ليست كل الأفلام التي تتناول العلاقات بين الرجال والنساء قصص حب. أحيانا تصبح العلاقة مجرد نافذة تطل منها السينما على أسئلة أكبر: من يملك القرار؟ أين تنتهي الرغبة وتبدأ السيطرة؟ وماذا يحدث عندما تنقلب الأدوار التي اعتدنا عليها؟
من الرعب والإثارة إلى الكوميديا والوثائقي، جمعت مجلة يورا تنغو ستة أعمال سينمائية وتلفزيونية تنطلق من هذه الأسئلة، في قائمة تصلح أيضا لاكتشاف كيف عالجت السينما خلال السنوات الأخيرة التحولات التي أصابت العلاقات والعمل وصورة الرجل والمرأة.
Promising Young Woman.. انتقام بطعم العدالة
تؤدي كاري موليجان في Promising Young Woman دور كاسي، الشابة التي تغيرت حياتها بعد تعرض صديقتها المقربة لاعتداء.
وتقود الشخصية المشاهد إلى عالم تختلط فيه الرغبة في الانتقام بالسؤال عن العدالة والموافقة والمسؤولية، بينما يضع الفيلم صورة “الرجل اللطيف” نفسها تحت الاختبار.
Send Help.. عندما تنقلب علاقة المدير بالموظفة
يختار Send Help مسارا أكثر خفة وسخرية، قبل أن يتحول إلى قصة بقاء.
تلعب رايتشل ماكآدامز دور موظفة لا يعترف مديرها الجديد بقدراتها، لكن حادثا يترك الاثنين عالقين في جزيرة، حيث تختفي المكاتب والمناصب ويصبح المدير معتمدا على مهارات المرأة التي كان يقلل من شأنها.
وتكمن متعة الفكرة في انقلاب ميزان القوة: الشخص الذي كان يملك السلطة داخل الشركة يصبح الطرف الأضعف خارجها.
Obsession.. عندما يتحول الحب إلى سيطرة
ينطلق Obsession من أمنية تبدو رومانسية: رجل يريد أن تقع المرأة التي يحبها في غرامه.
لكن الفيلم يقلب الفكرة بسرعة، ويتحول الحب المفروض إلى مصدر للرعب.
وهنا يصبح السؤال أكثر إثارة من القصة نفسها: هل يبقى الحب حبا عندما يفقد الطرف الآخر حرية الاختيار؟
Inside the Manosphere.. رحلة إلى عالم الرجال الغاضبين
يترك Louis Theroux: Inside the Manosphere الخيال ويتجه مباشرة إلى الإنترنت.
يدخل الوثائقي إلى عالم “المانوسفير”، حيث ينتشر مؤثرون ومجتمعات رقمية تقدم تصورات مختلفة، وأحيانا متطرفة، عن الرجولة والنساء والعلاقات.
ويعتمد لويس ثيرو أسلوبه المعروف: يترك الشخصيات تتحدث، ثم يستخدم الأسئلة لكشف التناقضات الكامنة خلف الأفكار التي تقدمها.
Don’t Worry Darling.. الحياة المثالية ليست دائما كما تبدو
في Don’t Worry Darling تبدو الحياة في البداية مثالية: منازل أنيقة، أزواج ناجحون، ونساء يعشن داخل مجتمع مرتب بعناية.
لكن أليس، التي تؤدي دورها فلورنس بيو، تبدأ في اكتشاف أن هذا العالم الجميل يخفي وراءه شيئا أكثر قتامة.
ويستخدم الفيلم الحنين إلى صورة الأسرة التقليدية في خمسينيات القرن الماضي ليسأل عن الحرية والاختيار والثمن الذي يمكن أن تدفعه المرأة مقابل “الحياة المثالية”.
Ladies First.. ماذا لو حكمت النساء العالم؟
يذهب Ladies First إلى الكوميديا ويقلب الأدوار مباشرة.
يجد رجل يحمل أفكارا متحيزة ضد النساء نفسه فجأة داخل واقع بديل تحتل فيه النساء مواقع السلطة والنفوذ، بينما يعيش الرجال الأدوار الاجتماعية التي كانت مخصصة للنساء.
