الصحراء وحرب السرديات.. «المعركة المؤجلة»

أعاد الفيتو الروسي على مشروع القرار الأمريكي بشأن الصحراء، خلال جلسة مجلس الأمن في 30 أكتوبر 2026، النقاش حول مستقبل المسار الأممي إلى الواجهة. وبين المواقف المتعارضة للقوى الكبرى، والتأويلات التي رافقت التصويت، برزت مجددا أهمية التمييز بين ما تقوله القرارات الدولية وما تنسبه إليها الأطراف المختلفة من دلالات سياسية.

لكن خلف هذا النقاش الدبلوماسي، يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية: من يشرح هذه التحولات للعالم؟ ومن يمتلك القدرة على تأطيرها إعلاميا، ووضعها في سياق يساعد الجمهور الدولي على فهم ما يجري، بعيدا عن اختزال القضية في نتائج التصويت والتصريحات الرسمية؟

ليس هذا السؤال مرتبطا بجلسة واحدة لمجلس الأمن. فهو يمتد إلى سنوات من التحركات الدبلوماسية المغربية، وما رافقها من تغيرات في مواقف عدد من الدول والمؤسسات الدولية تجاه قضية الصحراء.

فمنذ عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017، مرورا بتطور المواقف الدولية من مقترح الحكم الذاتي، وصولا إلى قرارات مجلس الأمن المتعاقبة، راكمت الدبلوماسية المغربية محطات تستحق قراءة متصلة، لا مجرد تغطيات منفصلة عند كل تطور جديد.

غير أن التحول الدبلوماسي لا يتحول تلقائيا إلى معرفة متداولة لدى الرأي العام الدولي. فمواقف الحكومات تتشكل داخل المؤسسات والعلاقات السياسية، بينما تتأثر تصورات الجمهور بما تنشره الصحافة، وما تنتجه مراكز البحث، وما يتداوله الفضاء الرقمي.

وقد تنجح الدبلوماسية في تغيير موقف دولة، دون أن يصاحب ذلك تغير مماثل في الطريقة التي يفهم بها جمهور تلك الدولة قضية الصحراء.

هنا تبدأ المعركة المؤجلة.

لا تعاني التغطية الإعلامية لقضية الصحراء بالضرورة من ندرة الأخبار. فالتصريحات الدبلوماسية والبيانات الرسمية وقرارات مجلس الأمن تحظى بمتابعة واسعة في وسائل الإعلام المغربية، إلى جانب معالجات تحليلية ومساهمات بحثية لا يمكن إغفال أهميتها.

غير أن كثافة التغطية لا تعني بالضرورة وجود سردية صحفية متماسكة. فالتحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذا الإنتاج إلى عمل تفسيري مستمر، يقوم على التوثيق والتحقق وقراءة التحولات في سياقاتها التاريخية والقانونية والسياسية، ويخاطب جمهورا يتجاوز الحدود الوطنية.

فالخبر، مهما بلغت أهميته، لا يستطيع وحده بناء فهم متراكم لقضية تتداخل فيها اعتبارات التاريخ والقانون الدولي والجغرافيا السياسية والمصالح الإقليمية.

ولا يكفي الإعلان عن موقف جديد لدولة ما دون شرح خلفياته وحدوده، أو نقل قرار أممي دون مقارنته بالقرارات السابقة، أو الاحتفاء بتحول دبلوماسي دون توضيح ما يغيره فعليا وما يتركه دون تغيير.

وفي حرب السرديات، لا تتحدد موازين التأثير بمن يملك الوقائع وحدها، بل أيضا بمن يمتلك القدرة على تأطيرها وتقديمها إلى الرأي العام الدولي.

فاختيار زاوية المعالجة، وترتيب الوقائع، واستحضار السياقات التاريخية والقانونية، وتحديد الأسئلة المطروحة، كلها عناصر تؤثر في الكيفية التي يفهم بها العالم قضية الصحراء.

ومن هنا، لا ينبغي أن تظل التحولات التي تحققها الدبلوماسية المغربية رهينة التأطير الذي تنتجه المنصات الأجنبية، وفق أولوياتها التحريرية ومصادرها ومرجعياتها الخاصة.

وليس المطلوب مصادرة حق هذه المنصات في تقديم قراءاتها، ولا استبدال التفسير الصحفي بالدعاية، بل بناء حضور إعلامي مغربي مستقل، قادر على إنتاج معرفة موثقة ومتعددة اللغات، والمشاركة في صياغة الأسئلة التي يتشكل حولها النقاش الدولي.

