شهدت تونس موجة جديدة من الاحتجاجات والمواجهات بين متظاهرين وقوات الأمن، امتدت من ضاحية التضامن بالعاصمة إلى عدد من مدن ولاية صفاقس، على خلفية وفيات أثارت مطالب بالتحقيق والمساءلة، وتدهور الخدمات الصحية والاجتماعية، في وقت تواجه فيه البلاد توترات سياسية واقتصادية متزايدة.
وأفادت وكالة رويترز بأن قوات الأمن التونسية استخدمت الغاز المسيل للدموع، الخميس 22 أكتوبر 2026، لتفريق محتجين في منطقة التضامن بضواحي العاصمة، بعد وفاة رجل كان قد أوقف للاشتباه في تورطه في قضايا تتعلق بالمخدرات.
وقالت عائلة المتوفى إن وفاته ناجمة عن تعرضه للعنف أثناء توقيفه، مطالبة بكشف ملابسات الحادث وتحديد المسؤوليات، بينما نقلت وسائل إعلام تونسية رواية مختلفة تفيد بأنه توفي بعد ابتلاع مواد مخدرة. ولم يصدر تعليق فوري عن وزارة الداخلية على الواقعة، وفق رويترز.
وشهدت المنطقة إغلاق طرق وإحراق إطارات ورشق عناصر الأمن بالحجارة، فيما استخدمت القوات الأمنية الغاز المسيل للدموع لتفريق المحتجين وتأمين مقر للحرس الوطني.
وامتدت المواجهات إلى مدينة جبنيانة بولاية صفاقس، عقب وفاة شاب قالت أسرته إنه فارق الحياة خلال مطاردة أمنية. وأثارت الحادثة احتجاجات طالب خلالها السكان بتوضيح ظروف الوفاة وفتح تحقيق يحدد المسؤوليات.
وفي مدينة عقارب التابعة للولاية نفسها، اندلعت احتجاجات أخرى عقب وفاة رجل كان قد أضرم النار في جسده أمام مقر إداري محلي يوم الثلاثاء 20 أكتوبر، قبل أن يتوفى متأثرا بحروقه في اليوم التالي.
وأعادت الحادثة إلى الواجهة مطالب اجتماعية مرتبطة بظروف العيش والتهميش، وسط مواجهات ليلية شهدت إغلاق طرق وإحراق إطارات. ولم تتضح بصورة نهائية الظروف التي دفعت الرجل إلى إضرام النار في جسده.
أما في مدينة صفاقس، فقد خرج طلبة للاحتجاج عقب وفاة طالبة تعرضت لأزمة قلبية، متهمين خدمات الإسعاف بالتأخر في التدخل، ومنددين بنقص التجهيزات الطبية داخل المرافق الجامعية.
ودعت أوساط طلابية إلى إضراب يوم الجمعة 23 أكتوبر للمطالبة بتحسين الخدمات الصحية في المؤسسات والإقامات الجامعية، وفتح تحقيق بشأن ظروف وفاة الطالبة. وأعلن مسؤول عن الخدمات الجامعية فتح تحقيق بشأن آجال تدخل الإسعاف، دون أن تكون المسؤوليات قد حسمت.
وتأتي هذه التطورات بعد أيام من مظاهرة سياسية كبيرة شهدتها العاصمة تونس يوم السبت 17 أكتوبر، شارك فيها آلاف الأشخاص بدعوة من الاتحاد العام التونسي للشغل ومنظمات مدنية وقوى سياسية معارضة.
ورفع المشاركون شعارات تنتقد أداء السلطات وتطالب بحماية الحريات وتحسين الأوضاع الاقتصادية والخدمات العمومية.
وجمعت المظاهرة أطرافا سياسية ومهنية مختلفة، من بينها نقابيون ومحامون وأطباء وصحافيون ونشطاء مدنيون وعاطلون عن العمل.
وتواجه تونس منذ سنوات صعوبات اقتصادية واجتماعية تشمل البطالة واضطراب التزود بالمياه والكهرباء ونقص بعض الأدوية والمواد الأساسية، وهي مشكلات تحولت إلى مطالب متكررة في التحركات الاحتجاجية.
ورغم وقوع الاحتجاجات الأخيرة في مناطق مختلفة ولأسباب مباشرة غير متطابقة، فإن تزامنها يكشف تعدد بؤر التوتر الاجتماعي، من المطالبة بتوضيح ظروف وفيات مرتبطة بتدخلات أمنية إلى الاحتجاج على الخدمات الصحية وظروف المعيشة.
ولا تتوفر حتى الآن معطيات تثبت وجود تنسيق موحد بين هذه التحركات أو تحولها إلى حركة احتجاجية وطنية منظمة، غير أن استمرارها يأتي في سياق اتساع الانتقادات الموجهة إلى أداء المؤسسات العمومية وإدارة الأزمة الاقتصادية.
وبين المطالب الاجتماعية والاحتجاجات الميدانية، تواجه السلطات التونسية تحدي الاستجابة لمطالب التحقيق والمساءلة وتحسين الخدمات، في وقت تتزايد فيه الضغوط المرتبطة بالأوضاع الاقتصادية والحريات العامة.
