في لحظة امتزج فيها الحنين بالتكنولوجيا، عاد عبد الحليم حافظ إلى المسرح من جديد، ليس عبر تسجيل أرشيفي أو شاشة تقليدية، بل من خلال عرض هولوغرام مدعوم بجوق موسيقي حي، أعاد للجمهور إحساس حفلات الزمن الجميل بكل تفاصيلها البصرية والسمعية داخل القاعة المغطاة لمركب محمد الخامس بالدار البيضاء.
ومنذ الساعة السابعة والنصف مساء، بدأت طوابير الحاضرين تتشكل أمام القاعة في انتظار انطلاق السهرة، بينما زينت صورة ضخمة للعندليب مدخل الفضاء، مرفقة بملصق الحفل الذي حمل عنوان “الأسطورة تعود”، في إشارة رمزية إلى عودة عبد الحليم إلى خشبة المسرح عبر التكنولوجيا الحديثة.
ورغم حضور آلاف المتفرجين، رصدت “المحيط” أيضا وجود فراغات في بعض جنبات القاعة، في مؤشر على أن التجربة، رغم الزخم الإعلامي والفضول الذي رافقها، ما تزال في طور بناء جمهورها الكامل داخل المغرب.
الحفل، الذي انطلق بعد تأخر دام قرابة ساعة بسبب مشاكل تنظيمية وتقنية مرتبطة، على ما يبدو، بمعايرة العرض والإسقاطات الضوئية، كشف منذ لحظاته الأولى حجم التعقيد الذي ترافقه عروض “إحياء الفنانين” رقميا، حيث لا يتعلق الأمر فقط بعرض صورة ثلاثية الأبعاد، بل بإدارة وهم بصري كامل يجب أن يبدو مقنعا أمام جمهور حي.
وظهر “العندليب” في بداية السهرة بإيقاع سريع مرتديا بدلة بيضاء، غير أن الاختيار البصري لم يكن موفقا بالكامل، خصوصا في الجزء السفلي من المجسم الهولوغرافي، إذ بدا اللون الأبيض شفافا ومفرطا في الانعكاس تحت الإضاءة القوية، ما أفقد الصورة بعض تماسكها البصري.
لكن العرض سرعان ما استعاد توازنه في الجزء الثاني، بعدما تم اعتماد بدلة سوداء مع قميص أبيض وسروال بلون بيج، وهو اختيار منح المجسم الرقمي حضورا أكثر وضوحا وأناقة فوق الخشبة، بفضل التباين اللوني الذي يساعد تقنيا على إبراز الحركة والتفاصيل وتقليل “النزيف الضوئي” الذي يرافق الألوان الفاتحة في عروض الإسقاط المسرحي.
أما الجزء الثالث من الحفل، فقد عاد فيه عبد الحليم بإطلالة بيضاء كاملة، في محاولة لاستعادة الصورة الكلاسيكية المرتبطة بالعندليب في حفلاته الكبرى، لكن ضمن معالجة بصرية أكثر تماسكا مقارنة بالبداية.
واختار القائمون على العرض قائمة أغان جمعت بين الطرب الكلاسيكي والاستعراض المسرحي، حيث أدى عبد الحليم عبر الهولوغرام أغاني سواح وكامل الأوصاف وجبار وموعود وفاتت جنبنا، قبل أن يقدم لاحقا قارئة الفنجان بإطلالة كلاسيكية مؤلفة من قميص أبيض بياقات طويلة وبدلة سوداء، في استحضار واضح لصورة العندليب في سبعينيات القرن الماضي.
واختتم عبد الحليم السهرة مرتديا جلبابا مغربيا أبيض وهو يؤدي الماء والخضرة والوجه الحسن، وهي الأغنية التي سبق أن أهداها للملك الراحل الحسن الثاني، في لحظة حملت الكثير من الرمزية والحنين داخل القاعة.
ورغم أن الجهة المنظمة وصفت الحفل في المواد الترويجية بأنه “تفاعلي”، فإن العرض لم يشهد تفاعلا مباشرا ومتزامنا بين الجمهور والفنان الهولوغرامي، إذ ظل البرنامج الغنائي ثابتا ومعدا مسبقا، دون أن يتيح للحاضرين إمكانية طلب أغان بعينها أو التأثير على مجريات السهرة بشكل حي، كما يحدث عادة في الحفلات التقليدية المباشرة.
ورغم أن الجيل العاشق للطرب الكلاسيكي بدا الأكثر حضورا داخل القاعة، فإن “المحيط”، التي حضرت الحفل، رصدت أيضا حضور عشرات الشباب من جيل “زد”، الذين ولدوا مطلع القرن الواحد والعشرين، في مشهد عكس قدرة عبد الحليم على عبور الأجيال، بعدما كان الجمهور يردد كلمات الأغاني عن ظهر قلب، رغم مرور عقود على رحيل صاحب “موعود”.
ولم يكن الرهان في هذا النوع من العروض تقنيا فقط، بل عاطفيا أيضا، إذ بدت القاعة وكأنها تعيش لحظة استعادة جماعية لذاكرة فنية كاملة، حيث امتزج التصفيق الحي مع صوت عبد الحليم وصورته الرقمية في تجربة تحاول إلغاء المسافة بين الماضي والتكنولوجيا.
وقد تبدو التجربة في بدايتها الأولى، غير أنها تحمل مؤشرات واعدة، خصوصا مع التطور السريع الذي تعرفه تقنيات الهولوغرام والذكاء الاصطناعي والإسقاطات البصرية، ما يفتح الباب أمام أشكال جديدة من الحفلات الفنية خلال السنوات المقبلة.
وللإشارة، فإن الشركة المغربية المنظمة حصلت على حقوق حصرية لتقديم هذا النوع من الحفلات الخاصة بعبد الحليم حافظ، بتعاون مع عائلة “العندليب”، التي حضرت بدورها إلى الدار البيضاء، وعبرت عن سعادتها بانطلاق التجربة من المغرب، في خطوة تعكس مكانة المدينة داخل خريطة التظاهرات الفنية والثقافية الكبرى بالمنطقة.
وجدير بالذكر أن عبد الحليم حافظ يعد أحد أنجح نجوم الغناء العربي في القرن العشرين، بعدما ارتبط اسمه بزمن الطرب الكلاسيكي والأغنية العاطفية الحديثة، فيما ما تزال أعماله إلى اليوم تستقطب عشاق “الطرب الجميل” من مختلف الأجيال، رغم مرور عقود على رحيله.
ورغم بعض الهفوات التنظيمية والتقنية التي رافقت السهرة، فإن الحفل يبقى تجربة فنية استثنائية وغير مسبوقة في المغرب، قابلة للتطوير مستقبلا مع التقدم المتواصل الذي تعرفه تقنيات الهولوغرام والعروض الرقمية التفاعلية.
هولوغرام عبد الحليم يعيد زمن الطرب إلى الدار البيضاء أمام آلاف الحاضرين