فالمعركة ليست فقط في تصحيح ما يقوله الآخرون عن قضية الصحراء، وإنما في امتلاك القدرة على تفسير تطوراتها والمساهمة في تشكيل فهمها، قبل أن تستقر لدى الجمهور من خلال سرديات لم نشارك في بنائها.

وتزداد أهمية هذا التحدي مع التحولات التي يشهدها الوصول إلى المعلومات. فلم تعد الصحف والمنصات الإخبارية وحدها مصدر المعرفة، بعدما أصبحت محركات البحث وتطبيقات الذكاء الاصطناعي من الأدوات التي يلجأ إليها الجمهور والصحافيون والباحثون لفهم القضايا الدولية.

وهنا تدخل حرب السرديات مرحلة جديدة. فلم يعد التنافس مقتصرا على من ينشر الخبر أولا أو يقدم التفسير الأكثر انتشارا، بل امتد إلى المصادر التي تظهر في نتائج البحث، والمعلومات التي تستطيع أنظمة الذكاء الاصطناعي استرجاعها والاستناد إليها في صياغة إجاباتها.

وفي غياب إنتاج صحفي مغربي موثق ومتراكم ومتعدد اللغات، قد تتشكل معرفة الجمهور الدولي بقضية الصحراء اعتمادا بدرجة أكبر على مصادر أخرى، تقدم الأحداث وفق زواياها التحريرية ومرجعياتها الخاصة.

ولذلك لم يعد كافيا انتظار صدور رواية أجنبية للرد عليها أو تصحيح ما قد يشوب تأطيرها من اختلالات. المطلوب المشاركة منذ البداية في إنتاج المعرفة المتاحة للعالم، عبر صحافة تفسيرية مستقلة، قادرة على فحص الروايات المتنافسة وإتاحة محتواها بصورة يسهل الوصول إليها والتحقق منها.

فالسؤال لم يعد فقط عمن يروي قضية الصحراء للعالم، بل أيضا عمن ينتج المعرفة التي سيجدها العالم عندما يبحث عنها، أو يسأل أنظمة الذكاء الاصطناعي بشأنها.

غير أن بناء هذا الحضور لا يتحقق بمجرد الدعوة إليه. فهو يحتاج إلى مؤسسات تستثمر في التخصص، وصحافيين يمتلكون أدوات تحليل الوثائق والبيانات، وموارد تتيح متابعة الملف باستمرار، بعيدا عن ضغط الأخبار العاجلة.

كم من مؤسسة إعلامية مغربية تمتلك فريقا متخصصا يتابع قرارات مجلس الأمن بندا بندا، ويقارن بين صيغها المتعاقبة، ويفسر الفوارق بين المواقف السياسية وآثارها القانونية؟

وكم من منصة تنتج ملفات مرجعية بالإنجليزية والفرنسية والإسبانية، يستطيع الصحافي أو الباحث الأجنبي العودة إليها للحصول على معلومات موثقة وشروح مستقلة؟

هذه الأسئلة لا تستهدف التشكيك في كفاءة الصحافيين المغاربة، ولا التقليل من الجهود القائمة، بل مساءلة الشروط التي تسمح بتحويل المبادرات الفردية والمعالجات المتفرقة إلى مشروع إعلامي مستدام.

فمن الصعب مطالبة الصحافي بإنتاج تحليل متخصص إذا كانت مؤسسته لا توفر له الوقت والموارد والوصول إلى الوثائق والخبراء. كما يصعب بناء صحافة تفسيرية مستمرة داخل غرف أخبار تعاني ضغوطا مالية وتنافسية تجعل سرعة النشر وحجم التفاعل يتقدمان أحيانا على عمق المعالجة.

لكن المسؤولية لا تقع على المؤسسات الإعلامية وحدها. فالجامعات ومراكز البحث معنية بتطوير صلات أكثر انتظاما مع الصحافة، وإتاحة إنتاجها العلمي في صيغ يمكن توظيفها في النقاش العام.

كما تتحمل الجهات العمومية المعنية بالتواصل مسؤولية تيسير الوصول إلى المعلومات والوثائق والخبرات، دون أن يتحول ذلك إلى اشتراط للتوافق مع المواقف الرسمية.

إنها فجوة متعددة المستويات: فجوة تفسيرية حين يطغى الخبر على السياق، وفجوة مؤسسية حين يغيب الاستثمار طويل الأمد في التخصص، وفجوة مهنية حين لا تتوفر بالقدر المطلوب مهارات تحليل الوثائق الدولية وصحافة البيانات والتحقق والعمل متعدد اللغات.