وبدلا من شرح التمييز في خطاب طويل، تبني الكوميديا فكرتها على تجربة بسيطة: ضع الشخص في موقع الطرف الآخر، ثم راقب كيف تتغير رؤيته للعالم.
6 أفلام وسؤال واحد
تختلف هذه الأعمال كثيرا في النوع والجودة والأسلوب. بعضها مظلم، وبعضها ساخر، وبعضها وثائقي، ولا تتفق بالضرورة في الرسالة التي تريد إيصالها.
لكنها تلتقي عند سؤال سينمائي واحد: ماذا يحدث للعلاقات عندما يختل ميزان القوة؟
وربما لهذا السبب تستحق المشاهدة والنقاش. فهي لا تتحدث فقط عن الرجال والنساء، وإنما عن الحب والعمل والسلطة والاختيار، وعن الطريقة التي تغير بها التكنولوجيا والثقافة الحديثة نظرتنا إلى العلاقات نفسها.
لم يعد غضب النساء في السينما مجرد رد فعل لشخصية تعرضت للخيانة أو الظلم، بل تحول في عدد من الأعمال الحديثة إلى مدخل لمناقشة قضايا أوسع، من التحيز والتمييز إلى الموافقة والسلطة داخل العلاقات وصعود الخطابات المعادية للنساء على الإنترنت.
واختارت مجلة YourTango ستة أعمال سينمائية ووثائقية ترى أنها تنجح، بدرجات متفاوتة، في تحويل هذه القضايا إلى قصص تثير النقاش، بدلا من تقديمها في شكل خطابات مباشرة.
Promising Young Woman.. عندما يصبح الانتقام سؤالا عن العدالة
يأتي فيلم Promising Young Woman، الصادر سنة 2020، في مقدمة القائمة، مع أداء لافت لكاري موليجان في دور كاسي، الشابة التي تركت كلية الطب بعد تعرض صديقتها المقربة لاعتداء.
تبدأ كاسي في ارتياد الحانات والتظاهر بأنها في حالة سكر، لاختبار سلوك الرجال الذين يحاولون استغلال ضعفها، قبل أن تتحول رحلتها إلى مواجهة أوسع مع الأشخاص والمؤسسات المرتبطة بما حدث لصديقتها.
ولا يقدم الفيلم الانتقام بوصفه حلا بسيطا، بل يستخدمه لطرح أسئلة حول الاعتداء والموافقة وصورة “الرجل اللطيف”، وحدود قدرة منظومة العدالة على إنصاف الضحايا.
Send Help.. حين تنقلب موازين القوة
في Send Help، الصادر سنة 2026، تنتقل المواجهة إلى مكان العمل قبل أن تأخذ منحى مختلفا تماما.
تؤدي رايتشل ماكآدامز دور ليندا ليدل، الموظفة الكفؤة التي لا يعترف مديرها الجديد بقيمتها المهنية. لكن حادثا يترك الاثنين عالقين في جزيرة، فيجد المدير نفسه معتمدا على المرأة التي كان يقلل من قدراتها من أجل البقاء.
ويقوم الفيلم على قلب ميزان القوة بين الشخصيتين، جامعا بين الكوميديا السوداء والإثارة والبقاء، ومستخدما العزلة لاختبار ما يحدث عندما تسقط المكانة الوظيفية ويبقى ما يستطيع كل شخص فعله فعليا.
Obsession.. الحب عندما يفقد الموافقة
يذهب فيلم الرعب Obsession، الصادر سنة 2025، إلى منطقة أكثر قتامة.
تبدأ القصة برجل خجول يتمنى أن تقع زميلته في حبه، قبل أن تتحقق الأمنية بطريقة تحول الحب إلى هوس عنيف.
