحافة ذاته. فبعدما كان الصحفي يعتمد أساسا على مهارات الكتابة والتحرير والوصول إلى المصادر، أصبح اليوم مطالبا أيضا بفهم آليات عمل الخوارزميات، والتعامل مع أدوات التحليل الرقمي، والتحقق من المحتوى الناتج عن الذكاء الاصطناعي، في بيئة إعلامية تتغير بوتيرة غير مسبوقة.
وفي المقابل، حذرت الدراسة من تحديات مقلقة ترافق هذا التحول، أبرزها خطر التحيز الخوارزمي، وانتشار الأخبار الزائفة، وتصاعد تقنيات التزييف العميق، إضافة إلى تراجع الثقة في المحتوى الرقمي إذا غاب الإشراف البشري والمعايير الأخلاقية الواضحة. كما أشارت إلى أن جزءا كبيرا من النقاش الأكاديمي العالمي بات يركز على سؤال جوهري: هل سيظل الصحفي في قلب العملية الإعلامية، أم أن الخوارزميات ستتحول تدريجيا إلى الفاعل الرئيسي في صناعة الأخبار؟
كما كشفت الدراسة عن فجوة واضحة بين الدول المتقدمة ودول الجنوب في ما يتعلق بالأبحاث والتطبيقات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي الإعلامي، إذ تهيمن الجامعات والمؤسسات الغربية على الجزء الأكبر من الإنتاج العلمي في هذا المجال، بينما لا تزال مساهمة العديد من الدول النامية محدودة بسبب ضعف البنية الرقمية ونقص التمويل والتكوين المتخصص.
ورغم كل هذه التحولات، يرى الباحثان أن الذكاء الاصطناعي لن يلغي الصحافة أو يعوض الصحفي بشكل كامل، بل سيدفع نحو نموذج جديد يقوم على التكامل بين الإنسان والتكنولوجيا. فبينما تستطيع الخوارزميات تسريع الإنتاج وتحليل البيانات وتنفيذ المهام المتكررة، تبقى القيمة الحقيقية للعمل الصحفي مرتبطة بالتحليل العميق، وفهم السياقات، والقدرة على التحقق واتخاذ القرار التحريري، وهي عناصر لا تزال التكنولوجيا عاجزة عن محاكاتها بالكامل.
وفي ظل هذا التحول العالمي، يبدو أن مستقبل الإعلام لن يكون صراعا بين الصحفي والآلة، بل سباقا حول من يستطيع فهم التكنولوجيا وتوظيفها دون التخلي عن جوهر المهنة وقيمها الأساسية.