ولا يتعلق الأمر بمجرد تحسين صورة المغرب في الخارج. فالصحافة الجادة لا تستمد قيمتها من قدرتها على إقناع الجمهور بموقف محدد سلفا، وإنما من قدرتها على تقديم وقائع دقيقة، وتفسير الحجج المتعارضة، وكشف التناقضات، ووضع الأحداث في سياق يسمح للقارئ بتكوين حكمه الخاص.

وهذا التمييز أساسي. فالدبلوماسية تدافع عن مواقف الدولة ومصالحها، أما الصحافة فتخضع لمنطق آخر يقوم على الاستقلال والتحقق والمساءلة.

وإذا تحولت الصحافة إلى مجرد امتداد للخطاب الدبلوماسي، فقد تخسر أهم ما تحتاج إليه في حرب السرديات: المصداقية لدى جمهور لا يشاركها بالضرورة المرجعيات نفسها.

ومن ثم، فإن بناء سردية صحفية مغربية ذات حضور دولي لا يعني تجاهل الروايات المقابلة أو الاكتفاء بتفنيدها، بل يبدأ بفهمها ومعرفة مصادرها وحججها، ثم اختبارها في ضوء الوثائق والوقائع.

كما يتطلب التمييز بين ما هو ثابت وما هو محل خلاف، وبين ما تقوله القرارات الدولية وما يستنتجه منها الفاعلون السياسيون.

والجمهور الدولي يحتاج إلى إجابات موثقة عن أسئلة محددة: كيف تطورت مواقف الدول من قضية الصحراء؟ ما الفوارق بين قرارات مجلس الأمن المتعاقبة؟ كيف تغيرت المقاربات الدولية تجاه مقترح الحكم الذاتي؟ وما الذي تعنيه هذه التطورات بالنسبة إلى العملية السياسية ومستقبل المنطقة؟

والإجابة عن هذه الأسئلة تتطلب صحافة تمتلك ذاكرة وثائقية، لا تبدأ من الصفر مع كل تطور جديد. صحافة تستخدم الأرشيف والبيانات والخرائط والوثائق الأصلية، وتستعين بالخبرة الأكاديمية والقانونية دون أن تتنازل عن استقلالها التحريري.

كما تتطلب وعيا بأن الوصول إلى العالم لا يتحقق بمجرد ترجمة المقالات إلى لغات أجنبية. فالترجمة ضرورية، لكنها لا تعوض فهم الجمهور المستهدف وأسئلته ومصادر معلوماته وطريقة وصوله إلى المحتوى.

وما يصلح لجمهور مغربي يتابع الملف منذ عقود قد لا يكون كافيا لقارئ أوروبي أو إفريقي أو أمريكي يحتاج أولا إلى فهم الخلفيات التاريخية والمؤسساتية للنزاع.

ولذلك فإن المشروع المطلوب ليس منصة دعائية جديدة، ولا حملة إعلامية موسمية، بل قدرة تحريرية مستقلة ومستدامة، يمكن أن تتوزع بين مؤسسات صحفية ومبادرات بحثية وشراكات مهنية.

قدرة تنتج تحقيقات تفسيرية وملفات مرجعية وخرائط تفاعلية وتحليلات موثقة، وتتيح محتواها بلغات متعددة، وتصحح أخطاءها علنا، وتبني ثقة القارئ بالتراكم لا بالشعارات.

لقد قطعت الدبلوماسية المغربية مسارا طويلا في إعادة ترتيب موقع قضية الصحراء داخل العلاقات الدولية. ومن المشروع أن تخضع حصيلة هذا المسار للنقاش والتقييم، تماما كما ينبغي مساءلة ما إذا كانت المنظومة الإعلامية والبحثية قد طورت أدوات موازية لفهمه وشرحه وتقديمه إلى العالم.

فالدول تستطيع عبر الدبلوماسية التأثير في مواقف الحكومات، لكنها لا تستطيع وحدها تحديد الكيفية التي يفهم بها الجمهور الدولي تلك المواقف.

ذلك مجال تتنافس فيه المعرفة والتفسيرات والمصادر والمصداقية، وتؤدي فيه الصحافة دورا لا يمكن اختزاله في إعادة نشر البيانات.

إن المعركة المؤجلة في قضية الصحراء ليست معركة لرفع صوت الرواية المغربية فوق غيرها، بل لبناء صحافة قادرة على الحضور في النقاش الدولي بقوة الوقائع وجودة التفسير واستقلالية المعالجة.

وإذا كانت الدبلوماسية قد راكمت تحولات تستحق القراءة، فإن مسؤولية الإعلام اليوم هي ألا يترك تفسيرها للآخرين وحدهم.

فالسردية التي تستحق أن تصل إلى العالم لا يكفي أن تكون مغربية المصدر، بل ينبغي قبل كل شيء أن تكون جديرة بالثقة.