ومن خلال هذه الفكرة، يقلب الفيلم واحدة من أكثر الحبكات الرومانسية شيوعا: ماذا لو لم يكن جعل شخص ما يحبك حلما رومانسيا، بل سلبا لإرادته؟
ويستخدم الفيلم الرعب لطرح سؤال عن الموافقة والحدود بين الرغبة والسيطرة، وعن الثمن الذي يدفعه الإنسان عندما تتحول مشاعر الآخر إلى شيء مفروض عليه.
Inside the Manosphere.. داخل عالم “المانوسفير”
وتضم القائمة عملا وثائقيا هو Louis Theroux: Inside the Manosphere، الذي يقترب فيه الصحافي والوثائقي البريطاني لويس ثيرو من عالم يعرف باسم “المانوسفير”.
ويتكون هذا الفضاء من مجتمعات ومؤثرين على الإنترنت يقدم بعضهم تصورات شديدة المحافظة أو العدائية للعلاقة بين الرجال والنساء، ويستقطبون خصوصا جمهورا من الشباب.
وبدلا من الدخول في مواجهة مباشرة معهم، يعتمد ثيرو على المقابلات والأسئلة للكشف عن الأفكار والتناقضات التي يقوم عليها هذا الخطاب.
وتكتسب القضية أهمية تتجاوز الفيلم نفسه، مع اتساع تأثير صناع المحتوى والمنصات الرقمية في تشكيل تصورات المراهقين والشباب عن الرجولة والنساء والعلاقات.
Don’t Worry Darling.. الجنة التي تخفي شيئا آخر
يبدو عالم Don’t Worry Darling، الصادر سنة 2022، مثاليا في البداية.
منازل جميلة، رجال يذهبون إلى العمل كل صباح، ونساء يعشن حياة منزلية هادئة في مجتمع يستعيد صورة أمريكا خلال خمسينيات القرن الماضي.
لكن أليس، التي تؤدي دورها فلورنس بيو، تبدأ تدريجيا في الشك في هذا العالم وفي القواعد التي تحكمه.
ويستخدم الفيلم الصورة الجذابة للماضي لطرح أسئلة عن الحنين إلى الأدوار التقليدية للرجال والنساء، وعن الثمن الذي يمكن أن يختبئ وراء نموذج يبدو مثاليا من الخارج.
Ladies First.. عالم تحكمه النساء
أما Ladies First، الصادر سنة 2026، فيختار الكوميديا لقلب الأدوار بالكامل.
يؤدي ساشا بارون كوهين دور مدير تنفيذي يحمل أفكارا معادية للنساء، قبل أن يستيقظ بعد إصابة في الرأس داخل واقع بديل تحتل فيه النساء مواقع القوة، بينما يجد الرجال أنفسهم في الموقع الاجتماعي الذي كان ينظر منه سابقا إلى النساء.
الفكرة بسيطة ومباشرة: وضع الشخصية في الطرف الآخر من علاقة القوة لمعرفة ما إذا كان تغيير الموقع قادرا على تغيير نظرتها إلى العالم.
لكن الفيلم هو الأقل حصولا على رضا النقاد بين الأعمال الستة، إذ بلغت نسبته على Rotten Tomatoes 26 في المائة فقط، بحسب القائمة التي نشرتها YourTango.
أكثر من أفلام عن النساء
رغم اختلاف مستويات هذه الأعمال وأنواعها، من الرعب والإثارة إلى الكوميديا والوثائقي، يجمع بينها استخدام السينما لمناقشة الطريقة التي تتشكل بها علاقات القوة بين النساء والرجال.
بعضها يفعل ذلك من خلال الاعتداء والموافقة، وبعضها عبر العمل أو الحياة الزوجية، بينما ينقل البعض الآخر النقاش إلى العالم الرقمي وصعود ثقافة “المانوسفير”.
ولهذا لا تقدم القائمة أفلاما “للنساء” بالمعنى الضيق، بقدر ما تقدم أعمالا تستخدم تجارب نسائية لطرح أسئلة أوسع عن السلطة والعدالة والحب والعمل والعلاقات.
وهي أسئلة تبدو، مع انتقال جزء متزايد من النقاش حول الجنسين والعلاقات إلى منصات التواصل الاجتماعي، أبعد بكثير من شاشة السينما.


